الرئيسية » مقالات » السمع و الطاعة

السمع و الطاعة

لقد تخلصت من الطاعة يا زارا فوجب عليك أن تأمر الآن
نيتشه , هكذا تكلم زرادشت

تختص الدولة و الله فقط دون بقية الكائنات بإدعاء السمع و الطاعة من أتباعهما , إنهما متشابهان جدا , فهما فوق الإنسان , خارج التاريخ , يدعيان العصمة , إنهما محقان حتى لو حكما ضد البشر , الله “بحكمته” فوق البشرية التي لا يمكن فهمها بشريا , و الدولة بما ينسب إليها من ضرورة مركزية في ظهور و استمرار الوجود الإنساني , في الحالة الأولى يفسر كل ما “يبدو” أنه ظلم يمارسه الله على أنه فوق قدرة البشر على الإدراك و تبرر شرور الدولة على أنها أهون من شرور غيابها , أما نحن البشر , أتباع أو حتى عبيد الله و الدولة , فإننا نلجأ إلى السماء في مواجهة أي موقف خارج عن إرادتنا , في مواجهة أية مصيبة تبدو كقدر أعمى , رغم إدراكنا , و رغم أن اللاهوتيين أو رجال الدين أنفسهم يؤكدون لنا أن الله حر و مصيب في أي شيء يفعله بنا , و يصرون في نفس الوقت على أهمية الدعاء نحو السماء كجزء من علاقة العبودية تجاهها , يناشد معظم المرضى و المفجوعين , معظم من يتألم على أرضنا , الفرج من السماء , نعرف جيدا أن السماء تجيب قلة قليلة من هؤلاء فقط , لكنهم يستمرون في الدعاء دون توقف على الرغم من ذلك..ذات الشيء ينطبق على موقف معظمنا من الدولة , ذات الأمل الذي يلاقى بخيبة الأمل في معظم الأحيان , و ذات الإصرار من جانبنا على تكرار الطلب و انتظار الفرج من تلك القوة التي لا تجيب عادة نداءاتنا المريرة..لماذا إذا نستمر في طلب العون ممن يملك , وفق الخطابات السائدة , القدرة على نجدتنا لكنه في نفس الوقت يختار تجاهل هذه النداءات و يبقى على الرغم من ذلك موصوفا بالعدل و الحكمة مثلا ؟..الجواب بسيط جدا : السمع و الطاعة..لقد جرى خلق السمع و الطاعة كشرط أولي للسلوك الإنساني تجاه هذين الكيانين : الله و الدولة..
الأمثلة التي سأوردها لاحقا ليست حصرية , إنها فقط أمثلة على ثقافة السمع و الطاعة و لا يقصد بها حصر نقد هذه الثقافة على الأمثلة التالية فحسب دون غيرها , بل يقصد استخدامها كأمثلة لثقافة مسيطرة على حياتنا بكل تلاوينها و تفريعاتها..
يعني السمع و الطاعة الخضوع التام لسلطة ما دون نقاش و الالتزام التام بأوامرها دون تفكير , يصبح السمع و الطاعة اللذين اختصت بهما الدولة و السماء أساسا لأية حالة هيمنة , أساسا لكل حالة يهيمن فيها القوي على الضعيف , هذا يبدو مبرر استمرار استغلال الإنسان للإنسان و استعباد الإنسان للإنسان كل هذه الفترة الطويلة..هنا يكون سلاح السمع و الطاعة هو أمضى سلاح بيد القوى المهيمنة و السائدة ضد ضحاياها..يقول النبي مثلا “أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم” ( أخرجه مسلم , 68 ) , هنا تصبح سلطة مالك العبيد جزءا عضويا من سلطة السماء , و يصبح السمع و الطاعة سلاحا أساسيا لتدجين مقاومة العبيد ضد مالكيهم , لكن الحديث الذي يختزل كل أشكال الهيمنة الأرضية للقوى السائدة و ارتباطها العضوي بالسمع و الطاعة تجاه الإله هو الحديث التالي “ثلاثة لا تسأل عنهم , رجل فارق الجماعة و عصى إمامه و مات عاصيا ( السلطة السياسية المباشرة – سلطة الدولة ) و أمة أو عبد أبق فمات ( سلطة مالك العبيد – الرأسمالي القديم ) و امرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده ( السلطة الذكورية داخل العائلة )” , القضية لا تتعلق بالسماء فقط ( هذا الكلام سيسعد السلطويين المعادين للدين أو بعض الأصوليين المعادين بالضرورة لأصولية أخرى ) , بل بثقافة السمع و الطاعة في كل أشكالها , يقول ابن خلدون في مقدمته :”إذا كانت الملكة ( أي السلطة ) و أحكامها بالقهر و السطوة و الإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم ( أي أتباعها ) و تذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة” ( مقدمة ابن خلدون , ص 126 ) , “إذا كانت الأحكام بالعقاب ف( هي ) مذهبة للبأس بالكلية لأن وقوع العقاب به و لم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة” , بل إنه يرى أن صحابة الرسول الأوائل لم ينقادوا للدين و لا للدولة التي قامت على أساسه بالقوة القهرية للدولة :”ما وقع من الصحابة من أخذهم بأحكام الدين و الشريعة و لم ينقص ذلك من بأسهم ( أي تحررهم من أية سلطة و عدم انقيادهم لها ) بل كانوا أشد الناس بأسا…لأن الشارع صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينه كان وازعهم فيه من أنفسهم…إنما هي أحكام الدين و آدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان و التصديق…قال عمر رضي الله عنه : من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله . حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه…( أي ) تبين أن الأحكام السلطانية و التعليمية مفسدة للبأس” ( المقدمة ص 127 ) , هكذا يرى ابن خلدون أن السمع و الطاعة التي لا بد منها للدولة ترافق الأشكال المدينية من الاجتماع البشري أو العمران البشري كما يصفه ابن خلدون و ما يرافقه هذا من تسلط السلطة السياسية – الدولة على حساب إضعاف بأس أتباعها..يقول عبد الله القصيمي هنا أن التحريم كممارسة مرتبطة بالسلطة , أية سلطة , دينية كانت أو زمانية , “يعني أنه يوجد شيء فوق البشر , إنه دلالة أليمة على أن الإنسان محكوم من بعيد” بل إن من يمارس التحريم على البشر “إنما يعنون أن يحرموا عليهم الذكاء و الحرية و المقاومة” ( أيها العقل من رآك )..إذن فثقافة السمع و الطاعة تشكل الأساس الضروري لأي قهر أو اضطهاد أو قمع يقع علينا كبشر , إنها ضمانة استمرار السلطة , أية سلطة , التي كما يقول ابن خلدون , هي سلطة بسبب وجود أتباع ينقادون لسلطانها , و ليس لأي سبب آخر….
مثال أخير عما تريد ثقافة السمع و الطاعة , مرة أخرى بكل أشكالها الستالينية و الأتاتوركية و الدينية و البرجوازية , ثقافة المحتل أي محتل و المستبد أي مستبد , أن تحققه , ( فلا توجد سلطة يمكنها أن تستغني عن هذه الثقافة كمكون أساسي في الخطاب السائد ) , عما يعنيه أن نكون مجرد محكومين , بشر عاديين , خاضعين للسماء و الدولة , عن الدرجة المطلوبة من السمع و الطاعة التي لا تقبل أية سلطة إلا بها , يقول ابن حزم الظاهري في الفصل في الملل و الأهواء و النحل مفسرا كون “أن الله تعالى حاكم على كل ما دونه” ب”أنه يعذب من يشاء أن يعذبه و يرحم من يشاء أن يرحمه و أنه لا يلزم أحدا إلا ما ألزمه الله” ف”لو عذب المطيعين و الملائكة و الأنبياء في النار مخلدين لكان له ذلك و لكان عدلا و حقا منه و لو نعم إبليس و الكفار في الجنة مخلدين كان ذلك له و كان حقا و عدلا منه” و ينتقد من قال “أن المحاباة ظلم و لا ندري في أي شريعة أم في أي عقل وجدوا أن المحاباة ظلم و أن الله تعالى قد أباحها إلا حيث شاء” “فصح أن لا عدل إلا ما سماه الله عدلا” “و كذلك وجدنا الله تعالى قد أعطى الابن الذكر من الميراث حظين و إن كان غنيا مكتسبا و أعطى البنت حظا واحدا و إن كانت صغيرة فقيرة” , “و قد علمنا نحن و هم يقينا أن رجلين مسلمين لو خرجا في سفر فأغار أحدهما على قرية من قرى دار الحرب فقتل كل رجل بالغ فيها و أخذ جميع أموالهم و سبى ذراريهم ثم خمسن ذلك بحكم الإمام العدل و وقع في حظه أطفال قد تولى هو قتل آبائهم و سبي أمهاتهم و وقعن أيضا بالقسمة الصحيحة في حصته فنكحهن و صرف أولادهن في كنس حشوشه و خدمة دوابه و حرثه و حصاده و لم يكلفهم من ذلك إلا ما يطيقون و كساهم و أنفق عليهم بالمعروف كما أمر الله تعالى فإن حقه واجب عليهم بلا خلاف و لو أعتقهم فإنه منعم عليهم و شكره فرض عليهم…و أغار الثاني على قرية للمسلمين فأخذ صبيانا من صبيانهم فاسترقهم فقط و لم يقتل أحدا و لا سبى لهم حرمة فربى الصبيان أحسن تربية و كانوا في قرية شقاء و جهد وتعب و شظف عيش و سوء حال فرفه معايشهم و علمهم العلم و الإسلام و خولهم المال ثم أعتقهم فلا خلاف في أنه لا حق له عليهم و إن دمه و عداوته فرض عليهم” “أفلا يتبين لكل ذي عقل من أهل الإسلام إنه لا محسن و لا منعم إلا الله تعالى وحده”……………….