الرئيسية » التاريخ » تطور الفكر الديني في كردستان وأثره في الديانات الكبرى (الحلقة الثالثة)

تطور الفكر الديني في كردستان وأثره في الديانات الكبرى (الحلقة الثالثة)

إذا استعرضنا النصوص السومرية – الكردية المكتشفة فإنها لا تعطينا صورة واضحة عن تسلسل عملية الخلق والتكوين في الوقت الحاضر ورغم ذلك استطاع علماء السومريات تشكيل صورة مقبولة إلى حد ما عن أفكار السومريين – الأكراد ورؤيتهم حول نشأة الكون والحياة والآلهة واللاهوت. وتنتمي أساطير الحكمة والخلق والكون في كردستان السومرية إلى مجموعة أساطير الأساس المائي السرمدي فالحالة السابقة لخلق الكون هي حالة الظلام المائي الأزلي الراكد ، وفي لحظة غير محددة استيقظت الآلهة وباشرت في صنع الكون والعالم والحياة ويبدأ الزمن الذي نعيشه حتى اليوم.
وحسب الأساطير الكردية – السومرية فإن القوى الإلهية الخالقة هي قوى فاعلة ومقتدرة ، وخلق الكون والحياة ليس إلاً تعبيراً عن إرادتها وقوتها وانتصارها على قوى الظلام والسـكون الأزلي المدلهم والفوضى اللانهائية ، وحسب تلك الأساطير فإن فعل الخلق لم يحصل دفعة واحدة ، إنما حصل بالتدريج وعلى مراحل .
يقول العالم توفيل حول أهمية الحضارة السومرية ما يلي :
(لم يساهم شعب في توسيع آفاق المعرفة بالقدر الذي ساهم فيه الشعب السومري ).
والحقيقة أن لائحة الآلهة السومرية – الكردية التي اكتشفت في مدينة فارا ذات أهمية بالغة لأنها تعطينا فكرة جيدة عن اللاهوت وعن الآلهة الرئيسية في البانثيون (المجمع )الإلهي السومري – الكردي إذ تبدئ القائمة بأسماء الآلهة (الأصول )الستة الكبار:
– آن ويعني في السومرية الأعالي , السماء , والإله آن لم يكن يحب البشر فهو الذي أرسل ثور السماء إلى الأرض ليقتل جلجامش ,وهو الذي أنجب الآلهة الشريرة سيبتو وارا وجبيل وبعث إلى الأرض إلهة الموت (ماميتو والعفريتة لامشتو)
– جي إلهة الأرض المؤنثة التي أنجبت بكرها الإله انليل .

أنليل ويعني في السومرية سيد االهواء( النسيم ,الريح) ويوصف في المدائح الالهية السومرية”كور كال” ويعني بالسومرية جبل كبير و اكور اسم معبده في نفر ويعني في السومرية بيت الجبل.
(أن = سيد ,وليل = الهواء = النسيم = الريح = طبقة الجو الواقع بين سطح الأرض والسماء)
قارن بين اسم ليل السومرية , وليل – ليلان الكردية التي تعني في اللغة الكردية الحالية أيضا طبقة الجو الواقع بين سطح الأرض والسماء = طبقة السراب في اللغة العربية.

– انكي وانكي يعني في السومرية سيد الأعماق أو سيد تحت الأرض, وهو أيضا اله الحكمة وسيد الأبزو وتعني في السومرية مياه جوف الأرض
(أ ب = الماء , و أبزو= المياه العذبة في جوف الأرض)
قارن بين أب السومرية ,وأب-أف الكردية التي تعني في اللغة الكردية الحالية أيضا الماء ,وقارن بين أبزو السومرية وأبزو – أفزو- أفزوك الكردية التي تعني الماء الذي يخرج من جوف الأرض .
انانا( نين آنا = سيدة السماء )
نانار (اله القمر )
بابار(اله الشمس)
(بابار = اله الشمس )
قارن بين بابار السومرية , وبابير الكردية وهي مرتبة عليا في الكهنوت الكردي الايزيدي الحالي (الشمسانية) .
أعتقد أن وضع هؤلاء الآلهة العظام على رأس القائمة يدل على علو شأنها , وتضم القائمة أسماء آلهة كبار من الدرجة الأولى لا تقل شأنا عن المجموعة الأولى , و يأتي على رأسهم:
الإله كور(رب عالم الموتى) وكور يعني في السومرية وطن مجهول أو مكان مجهول(غريب).
(كور =اله الموت,اله العالم السفلي).
قارن بين كور السومرية, وكور الكردية التي تعني في اللغة الكردية الحالية “القبر”” حيث يدفن الميت

الإلهة ارشيكيكال( زوجة الاله كور وحاكمة العالم السفلي ) سيدة(؟) الأرض الكبيرة وتعدد الروايات السومرية أزواجا عديدة لها منهم كوكولا أنا ويعني في السومرية ثور السماء الكبير .
اريشكيكال: اسم سومري يتكون من عدة مقاطع: رشي = الظلام = الليل= السواد ,وكي= المكان , وكال = سيدة .
قارن بين رشكيكال السومرية ورشكا شفي الكردية وهي عفريتة الليل في الأساطير الكردية الحالية ,ومقطع كال السومرية = مقطع كال الكردية الحالية التي تعني السيدة العظيمة والسيد العظيم.
كوكولا :كو = الثور
قارن بين ” كو” السومرية , و”كو” أو “كا ” الكردية التي تعني “الثور”في اللغة الكردية الحالية .
انمه سرا اله العالم السفلي ويعني اسمه في السومرية سيد الكل .
سرا- شرا= سيد الكل.
قارن بين سرا السومرية وسر التي تعني في اللغة الكردية الحالية فوق = فوق الكل = سيد الكل
بابا إلهة مدينة لكش السومرية ووصلت شعبيتها الى خارج حدود مدينتها لكش.
(بابا السومرية )
قارنوا بين بابا السومرية وبابا كركر( اسم يطلق على مدينة كركوك الكردية ) وأعتقد أن بابا كركر =اله النار , كناية عن النار المنبعث منذ الأزمنة القديمة من حقول البترول في كركوك , والنار مقدس لدى الأكراد ويقسمون به.
ننكر إلهة الأمومة ويعني اسمها في اللغة السومرية سيدة الجبل.
ننكريتألف في اللغة السومرية من مقطعين: نن = سيدة , وكر = الجبل
قارن بين المقطع السومري نن والمقطع الكردي نن التي تعني في اللغة الكردية الحالية سيدة = ستي= جدتي, وقارن بين المقطع ” كر” السومري و “كر” الكردي الذي يعني في اللغة الكردية الحالية التل = الجبل .

نين ماك إلهة الأمومة الكبرى ويعني اسمها في السومرية كبرى السيدات ويطلق عليها أيضا اسم دينكر- ماك وتعني في السومرية كبرى الآلهات .
ماك = الكبرى في اللغة السومرية .
قارن بين ماك السومرية , وماك الكردية التي تعني في اللغة الكردية الحالية الأم الكبرى أيضا .
– ممو وزير الإله أبزو
لو ليلا من عفاريت العالم السفلي ويعني في السومرية رجل الريح ومؤنثه كيسكيل- ليلا وتعني في السومرية فتاة الريح .
لو = الرجل في اللغة السومرية.
قارن بين ” لو ” السومرية و “لو ” الكردية التي تعني الرجل أيضا في اللغة الكردية الحالية والأنثى ” لي “
كيسك = الفتاة في السومرية .
قارن بين “كيسك “السومرية و “كيسك ” الكردية التي تعني في اللغة الكردية الحالية أيضا الفتاة = قيسك= قيزك.
– نينليل زوجة الإله انليل ويعني سيدة الهواء- الريح –النسيم ,وهو الصيغة المؤنثة من اسم انليل
وتضم القائمة عدد من الآلهة المحلية الأقل شأنا .
(راجع قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين بخصوص أسماء الآلهة السومرية ومعناها – تأليف اذ زارد,م. بوب,ف.رولينغ – ترجمه عن الألمانية محمد وحيد خياطة- الطبعة الأولى1987- توزيع دار مكتبة سومر- حلب )
ويشير نص سومري إلى الألهة الكبار”آن وانليل وكور وارشكيكال وعملية التكوين وذلك بفصل السماء والأرض عن بعضهما:

بعد أن أبعدت السماء عن الأرض
وفصلت الأرض عن السماء
وتم خلق الإنسان
وأخذ آن السماء.
وانفرد أنليل بالأرض
أخذ الإله كور الإلهة ارشكيكال غنيمة .
ويكشف مطلع نص سومري آخر عن قيام الإله انليل بفصل السماء عن الأرض:
إن الإله الذي أخرج كل شيء نافع
الإله الذي لا مبدل لكلماته
انليل الذي أنبت الحب والمرعى
أبعد السماء عن الأرض
وأبعد الأرض عن السماء .
ويشير نص سومري إلى الإله انكي:
انكي سيد الأعماق يقرر مصائرها
أيتها المدينة التي رسم مصائرها انكي
وورد اسم الإله انكي في نص آخرً :
بعد ان تفرقت مياه التكوين
وعمت البركة أقطار السماء
وغطى الزرع والعشب وجه الأرض
انكي إله الغـمر انكي الملك
انكي الرب الذي يقرر المصائر
بنى بيته من فضة ولازورد
فضة ولازورد كأنها النور الخاطف
حيث استقر هناك في الأعماق .


وهكذا نجد أن عملية الخلق والتكوين السومري وتسلسله الطبيعي لم يحصل نتيجة أمر الهي من قبيل كن فيكون إنما جاء نتيجة فعل طبيعي ودورة زمانية ومكانية تمثل ميثولوجيا في الإنجاب الذاتي أولا (الإلهة نمو أنجبت ذاتيا الإله آن ) و التزاوج الطبيعي ثانياً (تزاوج الإله آن مع الالهة جي )، هذا الفعل الطبيعي في منظور العلم والفلسفة المعاصرة يدل على الواقعية وان كانت هذه الواقعية غير مفهومة ميثولوجيا في الوقت الحاضر ، وإذا أثبت علم الحديث في المستقبل نظرية نشوء الكون والحياة من الماء فإن الوقائع الواردة في النصوص السومرية تصبح ذات أهمية علمية خاصة وتصبح دليل غير مسبوق على وجود علم سومري متقدم , حينئذ تصبح إعادة النظر في الميثولوجيا السومرية وما تحتوي من رموز وتخيلات ووقائع وأحداث ضرورة علمية ينبغي دراستها وفق الأبحاث العلمية المعاصرة .
يتبع