الرئيسية » مقالات » شعب غزة بين المطرقة والسندان , بين عدوان إسرائيل وحماس إيران

شعب غزة بين المطرقة والسندان , بين عدوان إسرائيل وحماس إيران

ليس سهلاً على الباحث أن يكون صريحاً وشفافاً مع شعبه حين يكون هناك عدوان أثم , وحين تكون هناك قوى لا تريد تحقيق سلام عادل ودائم بين العرب واليهود , بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية , وحين تكون العواطف هي سيدة الموقف. ولكن لا بد من قول الحقيقة بكل مرارتها , ولا بد من وضع النقاط على الحروف لكي يمكن مواجهة الأكثرية بسياسة عقلانية ومواقف مسئولة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والعربي – الإسرائيلي.

لا شك في أن استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية الفلسطينية منذ حرب حزيران 1967 يعتبر السبب المركزي والأساسي في كل المشكلات التي تحصل للشعب الفلسطيني في ما تبقى من فلسطين في غزة والضفة الغربية قبل قرار التقسيم. , إذ ما تبقى منها للعرب لا يزيد عن 22 % , وهي بدورها مليئة بالمستوطنات اليهودية.

ولا شك في أن أغلب حكومات إسرائيل اليمينية المتعاقبة كان ولا يزال يهمها استمرار الصراع والتهام أجزاء جديدة من الدولة الفلسطينية المحتملة. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى نقاش طويل بين العرب على أقل تقدير. والسياسة الإسرائيلية عبر الحكومات المتعاقبة تدلل على ذلك بأسطع ما يمكن. كما أن هناك الكثير من افسرائيليين من أنصار السلام والديمقراطية يتفقون في ذلك ايضاً , إذ لا شك في أن هذه السياسة العسكرية واستمرار الاحتلال غير مقبولة من نسبة غير قليلة من شعب إسرائيل , سواء أكانوا من اليهود أم السكان العرب من مسلمين ومسيحيين.

ولا شك في أن النزاع العسكري بين قوى منظمة التحرير الفسطينية وإسرائيل لن يعالج المشكلة بل يزيدها تعقيداً بسبب فقدان التوازن العسكري بين القدرات الإسرائيلية والقدرات الفسطينية , إضافة إلى اختلال في التوازن السياسي لصالح إسرائيل بسبب تأييد غربي واسع النطاق لها وشديد الحضور دولياً وفي مجلس الأمن الدولي في كل أزمة تنشأ بين الطرفين.

ولا شك في أن الحكام العرب وبعض دول المنطقة لهم سياسات مختلفة ومتصارعة ليس في أغلبها ما يساعد على خوض نضال سلمي وعبر الحوار للوصول إلى اتفاق من أجل إقامة دولتين على هذه الأرض الطيبة , فلسطين.

ولكن استمرار النزاع غير متفق عليه بين العرب في ما إذا كان قادراً على إيجاد حل للمشكلة أو يساهم في تعقيد المشكلة. إذ في الوقت الذي تطرح قوى واسعة من منظمة التحرير الفلسطينية , وخاصة فتح , ودول عربية كثيرة , بأن النزاع المسلح يعقد الأمر أكثر ويزيد من تقريم وقضم المزيد من مساحة دولة فلسطين المنشودة , ترى قوى الإسلام السياسي المتطرفة (حماس والجهاد الإسلامي ..) وقوى قومية يمينية متطرفة (البعث وقوى المؤتمر العربي مثلاً) , إضافة إلى إيران وقوى الإسلام السياسية المتطرفة على الصعيد العالمي , وخاصة قوى القاعدة وقوى حزب الله في لبنان , بأن لا تسوية ولا سلام مع إسرائيل , بل لا بد من استمرار الصراع والنزاع إلى حين تحرير فلسطين كلها وشطب دولة إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط. وهو الموقف الذي تبنته كل القوى القومية العربية وقوى الإسلام السياسية , وخاصة أخوان المسلمين , على مدى عقود والتي برهنت على فشلها , والآن متبناة من القوى القومية اليمينية المتطرفة وقوى الإسلام السياسية المتطرفة والتي لن تقود إلى أي حل عملي بل إلى المزيد من التوتر والموت. إن شعار أما كل فلسطين عربية أو الموت , سوف لن يقود إلا إلى المزيد من الموت وإلى المزيد من تقليص مساحة فلسطين العربية المنشودة , وهو الموقف الذي تؤيده حكومة إيران الإسلامية السياسية المتطرفة وكأنها تريد تدمير إسرائيل , ولكنها تدمر في واقع الحال حلم الفلسطينيين في إقامة دولتهم على تلك الأرض التي كانت لهم قبل حرب العام 1967.

لقد بذلت مصر جهوداً حثيثة لإيجاد لغة مشتركة بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحماس أولاً , واستمرار التهدئة بين إسرائيل وحماس , هذه المنظمة الإسلامية السياسية المتطرفة , التي تسيطر بالقوة على قطاع غزة بعد انقلابها العسكري في العام المنصرم وإيقاف توجيه الصواريخ إلى جنوب إسرائيل التي عبر عنها رئيس السلطة الفلسطينية بصواب بأنها صواريخ عبثية , بل يمكن القول بأنها أكثر من عبثية , إذ أنها كانت ذريعة كافية محلياً ودولياً لتوجيه الضربات لقطاع غزة ثانياً. والمسحوق في النزاعات العسكرية هو شعب غزة ومن تطاله صواريخ حماس وجها من المدنيين في إسرائيل. ولكن القوى المتطرفة , ومنها حماس وحزب الله يتهمون مصر بالتوطؤ مع محمود عباس وإسرائيل و ويحاول حزب الله إثارة الفوضى وإشاعة الموت في مصر والذي تجلى في خطاب حسن نصر الله في بيروت , والذي أدين بقوة وبحق من جانب الحكومة المصرية والرئيس المصري حسني مبارك.

إن حماس لا تمارس سياسة وطنية في غزة , بل تمارس سياسة إيرانية هدفها تصعيد التوتر والقتال غير المتكافئ بأمل جر العالم العربي إلى الحرب مع إسرائيل , وهو كابوس ثقيل لن يتحقق , ولكنه يخدم في المحصلة النهائية القوى اليمينية المتطرفة في إسرائيل والتي تريد فلسطين كلها لها , والقوى الإيرانية التي تعتقد بأن مواقف التوتر في المنطقة يخدم مصالحها وصرعاتها في المنطقة والعالم , ولكنه يلحق أفدح الأضرار بالشعب الفلسطيني وبقضيته العادلة.

في الوقت الذي يفترض رفض وإدانة العدوان الإسرائيلي الذي تجاوز كل الحدود , ولكن لا بد أيضاً من رفض وإدانة سياسة حماس في شق وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وانقلابها العسكري في غزة وسياسة التصعيد ضد إسرائيل عبر توجيه الصواريخ إلى جنوب إسرائيل والتي لا تقود إلا إلى موت المزيد من الفلسطينيين في غزة باعتبارها سياسة لا تعبر عن مصالح الشعب الفلسطيني , بل عن مصالح وسياسة إيران في المنطقة. وهذا بالضبط ما صرح به وعبر عنه بوضوح وزير خارجية مصر السيد أحمد أبو الغيط في أخر مقابلة صحفية خاصة له مع القناة العربية الفضائية.

لا بد من الدعوة إلى إيقاف الحملات العسكرية الجوية ضد غزة فوراً , ولا بد من إيقاف توجيه الصواريخ صوب إسرائيل من جانب قوى الإسلام السياسية في غزة أيضاً , ولا بد من إعادة الشرعية لغزة تحت قيادة السلطة الفلسطينية ورئيسها السيد محمود عباس , ولا بد من العودة إلى التفاوض لحل المسألة الفلسطينية بالطرق السلمية والتفاوضية , ولا بد من إيقاف تدخل الدولة الإيرانية الفظ بسياساتها المتطرفة في الشأن الفلسطيني …الخ.

لا بد من إيقاف القتال , إذ ليس هناك من بديل غير التفاوض السلمي وفق مقترحات القمة العربية وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين قبل حرب العام 1967 , دولة قابلة للحياة والتطور والتقدم , لصالح الشعب العربي , بجوار الدولة الإسرائيلية ولصالح الأمن والسلام بين الشعبين وفي المنطقة. وعلى إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وعلى حماس والجهاد الإسلامي القبول بذلك والبدء بإعادة اللحمة الفلسطينية والبدء بالتفاوض السلمي وتحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبدعم مباشر من الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى.

ليس هناك أصعب من قول الحقيقة على نسبيتها في ظروف التوتر والموت المتواصل , ولكن لا بد من قول الحقيقة , وهي في كل الأحوال نسبية , حتى لو حصد الإنسان عدم الرضى من البعض الكثير في ظروف العتمة والعاطفة المتهيجة والمهيمنة التي تميز عالمنا العربي وتحيط به.

3/1/2009 كاظم حبيب