الرئيسية » مقالات » مسلسل الباشا الشهيد نوري السعيد

مسلسل الباشا الشهيد نوري السعيد

كثيراً ما ذكرت إسم نوري باشا السعيد وأشرت إليه والى أدواره ومواقفه الوطنية في أغلب المقالات التي كتبتها عن الملكية بالعراق والتي لايمكن الكتابة عنها وتناول أحداثها دون ذكر الباشا إلا أنني للآن لم أخص هذه الرجل العظيم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشخصيته المثيرة للجدل والتي ينقسم حولها الناس بين مُعجَب به ومُحِب له وعاشق وبين حاقد عليه ومُبغِض له وكاره بمقال وقد يتسائل البعض عن السبب.. والجواب هو أنني كنت دائماً أرى بأن مقالة واحدة لن تفي شخصية عظيمة كالباشا حقها فمثله يحتاج لأن تكتب عنه الكتب وتجرى حوله الدراسات لتفيه حقه وهذا مافي نيتي عمله بالمسقبل القريب لو قدِّر لي ذلك بإذن الله.. ولكن بعد الخطوة التي يمكن وصفها بالتأريخية التي أقدمت عليها قناة الشرقية بإنتاج وعرض مسلسل عن حياة الباشا بعنوان (الباشا) إستنفرتُ قلمي للكتابة عن الموضوع بما يسمح به المجال ولست هنا بمجال النقد الفني لأنني وإن كانت مهتماً بالفن إلا أنني لست ناقداً لكنني أكتب هنا عن المسلسل والباشا كوني أولاً مهتماً بتأريخ العراق الحديث وحقبة العهد الملكي بالذات ولأنني ثانياً من مُحبّي الباشا وعشّاقه وهو بالنسبة لي مَثل أعلى يحتذى بنكرانه لذاته ووطنيته وحبه للعراق .

لقد إتسم مسلسل (الباشا) الذي عرضته الشرقية في رمضان الفائت قبل كل شيء بالجرأة من جهة المؤلف الكبير الأستاذ فلاح شاكر في كتابة السيناريو ومن جهة قناة الشرقية العزيزة في تبنيها للعمل وإنتاجها له رغم علم الجهتين بما ستتلقيانه من نقد لاذع وغير موضوعي مِن قبل مَن بقلوبهم صَمَم مِن أعداء الحقيقة وديناصورات العصر الحجري وعبدة الأصنام الشمولية الديكتاتورية التي تكن الحقد للعهد الملكي ورجاله الذين كان أبرزهم الشهيد نوري باشا السعيد.. كما إتّسم العمل بموضوعية المؤلف في طرح فكرة المسلسل وفي سرد أحداثه متحدياً عقوداً من التضليل عاشها المشاهد العراقي بشكل خاص والشعب العراقي بشكل عام في ظل أنظمة ساهم رجالها في إسقاط النظام الملكي وتصفية رجاله وتشويه صورتهم شعبياً وإعلامياً فجاء هذا العمل الكبير والمُميّز ليوجه صفعة قوية لهؤلاء ولعيد الأمور الى نصابها ويصحح كتابة التاريخ ويزيل غشاوة طالما أصرّ البعض لإبقائها على عيون الأجيال اللاحقة لتبقى ترى الأمور بمنظارهم المشوّه فقط وليس كما هي على حقيقتها.. وإنني لأقف اليوم حائراً ومتسائلاً.. كيف إستطاعت الدعاية الشيوعية والناصرية والبعثية بالعراق طيلة عقود غسل أدمغة مئات الألوف من العراقيين وتشويه صورة أحد أبرز مؤسسي دولتهم الحديثة وبناة نهضة بلدهم كنوري باشا السعيد وإظهاره على أنه رجل شرير يكره بلاده وشعبه عميل للغرب وغيرها من الأوصاف التي كانت ولاتزال تُطلق على الباشا في الإعلام المؤدلج لهذه التيارات السياسية وهي التي كانت تطبّل ليل نهار لحكام شموليون ديكتاتوريون كستالين في روسيا وعبد الناصر بمصر ففي الوقت الذي كانت فيه الدعاية الشيوعية والقومية تهاجم الباشا وتصفه بأبشع الأوصاف وتسفّه وتشوّه كل ماكان يقوم به من إنجازات لبلاده وشعبه كانت الأولى تُطبّل لستالين الدكتاتور الجزّار القاتل للملايين من أبناء شعبه وتصوّره على أنه من أبطال التحرر والسِلم العالمي وكانت الثانية تصوّر عبد الناصر الدكتاتور الذي قام بتصفية الألاف من أبناء مصر وزجّهم بالسجون وتعريضهم لأبشع واقذر صنوف التعذيب على أنه بطل الأمة العربية ومنقذها وبالتالي ساهم التياران بتشكيل رأي عام مخدوع ومُضلّل بشعارات كاذبة ومزيفة كان هو أول ضحاياها بعد أن إنساق ورائها وضحى بلحظة إنتشاء كاذب وضياع للعقل بالباشا الذي بزّ بوطنيته أغلب من سبقه وتلاه من السياسيين والعسكريين العراقيين حتى هذه اللحظة وقليل منهم من كان يمتلك بحر الوطنية الجارف الذي كان يجري في عُروق الباشا الشهيد وحسب العراق أن إبنه البار نوري كان يُسمّيه (العُراق) بضم العَين لابكسرها لأنه وكما كان يقول لايريد أن يكسر عَين العراق..هكذا كان الباشا.. يأبى كسر عَين العراق ولو حتى لفظاً فهو قد نذر حياته ليرفع رأس العراق عالياً ونجح بذلك قدر إستطاعته بعكس مَن جاؤوا مِن بعده ممن كسروا عَين العراق وأعين أبنائه ومرّغوا رؤوسهم في تراب الحروب والإحتلال والمقابر الجماعية والهزائم العسكرية .

كمشاهد أرى بأن مسلسل(الباشا) كان متميزاً وإيجابياً فكرة وإنتاجاً وإخراجاً وتمثيلاً وديكوراً بالمقارنة مع الإمكانيات المحدودة التي نعرفها جميعاً والتي تحد من نشاط الفنانين العراقيين والمؤسسات الإعلامية والإنتاجية العراقية والتي كانت بكل تأكيد السبب وراء الكثير من الأخطاء والهفوات التي صاحبت العمل إلا أنني للإنصاف والأمانة العلمية وكي لا أكون متحيزاً أود أن أسجل ثلاث ملاحظات سلبية إستوقفتني لدى متابعتي للعمل أعتقد أنه كان بالإمكان تجاوزها.. الملاحظة الأولى هي ضعف المَشاهِد الخارجية للمسلسل التي بدا واضحاً أنها كانت محصورة بمنطقة واحدة وبمساحة ضيقة محدّدة وبأن جميعها صُوِّرت بهذه المنطقة مع تغيير زوايا الكاميرا والديكور فقط بكل مرة وبالتالي ظهر الممثلون وكأنهم دمى تتحرك في مسرح محدود من دون أبعاد.. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالإختيار غير الموفق للممثل الذي قام بأداء دور النحاس باشا والذي كان مفاجئاً بالنسبة لنا خصوصاً وأن العمل قد تميّز بإشراك نخبة من الممثلين المصريين الكبار لأداء أدوار شخصيات مصرية كان لها تاثير في حياة الباشا وهي شخصية الدكتورة عصمت السعيد زوجة ولده الوحيد الشهيد صباح ووالداها لذا لانعلم ما الذي منع الجهة المنتجة والسيد المخرج من إختيار ممثل مصري لأداء الدور بدلاً من الممثل السوري الذي أُقحِم على الدور ماجعله مرتبكاً يتحدث جُملة باللهجة المصرية وعشرة جُمَل باللغة السورية وبالتالي فوجئنا ولأول مرة بالنحاس باشا وهو يتحدث بلهجة شامية ؟.. أما الملاحظة الثالثة والأخيرة والتي كانت صدمة بالنسبة لنا وللكثيرين فهي النهاية المفاجئة للمسلسل والتي لم تكن متوقعة إطلاقاً من خلال سير الأحداث الذي كان متناسقاً وشدّ المشاهدين حتى توقع الكثيرون منا بأن هنالك جزء ثان خصوصاً وأنه قد بقي لدينا مايقارب عشر سنوات غنية بأحداث مهمة في تأريخ الباشا والعراق معاً تفصل بين السنة التي إنتهى بها المسلسل وسنة 1958 التي إنتهى بها النظام الملكي في ذلك اليوم التموزي الأسود الذي بدأت أحداث المسلسل منه في لفتة ذكية ومدروسة من الأستاذ فلاح شاكر الذي أظهر لنا الباشا بتلك اللحظات العصيبة وهو يستذكر الأحداث كشريط مسجل ويعود بنا للماضي الذي شكل أحداث هذا المسلسل الجميل لذا فالقطع الذي حدث فجأة وبدون مقدمات بالحلقة الأخيرة والذي تمثل بالإنتقال المفاجيء من رحلة الباشا لمصر وحديثه مع النحاس حول فكرة الجامعة العربية الى مشهد الباشا وهو يلهث بشوارع بغداد وجموع الغوغاء تهتف ضده وضد النظام الملكي والتي تبعها صوت طلقات نارية لم يكن موفقاً البتّة وفوت علينا متعة المشاهدة التي دامت طوال أيام عرض المسلسل.. بالإضافة الى ذلك لا أستطيع أن أخفي سعادتي الغامرة بخصوص مسألتين في المسلسل الأولى هي إختيار قناة الشرقية للأستاذ العزيز المؤرخ والمفكر الدكتور سيار الجميل لمراجعة أحداث المسلسل التأريخية وهو إختيار أجده مصيباً كونه برأيي أحد المؤرخين والمفكرين الأكثر موضوعية وحيادية وإستقلالية بمراجعة وتقييم أحداث تأريخ العراق الحديث وقد تحمّل ولايزال الكثير من النقد في سبيل ذلك ولكن هذا لم يثنيه عن الإستمرار بطريق الحق الذي إختطه لنفسه وقد جائت مراجعته لأحداث مسلسل الباشا تأكيداً لذلك.. أما المسألة الثانية التي أفرحتني كثيراً فهي عودة الموسيقار والمطرب العزيز رائد جورج لجمهوره عبر هذا العمل بتأليفه لموسيقى المقدمة والنهاية والموسيقى التصويرية للمسلسل وقد أحسست بذلك من اللحظات الأولى لسماعي الموسيقى بالحلقة الأولى منه وقبل أن أقرأ إسمه بالتايتل وحالما قرأت الإسم فوجئت أن حدسي كان في محله فهاهو رائد جورج قد سمع ندائي ونداء المئات من أبناء وطنه وعاد لجمهوره بهذا العمل الرائع والجميل.. كما أود توجيه تحية كبيرة معطرة بأريج الورد مع تمنياتنا بالسلامة والشفاء العاجل للفنان والممثل الكبير والمتألق دوماً عبد الخالق المختار الذي عاش شخصية الباشا ودرسها بعمق وبالتالي جسّدها بكل حرفية وإخلاص كما بدا ذلك واضحاً من أداءه الراقي في المسلسل والذي تعالى على آلامه رغم ظروفه الصحية الصعبة في سبيل إنجاز العمل على أكمل وجه كما كان يريد ويتمنى وتحية كبيرة للمخرج المتميز الأستاذ فارس طعمة التميمي وللكاتب الكبير الأستاذ فلاح شاكر ولجميع العاملين والممثلين الذين شاركوا بإنجاز وإنجاح هذا العمل الدرامي الكبير تحت مظلة جوهرة القنوات الفضائية العراقية قناة الشرقية العزيزة السَبّاقة دائماً بكل شيء والتي تفاجئنا دوماً بالجديد والمتميز والجريء من الأعمال التلفزيونية .

لقد كانت حياة الباشا الشهيد نوري السعيد حياة متميزة وفريدة بكل معنى الكلمة شأنها شأن شخصيته التي كانت لا تقِل عنها تميّزاً وتفرداً لذلك فهي جديرة ليس فقط بأن ينتج عنها وحولها مسلسل واحد بل عشرات المسلسلات والأفلام لتأخذ منها الأجيال الجديدة التي لم تعرف وتعايش هذه الشخصية البغدادية العظيمة الدروس والعبر في الأصالة والطيبة والبساطة والشجاعة والحكمة والوطنية والإخلاص للشعب والوطن وقد كانت نهاية هذا الرجل العظيم مأساوية بكل معنى الكلمة إمتزج فيها غدر الأبناء بوحشية وهمجية الرعاع فالغدر تمثل بالزعيم عبد الكريم قاسم والمقدم وصفي طاهر فالأول كان يُعتبَر ربيب الباشا ولشدة (المَيّانة) بينهما كان الباشا الشهيد يناديه (كرّومي) وكثيراً ما كان يزوره بمقر وحدته العسكرية ليلعب معه (الطاولي) وقد إستدعاه قبل أيام من تنفيذه لإنقلابه الغادر وسأله عن الشائعات التي تتحدث عن تحضيره مع مجموعة من الضباط للقيام بإنقلاب فأجابه قاسم بالنفي أما الثاني فقد كان مرافق الباشا لسنوات طويلة وكان الباشا يعامله طوال سنوات رفقته له كأحد أبنائه ولكن للأسف مِلحِ الباشا وزاده لم يغزّر فيه ويمنعه من توجيه طلقات مسدسه عليه وهو الذي طالما شمِله بكرمه ورعايته ويبدوا بأن الباشا لم يرغب أن يُصدَم بمنظر مرافقه الأقدم وأحد أبنائه وهو يهم بإطلاق الرصاص عليه كما فعل من هم بشاكلته مِن قَبل بأخيه ورفيق دَربه وصَهره الشهيد جعفر العسكري فبادر بإطلاق رصاصات الرحمة على نفسه لتبقى صورة وصفي وكرومي وغيرهم من الضباط الذين كان الباشا ينظر اليهم على أنهم أبنائه جميلة في مخيلته كما كان يراها دائماً ليأتي بعدها الرعاع بوحشيتهم وهمجيتهم وغرائزهم الحيوانية ويكملوا على جثة الشهيد بسَحلها وتمزيقها وتقطيعها وحَرقها وتعليقها على أعمدة الكهرباء في صورة من أبشع الصورالتي عرفتها البشرية في تأريخها الحديث.. فأي عقول ونفوس مريضة وأي قلوب صمّاء وأي ضمائر ميتة تلك التي أقدمت على مثل هذه الفعلة الشنيعة وأي حليب ممزوج بسُموم الحقد والكراهية هذا الذي أرضعته لأجيالها التالية التي نعايش بعضها اليوم وأي مؤسسة عسكرية ناكرة للجميل تلك التي تآمرت وقتلت مؤسسيها وأصحاب الفضل عليها وعلى أبنائها جعفر باشا العسكري ونوري باشا السعيد ؟

يقول السير هارولد بيلي الذي كان قائماً بأعمال السفارة البريطانية ببغداد وسفيراً بالقاهرة في تقييم كتبه عن نوري باشا السعيد (إن الثورة لم تبهت صورته ففي سنة 1968 أي بعدها بعشر سنوات أوفدت الى بغداد للتفاوض في إستئناف العلاقات الدبلوماسية التي كانت قد قطعت أيام الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967 وحينها وضِعت تحت تصرّفي سيارة حكومية مع سائق إقترح خلال فترة ما بين المواعيد أن نقوم بجولة سريعة لمشاهدة بعض المعالم في بغداد وقد أخذني لمشاهدة بعض المباني العامة التي شُيّدت بعد الثورة ثم توقف خارج بوابة حديقة وقال مشيراً الى الدار التي خلفها ” هنا كان يَسكن نوري باشا “).. كما قال لي يوماً أحد الأصدقاء المقيمين بألمانيا بعد عودته من الحج (عندما كنت في مكة المكرمة إلتقيت برجل مُسِن كان ضمن حملة الحج القادمة من العراق وعندما هَمَمت بالحديث معه وسؤاله عن العراق قال لي ” إنتة عراقي؟ ” فأجبته ” نعم ” فقال ” تعرف الباشا؟ ” فقلت ” تقصد نوري السعيد؟ ” فقال ” عَفية.. هَسّة تأكدت أنه إنتة عراقي” يقول فأجبته مازحاً ” يعني لو مَعارُف نوري باشا آني موعراقي؟ “).. وفعلاً الى اليوم لايَذكر العراقيين إسم نوري السعيد دون أن يَقرنوه بصفة باشا فيقولون” نوري باشا ” وعندما يتحدث أي عراقي عن ماضي أو تأريخ العراق السياسي والإجتماعي ويَذكر كلمة ” الباشا ” فمفهوم بين جميع العراقيين بأن المقصود بكلمة ” الباشا “هو نوري باشا السعيد.. لذا يا أيها الشهيد السعيد نوري باشا نقول لك.. ستبقى رمزاً ومَعلماً وطنياً شامخاً وخالداً في تأريخ العراق فأنت باق وأعمار الذين حاربوك وتآمروا عليك قِصار وقد طواها النسيان.. لذا نَم قرير العين ولا تجزع فجَسدك وإن لم يَسَعه قبر فقد وسِعَه كل العراق ولا تحزن فإن لم يكن لك قبر ليزوره أبنائك الطيبين من العراقيين وهم كثر فأنت موجود في كل لحظة بقلوبهم يستذكرونك بكل خير وحب وعرفان بالجميل وآخر قولنا حسبنا الله ونعم الوكيل على كل مَن خَطّط وتآمَر وساهَم وشَجّع لقتلك وتدمير حياتنا وبلدنا وحسبنا الله ونعم الوكيل على مَن حَرَمنا منك ومن خيمة ومظلة البيت الهاشمي الذي كنت وفياً ومخلصاً له وللعراق حتى آخر يوم من حياتك وحسبنا الله ونعم الوكيل على مَن حَرَموك من عراقك الحبيب وحرموا العراق منك أيها الإبن البار وحسبنا أنهم قد نالوا عقابهم العادل في الدنيا قبل الآخرة وكانت نهاياتهم لا تسُر عدواً ولا صديق اللهم لا شماتة .

وللحديث بقية…….