الرئيسية » مقالات » العام الجديد والشوفينية القاتلة وحقوق الشعب الكردي في كردستان تركيا

العام الجديد والشوفينية القاتلة وحقوق الشعب الكردي في كردستان تركيا

يحكى أن حكماً صدر على رجل في عهد الدولة العثمانية وتُرك له الخيار في أن يختار أحدى ثلاث عقوبات , وهي : إما أن يدفع مائة ليرة ذهب إلى الدولة , أو أن يجلد ألف جلدة , أو أن يجلس على قازوق.
ويبدو أن الرجل كان بخيلاً , ففكر في الأمر كثيراً وانتهى به المطاف إلى طلب ضربه مائة جلدة , لكي لا يخسر المال. فبدأ الجلاد بجلدهز فما أن بلغ خمسون جلدة حتى صرخ المعاقب من شدة الألم طالباً التوقف واستبدال العقوبة بالقازوق , فأدخل الجلاد القازوق في مؤخرته وبدأ يدفع به حتى اشتد الألم عليه ولم يتحمل هذه العقوبة القاسية فصرخ طالباً التوقف والاستعداد لدفع الغرامة المالية إلى الدولة العثمانية. هكذا ذاق الرجل مرارة كافة العقوبات التي كان عليه أن يختار أحدها.
هذه الحكاية تنطبق تمام الانطباق على الحكام والقادة العسكريين الترك , إذ حلو محل الرجل المعاقب. فمنذ عشرات السنين وهم يرفضون منح الشعب الكردي حقه في تقرير مصيره بل حتى أبسط حقوقه المشروعة. وبهذا الموقف القومي الشوفيني المتعجرف فرضوا على الشعب الكردي في كردستان تركيا خوض النضال المرير لانتزاع تلك الحقوق. وكان هذا الرفض المستمر قد اقترن على الدوام بمزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والكثير من الكرد بشكل خاص ولكن من القوات التركية أيضاً , إضافة على الكثير من الخسائر المالية التي تجاوزن المليارات سنة بعد أخرى. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ديون الدولة التركية الخارجية , إضافة على تعطل التنمية في الكثير من المناطق الكردية. كما قادت تلك الحروب ضد الشعب الكردي إلى اعتداءات مستمرة على دول الجوار بذريعة وجود مناضلين كرد مسلحين في العراق أو في سوريا أو في إيران. وقد تعرض العراق ولا يزال إلى الكثير من العدوانية التركية لهذا السبب التي تعرض حياة الناس والحيوانات إلى خطر الموت والبيئة إلى التلوث.
ولكن ماذا كانت الحصيلة؟ فبعد أن كانت هذه القوى الشوفينية الحاكمة ترفض أن يقال أن هناك شعباً كردياً يعد بالملايين في كردستان تركيا وتعاقب من يتحدث بذلك , وكانت ترفض الاعتراف بوجود إقليم اسمه كُردستان وترفض وجود شعب كردي فيه , بل تعتبره هم “أتراك من سكنة الجبال” , كما كانت ترفض استخدام اللغة الكردية وتمنع الناس من الحديث بها , ولكنها أجبرت على الاعتراف بوجود كرد وإقليم كردي ولغة كردية. ولكن هذا الاعتراف لا يزال محفوفاً بالمخاطر والروح الشوفينية.
ثم كانت ترفض منح الأحزاب السياسية الكردية حق العمل السياسي أو الترشيح ككرد في الانتخابات العامة , ولكنها أجبرت تحت وطأة النضال الكردي على القبول بذلك نسبياً , وأن كان على مضض شديد. وكانت ترفض إقامة محطة إذاعة كردية وقناة تلفزيون كردية , أما الآن فقد أجبرت على ذلك , بغض النظر عن مضمون ما يراد إذاعته أو عرضه من برامج باللغة الكردية لقناة حكومية تركية نعرف سلفاً طبيعتها.
وهي لا تزال ترفض منح الشعب الكردي حقه في حكم ذاتي في إقليم كردستان , دع عنك ممارسة حقه في إقامة فيدرالية كردستانية في دولة تركية اتحادية. ولكن كل الدلائل تشير إلى أنها ستُجبر هذه القوى الشوفينية التركية الحاكمة أو التي خارج الحكم أو القيادة العسكرية التركية على ذلك يوماً ما شاءت ذلك أم أبت. وهي لا تزال ترفض حتى دراسة مقترحات وعروض السجين والقائد السياسي الكردي عبد الله أوجلان الذي أعلن أكثر من مرة عن استعداده لمعالجة المشكلة الكردية بالطرق السلمية ومن رؤية حريصة على وحدة الدولة التركية وبمطالب بسيطة جداً. ولكن العتجهية والروح الشوفينية لا تزال تهيمن على عقلية الحكام , وخاصة العسكر منهم.
إن الحكام الترك سيجبرون على ذلك , ولكن سيحمّلون الشعب الكردي في كردستان تركيا والشعب التركي المزيد من الخسائر البشرية والمادية والحضارية , وسيواصلون الإساءة لسمعة تركيا أمام شعوب الأرض.
حين تواجه حكومة ما شعباً مطالباً بحقوقه العادلة بالقوة والعنف والحرب , فهذا يعني أنها تجبره على حمل السلاح والدفاع عن نفسه وحقوقه. وهذا الأمر لا ينتهي بمطالبة الشعب الكردي بالتوقف عن النضال , بل يتطلب التضامن معه من أجل الوصول إلى حلول عملية مقبولة للمشكلة الكردية في الدولة التركية , وهو أمر ممكن جداً ويتمنى الإنسان على الحكومة التركية الحالية أن تعي ذلك وتتعامل مع الموضوع بمسئولية وطنية تركية عامة مع بدء العام الجديد.
كما يتمنى الإنسان على القوى الكردستانية السياسية في كردستان تركيا أن تعي طبيعة المرحلة والمهمات وسبل النضال السلمية الوطنية داخل تركيا من أجل تحريك الجماهير الكردية للنضال اليومي للدفاع عن مصالحهم اليومية وحقوقهم القومية المشروعة والعادلة. كما يتمنى على بقية أجزاء الأمة الكردية أن تعي أهمية تقديم التضامن للشعب الكردي في كردستان تركيا بما يتناسب والمهمة والإمكانيات المتوفرة , إضافة إلى أهمية تضامن الرأي العام العالمي مع قضية الكرد في تركيا , وكذلك في إيران وسوريا.
الحلول ممكنة حين تجلس الأطراف المتصارعة إلى طاولة الحوار وتبيان وجهات النظر والتقاط النقاط المشتركة والمتفق عليها وحصر النقاط المختلف عليها لمعالجتها بهدوء وروية ولكن بإصرار ودأب. ليكن هذا العام الجديد عام الحوار والتفاوض من أجل حل المشكلة الكردية في كردستان تركيا لصالح الحقوق القومية والأمن والسلام في تركيا وفي المنطقة بأسرها.

3/1/2009
كاظم حبيب