الرئيسية » مقالات » قميص عثمان يفرّخ قميص غزة

قميص عثمان يفرّخ قميص غزة

تجارة وبزنس التلاعب بالأحداث وقلبها رأساً على عقب هي ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمعات البشرية. ففي السنوات الأولى من ظهور الإسلام، تم الغدر بثالث الخلفاء الراشدين الخليفة عثمان بن عفان على يد المتاجرين بالدين ومثيري الفتن بإسمه. ولكي تكتمل الصورة وتربح هذه التجارة المريبة، راح البعض يطالب بدم عثمان لدوافع الابتزاز ملقياً اللوم على رابع الخلفاء علي بن أبي طالب، وتحميله وزر ما حل بالخليفة المغدور رافعين قميص عثمان المدمى. ودارت المناوشات والحروب متخذين من “قميص عثمان” ذريعة لكل هذا التدمير الذاتي للمسلمين. وأصبح “قميص عثمان” مثلاً يضرب به على كل من يحاول المتاجرة بإسم الضحايا وتصفية الحسابات السياسية ولأهداف لا علاقة لها بالضحية ولا بإدانة مرتكبي الجريمة.

وتتكرر في تاريخنا الأمثلة تلو الأمثلة على هذا الرياء والانتهازية السياسية. ولعل خير من يمثل هذا الرياء اليوم هم حكام التطرف الديني في إيران. فهم ينتهزون أية فرصة كي يوجهوا رماحهم ضد من يخالفهم في الرأي مستخدمين حتى طريق التصفيات الجسدية، بنفس ذريعة قميص عثمان. ولا مجال هنا لتعداد هذه “المآثر” لكثرتها.
وأخيراً، ومع أولى بوادر الهجوم البربري للمتطرفين الإسرائيليين على أهالي غزة، وما رافقه من سفك الدماء ودمار مريع، شمّر هؤلاء الحكام عن سواعدهم وشرعوا بالهجوم على من يتضايقون من نشاطهم على الساحة الإيرانية، ولا نتحدث من يضايقهم على النطاق الإقليمي، بذريعة العدوان البربري على الشعب الفلسطيني.
شيرين عبادي
ففي يوم الإثنين الفاتح من رأس السنة الجديدة 2009، قامت زمرة مكونة من 150 شخصاً بمهاجمة منزل السيدة شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام ورئيس لجنة المدافعين عن حقوق الإنسان في إيران، رافعين شعار ” عبادی حمایت می کند، اسراییل جنایت می کند”، أي اسرائيل ترتكب الجرائم وعبادي تتولى حمايتها!!!. ويأتي هذا الهجوم بعد دقائق من إصدار لجنة المدافعين عن حقوق الإنسان الإيرانية بياناً تدين فيه الممارسات الخشنة التي ترتكبها السلطات الإسرائيلية في غزة، مطالبة الرأي العام الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان ووقف العدوان على الشعب الفلسطيني. ومن المعلوم أن السيدة شيرين عبادي، وعدد من المسؤولين في اللجنة، قد أدانوا في مناسبات عديدة عمليات القتل الجماعي للفلسطينيين وطالبوا باحترام كرامة الشعب الفلسطيني. وقد سبق ذلك وقبل أيام اقتحام مركز اللجنة من قبل موظفين رسميين، وتم مصادرة عدد من الكومبيوترات وبعض المبالغ البسيطة العائدة إلى مكتب اللجنة.
ولم يقتصر سلوك الحكام المتطرفين في طهران على ذلك، فقد تشبثوا بـ”قميص غزة” لشن الهجوم على الصحافة والصحفيين أيضاً. ففي يوم 31 كانون الأول، وهو آخر يوم من أيام السنة الماضية، أصدر المعاون الصحفي في وزارة الإرشاد الإيرانية قراراً بحظر صدور صحيفة “كاركزاران” الإصلاحية التي نشرت بياناً للتنظيم الطلابي “مكتب تعزيز الوحدة”، الذي يدين فيه العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني كما يدين التصرفات اللامسؤولة لحماس والتي أججت هذا العدوان. وقد جاء في البيان ” أننا ندين بشدة جرائم إسرائيل، ولكننا ندين بنفس القدر لجوء المنظمات الإرهابية إلى دور الحضانة والمستشفيات واستخدامها كمتاريس للهجوم المقابل، الأمر الذي أودى بحياة الأطفال والمدنيين”. واستغلت وزارة الإرشاد هذه المقالة لمنع الصحيفة من الصدور بإعتبار أنها وجّهت إهانة لطرف أجنبي!!!. وهذه سابقة لم تحدث في إيران، حيث لم يوجّه مثل هذا الاتهام للصحافة الإيرانية بذريعة أهانتها لأطراف أجنبية. كما تلقى العاملين في الجريدة تهديدات بترك العمل فيها حفاظاً على أرواحهم.
وهكذا تتجدد الذرائع للبطش والفتن والإستبداد ليتحول قميص عثمان إلى قميص غزة، تماماً كما حدث عندنا في العراق على سبيل المثال عندما أغلقت الصحف ومنها صحيفة “عصبة مكافحة الصهيونية”، وعلّق قادة الحزب الشيوعي على أعواد المشانق في شوارع بغداد عام 1949 بحجة حماية مؤخرة الجيش العراقي والدفاع عن فلسطين. كما شهد العالم العربي سلسلة من الإنقلابات العسكرية والأحكام العرفية وتقييد الحريات وفتح أبواب السجون لاحقاً وبنفس الذريعة أي قميص فلسطين، فلسطين التي أرتكبت بإسمها الآثام تلو الآثام في عالمنا العربي.

2 كانون الثاني 2009