الرئيسية » مقالات » تجربة تنبثق من الذاكرة

تجربة تنبثق من الذاكرة

صدرت مؤخرا المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة السورية ميس جودت عباس بعنوان ” حانة الأولياء “,
قصائد المجموعة أو التنويعات النثرية كما أحبت ميس أن تقدم أول أعمالها, جاءت متفاوتة الامتداد حيث قامت الشاعرة بتقطيع القصيدة الواحدة إلى مقاطع, اختارت عناوين فرعية لبعضها وتركت الباقي تحت رحمة الأرقام .
الطاغي و يكاد يكون الوحيد والظاهر كجرح في جبين أنثى هو الحب الأشبه بشجرة كبيرة, حيث استمدت المجموعة موضوعاتها وتنويعاتها من أغصانها وثمارها المتنوعة, ظلال من شوق, أوراق من خضرة الحنين, الألم الشفيف الذي يلف مناخ الثمر الحزين, ورجل دائم الحضور في مكان ما, والمتنقل من ورقة إلى أخرى تاركاً أثراً يدل عليه, وأكاد اجزم ـ إذا كان يهمه أمر هذا الرجل ـ إن المرء ليستطيع أن يذهب إليه طارقا عليه لحظة من لحظاته هناك, هذا الرجل القريب من القارئ دوما والبعيد عن ميس أحيانا لذا تبدأ معه برسالة مفتوحة

سلام عليك لحظة أحببتك
وكل لحظة أحبك فيها
سلام على الحب الذي يحييني بذكرك كل اللحظات ص 6

حانة الأولياء دفتر مذكرات تدون الشاعرة فيه حبها, وجعها , مواقفها القديمة ورغباتها من خلال صور مشهدية واضحة الأبعاد استخدمت عبر سياق النصوص كوسيلة للتعبير عن داخلها كشاعرة عاشقة وهي تتقصد العفوية غالبا ربما لتساهم في إيصال الحب كعاطفة إنسانية وكحالة وجودية لا يمكن الاستمرار دونه.
لقد نجحت الشاعرة وبامتياز في إقحام لحظات الحياة العادية في الخيال لتقدم صوراً شعرية واضحة, لا غموض فيها ولا إبهام

مذ رحلت, توقف عقرب الوقت على قارعة قلبي
يلسعني كل لحظة تمر دونك ص 37


الحب يصيب شاعرتنا بالحمى لدرجة التصوف لذلك فهي تشك في أكثر من مكان بمعشوقها وجودا, لكنها لا تنسى أنها عاشقة أبدية وأن لها قلبا تستطيع أن تخبئ فيه أقاليم الأرض مجتمعة

أما لنا أن نلتقي ؟
لو نلتقي !
يا بهجة العمر واخضرار المواسم بكل الفصول ,
لا بد يوما
أن نلتقي , سنلتقي . ص 40


الشاعرة التي رفضت حب صديق لها في المدرسة حيث رسم على يدها قلبا وسهمين وحرفين, كما رفضت حب جارها الذي رمى على شرفتها وردة ورسم لها قلبا في السماء وأشار بأنها فيه , وصديق الجامعة الذي أهداها أشعارا وصورة غيفارا دليلا على حبه لها , و … و … رفضت جميع الرجال من اجل الرجل الذي يتنقل من صفحة إلى أخرى كما من مكان إلى مكان, ورغم اعترافه الواضح لها بأنها ليست الأنثى الأولى التي مرت في حياته فهي تحبه بجنون, ألأنه يميزها عن غيرها.؟


وقلت لي بصوت واثق :
لست أول امرأة في حياتي
أنت أول امرأة أحبها في حياتي ص 67


تحتار الشاعرة مع ذاتها الوحيدة والغائبة عمن تحب لذلك فهي تريد حلا لهذه الحيرة والتيه معاً, وكأنها لا تعترف بأنوثتها في غياب من تحب, ولأنها تعيش الحزن باتت تسرد ماهيته

ماذا افعل بجدائلي دون أصابعك, تسافر فيها دون استئذان ؟ ص7


سأحدثك عن الحزن سيدي
الحزن هو أن تجرحني مسافات تحمل خطاك
فيرهقني صمتها كلما ابتعدت بك
هو أن تشعل رماد ذاكرتي بحضورك
وما يمتثل أمامي سوى جمر الغياب ص 80

تعتمد الشاعرة على مفردات متداولة في الحياة العادية ولا يحتاج القارئ إلى قواميس ومعاجم لغوية لفك شيفرة المعنى, ويبدو أن القاموس اللغوي للشاعرة رقيق رقة كتاب تعرض لغزوات على يد أطفال أحبوا تمزيق الورق ويمكننا أن نقول بأن الخيال بريء من معظم الحالات, والصور تحمل معنى واحدا, لا احتمالات فيها, تكتب لقارئ كسول, في الوقت الذي لا تجد فيه حرجا أنثويا من دعوته إلى أن ” تزدهر حياتك داخلي” :


آه يا سيدي لو أنك تدري ما الفرح ؟
الفرح يا سيدي :
هو أن تقرأني مثلما لا يقرأني أحد
أن تكتبني مثلما لا يكتبني أحد
هو أن تسكنني , عندما تتهدم البيوت
واستوطن فيك , عندما تستباح الأوطان
هو أن أنبت فيك ربيعا لا يزول
تزدهر حياتك داخلي
فتمتد أيامك على عمري وتطول . ص 79

صور لمحسوسات ومواقف اختزنتها ذاكرة الشاعرة واحتفظت بها بعد غياب تلك اللحظات من الإدراك المباشر, وهي تقتل جزءا غير قليل من خيالها على حساب التذكر ونقل الموقف أو المشهد أو الحالة كما هي, مألوفة وغير نادرة لكنها تهز الروح وتجفل القلب, فالشاعرة تريد الوصول بالقارئ إلى حالة الاندهاش عن طريق الإقناع والجدال النفسي إذ توحي بالواقع المفروض من خلال الصياغة الجيدة التي تحقق توازنا بين الحاضر والغائب واختيار البدء والانتهاء, إنها تدلي بدلاء تجربتها في بئر الذاكرة لتغرف لنا قصائد تحيرنا أحيانا لنبقى حيث ما نحن عليه وفيه, وأحياناً تصنع أجنحة شفيفة وترسم لنا دربا في الفضاء وهي وحدها تقرر مكان التعب ومكان الراحة على حد سواء

فراغ يحاصرني داخلَ داخلي
فراغ لا أطيق وسعه
فراغ لا أطيق مداه
مذ بعدت
لا مسافة تقرب لي الأماكن
لا خيط جمر يحيك الدفء إلى شتائي . ص 61

بعض العناوين التي حملتها المجموعة : (بحر , كلمات متقاطعة , لو انك الريح , ماذا لو أحبني جميع الرجال , موجة اشتياق). تدلنا على رومانسية بتنا نفتقدها في الشعر الحديث.

هامش:
الكتاب : حانة الأولياء
دار شمس للنشر والتوزيع 2008