الرئيسية » مقالات » حواتمة يؤكد علم دول عربية مسبقاً بالعدوان على غزة

حواتمة يؤكد علم دول عربية مسبقاً بالعدوان على غزة

حذر الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة من “عملية عسكرية إسرائيلية واسعة برية وبحرية، مترابطة مع استمرار الغارات الجوية العدوانية، بهدف تصفية المقاومة وتركيع الشعب الفلسطيني، ليسلم بحل إسرائيلي يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية”.
وقال حواتمة: إن دولاً عربية وإسلامية وأطرافاً فلسطينية؛ كانت تعلم مسبقاً بأمر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولكنها لم تتعاط معه بجدية لأسباب مختلفة.
وأضاف أن العدو الإسرائيلي لن يتوقف عن تنفيذ مخططه إلا بقوة المقاومة على الأرض وفي الميدان، وبناء على مستجدات التفاعلات الدولية والإقليمية، بينما تعيش الدول العربية والمسلمة في حالة ركود وتفكك، وعلى مورثات تاريخية ماضوية تجاوزها الزمن.
ومع ذلك؛ فإنه طالب تلك الدول بإعادة النظر في رؤيتها تجاه “إسرائيل”، وبصياغة معادلة جديدة تقوم على مصالح الدول والكتل العربية مقابل حل الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، محذراً من خطورة الأهداف الإسرائيلية على الدول المجاورة وتحديداً الأردن.
ودعا إلى تشكيل جبهة مقاومة متحدة، وإلى الوحدة الوطنية والحوار بلا شروط مسبقة، وإلى وقف المفاوضات.
وقال إن اجتماع وزراء الخارجية العرب، يدل على غياب الجدية وروح المسؤولية عند تلك الدول للتصدي للعدوان، معتبراً أن مسار أنابوليس انتهى ودفن مع دماء الشهداء وأنقاض الدمار.
وفيما يلي نص الحديث:

س1: حذرتم سابقاً من عدوان عسكري إسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة، بما يتساوق مع تصريحات تصدر حالياً لقادة الاحتلال، تنذر بما تذهب إليه بالتزامن مع حشد الدبابات والمدرعات على خطوط التماس مع القطاع، هل ما زلتم تعتقدون بخطوة في هذا الاتجاه ؟
نعم حذرت سابقاً من أن العمليات العدوانية الإسرائيلية الراهنة؛ تشكل مقدمات لما هو أوسع نطاقاً، فما يجري حالياً يشي بمسلسل مخطط له مسبقاً قبل وقت ليس بقصير، وبهدف أوسع بكثير مما أعلن عنه. إن الغارات العدوانية الإسرائيلية تمهد لعمليات برية وبحرية ستشن بالتزامن معها، فقد تعلم العدو ضرورة الربط بينهما من تجربته السابقة مع العرب والفلسطينيين، والتي تجسدت في لبنان أثناء عدوانه على أراضيه في تموز/ يوليو 2006، بإدراكه أن الغارات الجوية لا تحسم صراعاً ولا تؤدي إلى إحراز نتائج في النزاع، وعليه ستتواصل الغارات، ولكنها لن تأخذ مدى زمنياً مشابهاً للذي استغرقته خلال العدوان على لبنان (32) يوماً.
إنني أتوقع دخول الدبابات وآلة الحرب البحرية والبرية إلى أراضي القطاع في أية لحظة، تحت مبررات تكتيكية تدعي إيقاف الصواريخ الفلسطينية، ووقف تهريب السلاح عبر أنفاقه.
إن العملية كبيرة، و”لإسرائيل” حساباتها التي تدخل في بعضها ضمن اعتبارات داخلية تتصل بانتخابات البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” في العاشر من شباط/ فبراير المقبل، فرئس الوزراء المستقيل ايهود أولمرت ووزير الدفاع ايهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني يريدون إيقاف تقدم رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو في وقت يسير فيه الاتجاه العام داخل إسرائيل نحو اليمين المتطرف، تحت عنوان عمليات حربية واسعة ضد القطاع، لحصد نتائج العدوان في المعركة الانتخابية المقبلة لصالح حزبي كديما والعمل.
إننا لا نعتمد هنا أنباءً قائمة على تصريحات تكتيكية لاستهدافات تكتيكية دعوية وإعلامية، وإنما على معلومات صلبة متماسكة تردنا من أكثر من ميدان وموقع، بما فيها الأوساط العليا داخل إسرائيل، وقد التقيت مؤخراً بوفود عربية قادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، إلى جانب الاعتماد على سلسلة عناصر تقدم الكثير من المعلومات، عدا عما يدور في الداخل الإسرائيلي من صراع داخلي انتخابي يشكل البازار الرئيسي فيه، العدوان على القطاع ومواصلة الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية والاعتقالات وسياسة الباب الدوار وتهويد القدس، في إطار اعتبارات داخلية تغلفها أفكار عدوانية إسرائيلية، تفيد جميعها بأن العمليات العسكرية ستتواصل على القطاع، ضمن أشكال متعددة تمهيداً لعدوان شامل ومحقق سيقع بين أية لحظة وأخرى قبل انتخابات العاشر من شباط (فبراير) المقبل.
وكما حذرت، فإن العملية كبيرة وواسعة النطاق، ومن هذا المنطلق دعوت إلى تشكيل جبهة مقاومة متحدة بمرجعية سياسية وأمنية موحدة من الأجنحة العسكرية المقاومة (حماس والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفتح والجهاد الإسلامي) لوضع الخطط اللازمة لمقاومة العدوان بأشكاله المتعددة، كما دعوت إلى إنهاء الانقسام بلا شروط مسبقة من أي طرف، لمواجهة العدو بشكل موحد على جبهتي القطاع والضفة الغربية.
س2: يتردد عن تبليغ “إسرائيل” لدول عربية ودولية مسبقاً عن عدوانها على القطاع قبل شنه، بينما أشارت حماس إلى تأكيد مصر لها على عدم إقدام الاحتلال على العدوان، ما تعليقكم على ذلك ؟
إن دولاً عربية وإسلامية وأطرافاً فلسطينية كانت تعلم مسبقاً بأمر العدوان الإسرائيلي على القطاع، فأوساط حكومة أولمرت نشطت عربياً وإسلامياً ودولياً لتسويق عدوانها وأعمالها الحربية الموسعة في عديد عواصمها، وأعتقد بأن ما يؤشر إلى ذلك قياس ردود الأفعال في تلك الدول التي تدخل في إطار مزايدات لا من أجل غزة، وإنما لحسابات محاور إقليمية في المنطقة، بما يدلل على حالة التفكك والترهل والتآكل التي وصلت إليها تلك الدول التي تغطي “الشمس بالغربال”، فدخلت فيما بينها بمزايدات كما هو حاصل اليوم في بازار عقد اجتماع وزراء الخارجية العرب وفي التئام قمة عربية، رغم أنه لا يعني شيئاً.
فالأجدى اليوم قيام تلك الدول بإعادة صياغة علاقاتها مع الكتل الدولية الكبرى على قاعدة معادلة جديدة، بوضع مصالح الأخيرة على الطاولة مقابل حل قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، وليس تأمين وضمان مصالح تلك الكتل في الدول العربية مع خطب ود الإدارة الأميركية العدوانية التي حمّلت المسؤولية على الصواريخ المنطلقة من القطاع تجاه إسرائيل، بما يترجم تناغمها مع الممارسات العدوانية لجيوش وحكومة الاحتلال.
لا بد من فرض معادلة عربية ومسلمة جديدة، تعتمد توظيف سلاح مصالح الكتل الكبرى الاقتصادية والمالية والنفطية لديها، مقابل قيام الولايات المتحدة والأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي (أعضاء اللجنة الدولية الراعية التي صاغت خريطة الطريق العام 2003) إضافة إلى اليابان، بحل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي وفق قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، مع التهديد بتأثر مصالحها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية إذا لم تستجب تلك الكتل لمطالبها، أما الاكتفاء بإطلاق دعوات عقد الاجتماعات ورفع الشعارات فيدخل في نطاق لعبة تجاوزها الزمن.
كما أن المطلوب الآن من الدول العربية والمسلمة إعادة النظر في رؤيتها تجاه العدو الإسرائيلي على أساس ممارسات جيش الاحتلال العدوانية الجارية حالياً، وتلك التي ارتكبت سابقاً في القطاع والضفة ولبنان، أما بقاء الأمور على ما هي عليه فلا ينسجم مع الادعاء العربي والإسلامي بأن السلام خيار استراتيجي، إذ يجب وضع معادلات جديدة تشكل روافع عملية لتنفيذ الشعار وتطبيقه مع ضرورة إخضاعه للفحص بروح علمية وعقل نقدي، بالتزامن مع وقف الشعارات اللفظية التي تكتفي بالكلام والمبالغات، ومن دون ذلك فإن التدهور سيتواصل في الدول العربية والمسلمة، ويؤدي إلى مزيد من الكوارث.
فقد حذرت الجبهة الديمقراطية منذ ثلاثة أسابيع من عمليات عسكرية عدوانية واسعة على القطاع، تتجاوز الضربات الجوية إلى البرية والبحرية، ودعونا في الوقت نفسه إلى جبهة مقاومة متحدة في غزة بغرفة عمليات مشتركة وإدارة عسكرية سياسية لوضع الخطط الدفاعية والوطنية في وجه العدوان الإسرائيلي، طبقاً لما ورد في وثيقة الوفاق الوطني (2006)، ومع ذلك كان هناك غياب كامل للعقل العلمي والعملي في أوساط عربية ومسلمة وأوساط معينة فلسطينية، لم تتعاط معها بروح جدية.
إن الارتداد عن وثيقة الأسرى من قبل حركتي فتح وحماس قد عطلها، وذهب بها باتجاه الوراء عبر اتفاقات محاصصة أدت إلى الانقلابات والاشتباكات. إن علينا استخلاص الدروس بإجراء مراجعة نقدية وإنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية بلا شروط مسبقة أو مضافة، والجلوس على مائدة الحوار الوطني لحل كل القضايا من أجل إعادة وحدة الأرض والشعب، لمواجهة المحتلين والمستوطنين على امتداد الأراضي المحتلة.
س3: لماذا برأيكم لم تتحرك الدول التي علمت مسبقاً بالعدوان الإسرائيلي على القطاع؟
أعتقد بأن لذلك أسبابه وأهدافه المختلفة، بما يدخل فيها الموروث التاريخي الماضوي في الحياة العربية المسلمة، الذي ما يزال أسير ثقافة الماضي وأحادية النزعة التي تكتفي بالشعارات وعبارات الإنشاء والبحث عن لغة ثقيلة للتعبير، بما يعكس تراثاً تاريخياً مرضياً يعود إلى قرون، ويتسم بغياب الروح العلمية والعقل النقدي.
إن الحالة العربية والمسلمة مفككة ومتآكلة ومترهلة. ولعلنا اختبرنا ذلك بوضوح حينما شن الاحتلال في تموز (يوليو) 2006 حرباً شاملة مدمرة على الأراضي اللبنانية، سقط فيها أكثر من 1000 شهيد وتدمير البنية التحتية لنحو 400 قرية، فجاءت ردود الفعل في البلدان العربية والمسلمة كما هو حالها اليوم. لا يوجد حماس في لبنان وإنما قوى لبنانية دافعت عن بلدها وناضلت ضد العدوان منذ العام 1967 دونما انقطاع، إذ تواصل بزخم عند احتلال جنوب لبنان العام 1978 وتعاظم عندما شنت قوات الاحتلال غزواً شاملاً العام 1982 تحت عنوان إبادة قوى فصائل المقاومة التي لم تكن حماس ضمنها، حيث شاركت الأخيرة في الحركة الوطنية في آب/ أغسطس 1988 بقرار من “الحركة الدولية الإخوانية”.
إن صمت الدول العربية والمسلمة المطبق يعود في كثير منه إلى العقل الشعاراتي الأحادي الجانب الغائب عن المساحات العلمية والعملية والمراجعة النقدية لما يدور، فبينما يشهد العالم من حولنا تغيراً وتطوراً، فإن الأوضاع في المنطقة تتسم بالركود والإغراق في الحالة الانقسامية والصراعية بين المحاور العربية، فيما تتشظى كل قرارات القمم العربية والإسلامية وتتبخر في الهواء، لأن الجدية والروح المسؤولة عن اتخاذ القرار الجماعي غائبة.
س4: برأيكم هل تنحصر أهداف الاحتلال الإسرائيلي من وراء عدوانه على غزة في ضرب حماس والقضاء على وجودها في القطاع، كتمهيد لطريق تجديد مسار “أنابوليس” الذي فشل على وقع بناء 11 ألف وحدة استيطانية في الضفة العربية و650 حاجزاً عسكرياً وتهويد القدس المحتلة؟
“إسرائيل” تريد تصفية المقاومة تصفية تامة، وكل خططها العدوانية تسير في ذلك الاتجاه، عبر المزيد من الاعتقالات والاغتيالات والاستيطان وتهويد القدس ومصادرة الأراضي منذ العام 2000 بهدف تصفية المقاومة وتركيع الشعب الفلسطيني حتى يسلم بالحل الإسرائيلي الذي يدير ظهره لقرارات الشرعية الدولية ويطرح حلولاً تتناقض مع الحقوق الوطنية، إذ يطرح نتنياهو مشروع السلام الاقتصادي وإنعاش الضفة وغزة، في إطار معادلة “السلام مقابل السلام” وليس “السلام مقابل الأرض” التي يعتبرونها أرضاً إسرائيلية غير خاضعة للتنازع أو التنازل، انطلاقاً من أطماع توسعية تتجمع بشكل صاخب في الليكود وحزب إسرائيل بيتنا العنصري وحزب شاس الديني الأصولي المتطرف، مراهنين في ذلك على الزمن، مقابل كاديما الذي لم يطرح أية حلول طيلة ثلاث سنوات من حكمه، ولكن قبل أن ينصرف أولمرت من سدة رئاسة الحكومة، طرح أفكاراً لا يملك سلطة تنفيذها. فيما تدور طروحات باراك وليفني حول مشروع إسرائيلي يقضي بضم 7% من الضفة الغربية، ومساحات واسعة من “القدس الكبرى”، لتصل نسبتهما معاً إلى حوالي 10 % من مساحة الأراضي المحتلة العام 1967، بهدف ضم المستوطنات الكبرى إليه “كمعاليه أدوميم” و”بسغات زئيف” و”غوش عتصيون”، وبداخل الضفة الغربية بعمق 22 كم من حدود 4 حزيران/ يونيو من مستوطنة “أرئيل”، مصحوبة مع دعوات “الترانسفير” بنقل الفلسطينيين من الأرض الفلسطينية المحتلة العام 1948 إلى خارجها، فإسرائيل مجمعة بأحزابها على رفض عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي تهجروا منها بفعل العدوان الإسرائيلي عام 1948.
إن الاستهدافات الإسرائيلية تتسم بالعدوانية والتوسعية منذ العام 2000 خاصة بعد فشل كامب ديفيد بين (الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر) عرفات وباراك، الآخذ في الالتفاف على يمين الليكود بأعماله وتصريحاته العدوانية، لذات اعتبارات النزعة التوسعية، فباراك يميني في تكوينه الأيديولوجي السياسي، ويحاول جر العمل إلى يمين اليمين وفق آرائه، غير أن جمهور العمل ينفض من حوله تجاه كاديما.
س5: إلى أية مرحلة برأيكم ستتوقف عندها سلطات الاحتلال في العدوان على غزة ؟
ستتوقف حينما تحقق أهدافها، ولكن ذلك يعتمد على قوة المقاومة على الأرض وفي الميدان لصد الغزاة وإلحاق الخسائر في صفوفهم، وعدم تمكين آلياتهم ودباباتهم من احتلال عمق شمال غزة وجنوبها، لأن الخطة الإسرائيلية تتركز حول وضع مدينة غزة وما حولها بين فكي كماشة قوات الاحتلال في شمال القطاع وجنوبه.
إن كل الأجنحة العسكرية لفصائل وقوى المقاومة تعلن أنها ستصد العدوان وقادرة على صده، ولكن القدرة على إلحاق الهزيمة وإجبار الاحتلال على التراجع إلى ما وراء خطوط الهدنة عام 1949 أي ما قبل احتلال غزة 1967 يتوقف على تشكيل جبهة مقاومة متحدة بنفس طويل وغرفة عمليات بقيادة عسكرية موحدة لإدارة عمليات المقاومة بوحدة وطنية.
كما يتوقف، أيضاً، على التفاعلات الدولية والإقليمية ودرجة تقدمها إلى الأمام، بما يؤدي إلى فرض وقف إطلاق النار ووقف العدوان الإسرائيلي على القطاع. فقادة حكومة إسرائيل يتشدقون بتصريحات تشي بتواصل العملية الاحتلالية وإطالة أمدها الزمني إلى حين تحقيق أهدافهم، وبالتالي يجب الحؤول دون إحرازهم لذلك.
س6: تتناول مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية سيناريوهات متعددة لمآل حماس بعد العدوان تجاه التفاوض معها أم القضاء عليها أم فشل التخلص منها، وهي في ذلك تنبه إلى مخاطر بعض الاحتمالات على بلدان مجاورة كالأردن باتجاه إحياء “خيار الوطن البديل” ودعوات “الترانسفير” … ما تعليقكم على ذلك ؟
نعم، فشهية العدوان التوسعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة والأقطار المجاورة تاريخية معلومة ومكشوفة، وتجسد فعلياً في احتلال أراض أردنية عامي 1967 – 1968، ووقع في احتلالات عام 1967 للجولان وسيناء وجنوب لبنان 1978 وغزو شامل واحتلال العاصمة العام 1982، وكنت شخصياً في حمى المقاومة حينها على مدى 90 يوماً في غرفة عمليات مشتركة، حينما أرغمنا العدو بداية على عدم دخول المخيمات وبيروت الغربية عبر المقاومة والمفاوضات، ومع ذلك عندما رحلت قوات المقاومة من داخل بيروت، انتهز شارون الفرصة فتقدم بقواته وقوات سعد حداد لجيش لبنان الجنوبي العميل للاحتلال في الجنوب، وتم احتلال بيروت وارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا، فالاحتلال غادر لا تأكيدا لكلمته، خاصة وأن قادة جيشه يريدون إظهار عودة قوة الردع إلى كامل جبروتها، وهذا مؤشر تحذير وإنذار للدول المجاورة، ومنها تحديداً الأردن، في ظل مطامع الاحتلال التوسعية التي لم تسكنها معاهدات السلام المبرمة مع بعض الدول العربية.
س7: أين موقع الدول العربية من المساعي المبذولة لوقف العدوان، هل تعتقدون أن “التحرك الدبلوماسي” العربي لعقد اجتماع وزراء الخارجية ومن ثم التئام قمة عربية سيسفر عن شيء تجاه وقف العدوان الإسرائيلي على القطاع ؟
اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي سيعقد غداً، بعد براكين ومحارق وعمليات إبادة إسرائيلية واسعة جرت ضد أبناء القطاع وستجري قبل الوصول إلى ذلك اليوم الموعود، مقابل اكتفاء مؤتمر القمة الإسلامي المعطل بإصدار تصريح، يدلل على غياب الجدية وروح المسؤولية عند كثير من العواصم، ويؤشر على تفكك وتآكل في الحالة العربية والمسلمة، وهذا كله لا شفاء منه إلا بصياغة معادلة جديدة تقوم على عقل نقدي إزاء ما يدور في فلسطين والعراق، وما يدور من صراعات بين المحاور الإقليمية والمتصارعة لاستهدافات إقليمية لا علاقة لها بالرؤية الوطنية والقومية، أو بالرؤية الدينية الطائفية أو المذهبية، وإنما بمصالح ضيقة.
س8: طالبت بعض الدول العربية مثل ليبيا بسحب مبادرة السلام التي أقرت في قمة بيروت 2002، وأعيد التمسك بتا في قمة الرياض 2007 كرد على العدوان الإسرائيلي على القطاع، ما تعليقكم على ذلك ؟
المشكلة ليست في مبادرة السلام المبنية في الأساس على قرار القمة العربية التي عقدت في القاهرة عام 1996 وبأن السلام خيار الدول العربية الاستراتيجي، إنما تكمن في غياب الآليات العربية الموحدة لدفع المبادرة نحو التنفيذ والتطبيق، فالمبادرة تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين وفق القرار الدولي 194 مقابل التطبيع، كما وافقت القمة الإسلامية في طهران على المبادرة، فاكتسبت البعدين العربي والإسلامي، ولكن الافتقار إلى آليات محددة للتنفيذ، سيبقي المبادرة معلقة في الهواء.
إن الدول العربية مطالبة بمراجعة سياستها بروح علمية في ضوء الخبرة والعقل النقدي، وإخضاع كل ما جرى إلى مراجعة علمية وعملية نقدية، لإنتاج صياغة معادلة في المنطقة وفي علاقات العرب والمسلمين مع العدو الإسرائيلي.
س9: هل تعتقد أن مسار “أنابوليس” الذي عقد في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي برعاية أميركية بهدف “إحلال السلام والاستقرار في المنطقة” قد انتهى، أم أن فرص إحيائه قائمة؟
أعتقد أن مسار أنابوليس انتهى ككل المسارات السلمية التي بلغت طريقاً مسدوداً، وقد حذرت الجبهة الديمقراطية مبكراً من مخاطره ومن توظيفه كغطاء لعمليات الاحتلال العدوانية وحصر التفاوض المباشر مع السلطة الوطنية الفلسطينية في قضايا جزئية، والتفاوض غير المباشر مع حماس عبر وسيط ثالث على قضية أمنية لتحقيق “التهدئة مقابل التهدئة”، كما أعتقد أن مسار أنابوليس قد تم دفنه بين ثنايا العمل الإسرائيلي الوحشي، والمحرقة المدمرة، وعلى وقع بحر الدماء وأنقاض الدمار في القطاع.
س10: رئيس المكتب السياسي لحركة حماس “خالد مشعل” طالب مؤخراً بوقف المفاوضات والتنسيق الأمني مع حكومة الاحتلال إلى جانب المصالحة والوحدة الوطنية بلا شروط مسبقة، والدعوة إلى انتفاضة ثالثة لدحر الاحتلال … ما رأيكم في ذلك ؟
إن هكذا دعوات جاءت متأخرة جداً، فقد اتفقنا مسبقاً على الذهاب إلى الحوار في القاهرة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ومن ثم الانتقال بعدها إلى حوار اللجان الخمس تحت مظلة الجامعة العربية والدول العربية، وفق ما ورد في قمة دمشق العربية التي تبنت المبادرة اليمنية، وقد ضغطت القوى الوطنية على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للتراجع عن شروطه المسبقة بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 14 حزيران/ يونيو 2007 وإنهاء الانقلاب، أردفها بإعلانه عن مبادرة للحوار الوطني غير المشروط في الرابع من حزيران/ يونيو الماضي، ولكن من الذي رفض الحوار وأعلن عن تعطيله، فقد أصرت حماس على شروط الأمر الواقع وإبقاء الوضع بيدهم، مع إضافة شروط أخرى مسبقة والمطالبة بإدخال 13 تعديلاً على الورقة المصرية، وقررت مقاطعة الحوار في 20 أيلول/ سبتمبر الماضي ولكنها أعلنته في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بإيراد عدد من الشروط المسبقة. ورغم أن دعوة مشعل جاءت متأخرة إلا أننا نحييها بما يأتي استجابة إلى قرار القوى الوطنية، بضرورة إجراء الحوار الوطني بلا شروط.
ولا بد هنا من التوقف عند مضمون دعوته لوقف المفاوضات، فحماس أجرت مفاوضات غير مباشرة طيلة الأشهر الماضية تحت عنوان “تهدئة مقابل تهدئة”، والتي انهارت وسقطت بفعل العدوان الإسرائيلي، ما دفع القوى والفصائل الوطنية للإصرار على تهدئة بديلة شاملة ومتزامنة للضفة الغربية والقطاع، إضافة إلى فك الحصار ووقف العدوان ووقف حملات الاستيطان والتهويد والاغتيالات ومصادرة الأراضي.
إن مشعل يطالب بوقف المفاوضات السياسية رغم أنها في الأساس أمنية، تقوم على قضايا جزئية وليست سياسية شاملة، تتم في إطار قرارات الشرعية الدولية كما فعلت سورية بمطالبتها بمفاوضات، تشمل كامل الجولان المحتل مقابل السلام، فالمفاوضات الجارية بين إسرائيل والجانب الفلسطيني سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، تتم على قضايا جزئية أمنية وليست شاملة.
أما بشأن الدعوة لانتفاضة ثالثة، فلندع الشعب يقرر ما يريد، خاصة بعدما بلغ درجة عالية من المعرفة والوعي، وبدأ على الفور مظاهرات واسعة في الضفة الغربية وفي مخيمات الشتات ضد العدوان، وبالتالي فإنه القادر على تطوير أشكال نضاله، لأنه تعلم من تجاربه ضرورة التدقيق في خطواته لضمان خطوات تراكمية يبني عليها مدماك حلول القضايا الداخلية.
إن الجبهة الديمقراطية والقوى الوطنية، دعت إلى وقف كل أشكال المفاوضات الأمنية والجزئية المباشرة وغير المباشرة التي تجري بين السلطة وحماس مع الاحتلال، بصفتها مفاوضات عبثية، تؤكد متوالية الأحداث على صحة تلك الرؤية.
س11: ما زلتم ترون بضرورة ترادف مساري التفاوض والمقاومة معاً، بينما ثمة من يعتمد من الجانب الفلسطيني التفاوض كخيار استراتيجي وكمنهج حياة (اقتباساً لعنوان مؤلف رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات)، مقابل منهج حماس والجهاد المقاوم ؟
المشكلة ليست في إجراء المفاوضات على غرار ثورات تاريخية عديدة قاومت وفاوضت في آن معاً، ولكنها تكمن في مضمون المفاوضات، وهذا هو موضع نقدنا المبكر لمفاوضات أوسلو (1993) ولتداعياتها ولكل أشكال المفاوضات التي لم تستند على قرارات الشرعية الدولية، واعتماد التفاوض لتنفيذها، وإنما تجري المفاوضات على قاعدة ما يتم الاتفاق عليه وليس على قرارات الشرعية والآليات لتنفيذها.
ليس صحيحاً أن الجانب الفلسطيني اعتمد التفاوض كخيار استراتيجي، وإنما الدول العربية قررت في مؤتمر القمة الذي عقد في القاهرة العام 1996 وأيضاً في قمة دمشق، أن السلام خيار استراتيجي لها، نحن لم نقل ذلك، بل قلنا باعتماد كل أشكال النضال بما فيها المسلحة والجماهيرية والدبلوماسية والفكرية، فاندلعت الانتفاضة بين عامي 1987 – 1993 ومن ثم انتفاضة الأقصى 2000.
كما أنه ليس صحيحاً أن هناك نهجين، أولهما يقول بالمفاوضات والآخر بالمقاومة، وإنما يوجد نهج يجمع كل أشكال النضال والمقاومة كما فعلت كل الثورات التي انتصرت وظفرت، باعتماد أسلوب الجمع بين المفاوضات والمقاومة للوصول إلى حلول سياسية.
إن حماس وقعت على قرارات إعلان القاهرة 2005، ووثيقة الوفاق الوطني 2006، إلى جانب 13 فصيلاً وطنياً فلسطينياً في غزة والضفة الغربية بتواقيع ممهورة من نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد بحر وممثل عن عباس إضافة إلى رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية، وهي بذلك تكون قد وقعت على الأفق السياسي المطروح للشعب الفلسطيني مع تفويض الرئيس عباس على التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، لتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة المتواصلة حتى حدود 1967، وحق اللاجئين بالعودة وفق القرار الدولي 194.
كما أن فتح وحماس وقعا معاً اتفاق المحاصصة في مكة 8 شباط/ فبراير 2007، والذي ينص على تفويض عباس بالمفاوضات مع “إسرائيل” مقابل تقاسم السلطة والنفوذ بين فتح وحماس، وهذا ما نص عليه أيضاً كتاب تكليف عباس لهنية بتشكيل الوزارة والجواب على كتاب التكليف باحترام حكومة هنية اتفاقات الرئاسة الفلسطينية مع “إسرائيل”، والعمل وفق كتاب التكليف.
في حينه أعلنت أن هذا اتفاق محاصصة يفتح جحيم الحرب الأهلية والانقلابات السياسية والعسكرية، وهذا ما وقع ووصل إلى انقلاب 14 حزيران/ يونيو 2007، و”صوملة” قطاع غزة وفصله عن القدس والضفة الفلسطينية.
وبالتالي يجب التوقف عن اللعب بالكلمات والتلاعب بالأمور بغير مجراها العملي. فلا يجوز وضع الأمور بطريقة تضليلية ديماغوجية تكتفي بشعارات تزعم أن هناك من يريد المقاومة والآخر يسعى للتفاوض وحده، فالكل يجمع بين أشكال النضال، وهذا ما كان عليه النهج في الثورة الفلسطينية على امتداد عشرات السنين، ولكن بدءا من أوسلو وقع ارتداد عن قرارات المجلس الوطني حينما ذهب الرئيس الراحل عرفات إلى مفاوضات سرية في أوسلو ووقع على اتفاق جزئي بينما هدف النضال في الأساس إلى تسوية شاملة.
إن من ارتد عن قرارات المجلس الوطني وقرارات إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني هم المسؤولون عن تلك الأوضاع الفلسطينية التي شهدت الانقلاب و”الصوملة”، إلى درجة استثمار “إسرائيل” للانقسام والتفكك الداخلي الفلسطيني في خدمة أعمالها العدوانية.
إن المتغيرات والمتطورات الدولية الجارية بعد انتخاب باراك أوباما كرئيس للولايات المتحدة، سيترك تأثيراته على سياساته الخارجية وجدول أعماله، إذ أعتقد أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي سيحتل مرتبة متأخرة من قائمة أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة، التي ستنشغل بالتأطير القانوني لوعودها، وبحل أزمة السوق الرأسمالي العالمي التي قد تمتد إلى العام 2010، وبإعادة بناء علاقاتها الدولية، وبوضعها في أفغانستان والعراق والخليج العربي على ضفتيه العربية والإيرانية.