الرئيسية » مقالات » يوم الغضب

يوم الغضب

مقالات لنفس الكاتب

في ليل عتيق قبل أربعة وأربعين عاما، كنا بلا عنوان، كنا مجرَّد أرقام بين البشر، تحتفظ بها سجّلات دولية، وتتعامى عن مأساتها مكاتب عربية، كنا خارج الجغرافيا السياسية، ليست لدينا حتى حقوق الصرخة والعبرة، نصفنا جرى جمعه تحت الرايات عدداً متمماً لجبر المعادلات، ورقماً مأخوذاً باليد فوق الحسابات، ليس له أن يقول أو ينشد إلا لحناً مخصوصاً، يقبل أن ينتسب لأعمامه وأخواله، ولكنه يرفض أن ينسب صادحوه لأبيهم، وبين هذا النصف، نصف النصف إلا قليلا، أو ود عليه وقد احتار دليلا، لا يملك في هذا الكون إلا بطاقة، بطاقة للتموين الشهري، وبطاقة للعلاج السنوي، وبطاقة مثلها للدفن دون شواهد على القبور، ونصفنا الآخر تحت نير العصابات التي جرى تجميعها على مهل، أسقطتها كل السجّلات لم تحظ حتى بفرصة أن تكون أسيرة أو سجينة، لا بحسب القانون الدولي، ولا بحسب القانون الإنساني، غريبة في وطنها، مقصودة بالقهر والعذاب وأصناف العسف، تعاملت معها كرامة العروبة، وأخلاق العروبة، على أنها مجرّد سقط المعركة التي خاضتها، قبل أن تبدّل لهجتها لاحقاً، وقبل أن تشرع في معاملتها على أنها كتلة من الشرِّ المستطير، فهي نجس العدو، مشروع جاسوسية، أو حصاد فيروس ضد نقاء عروبتها المظفّر، كانت فلسطين تخطط لقيامتها، قيامتها بعد أن صلبها الأقربون والأبعدون.

في ليل عتيق قبل أربعة وأربعين عاما، كانت فلسطين تتجهّز كي تنفض عنها رماد الهزيمة العربية المدوية في عام 48، كانت تترسم طريقها الخاص بين إشارات الطرق الملتبسة، وبين حفر الترف التنظيري، وخطابات التأجيل المريحة، كانت تحاول أن تبصر بعينها الأصلية، عينها التي أجبرت أن تغفو قليلاً، مطمئنة إلى أناشيد العرب، ولوعود الثأر والعودة، وترقّب المواعيد التي لم تأت، كانت فلسطين تستعِّد لمغادرة الهامش الصغير، ذلك الهامش الذي تركه لها العالم في التاريخ، بعد أن قرّر الذين انتصروا على الذين هزموا، كيف تكون مساحة اعتقال ضحايا مبارزتهم الشكلية، وعندما صحت عينها التي نامت على قرع الطبول، وجدت حولها سراب الجدل، وقاع الدجل، مرةً باسم الربّ الذي سيهيئ للأمة فرسان الشرق والغرب، ومرةً باسم انتظار الغائب المرتدي العمامة السوداء من المشرق، ومرةًّ باسم المنتصب على وقوع القتلة، والحامل منجله ومطرقته، ومرةً باسم رسل العرق والأنساب، لكنها كان لا بدَّ أن تعيد صياغة الإبصار، كان لا بدَّ أولاً أن تبدأ باستخدام عينيها، ثم لا بأس بما يشتغل من الحواس تالياً، وقرَّرت أن تمتلك ناصية الطريق، وسارت فلسطين إلى عيلبون، لتمزِّق الصمت الطويل، وليرتفع صوتها مع انفجار الحواجز والسّدود، وليصبح لأول مرة منذ تاريخ طويل، لها صوتها وأنشودتها.

بعد هذه المسيرة الطويلة، لا تمتلك فلسطين إلا أن تعض بالنّواجذ على صوتها، على ما رسمته بدماء أبنائها وتضحياتهم البليغة الفصيحة، صوتها ولحنها وقرارها، بعدما فتحت بالمعاناة والعذاب، ومن جديد كتاب التاريخ، ومعه فتحت صياغة الجغرافيا، بين الألغام سارت، وبين أنياب الوحوش الظاهرة، والوحوش المستترة، بعد أن حطّمت كل مؤشرات الغياب والتغييب القسري، بعد أن حقّفت كلَّ مؤشرات الحضور العلني، لا يوجد خيار آخر، اليوم سقطت كلُّ فزّاعات السير والإبصار، واندحرت تنظيرات النفي والابتسار، اليوم لا تقاتل فلسطين لكي تقول أنها موجودة، ولا تقاتل لكي تقول أن من حقها أن تقاتل، ولا تذود اليوم عن حقها في كود صوتي أو رمزي في المعاجم، بل تقاتل عن حقها في أن تطلق جذورها في أرض العودة، وتقاتل عن فسحة الخيار والاختيار في طريقة هضم الدهون القاسية، تدرك فلسطين أنه ليس عليها أن تقول كل نشيدها، ولا معلقتها الطويلة، وليس عليها أن تشرح لجهلة الأمس، ولا لأغبياء اليوم، مفردات تغريبتها وملحمتها الخالدة، ولكنه بالقطع عليها أن تتمترس دوماً عند علم الجبر، لتعلّم أبناءها كيف تكون طبيعة بقية الطريق، وعند علم الحساب، كي تدرّب أولادها كيف تكون مناخات الانتقال بين المحطات القادمة الأصعب، لأنها محطات داخل الوطن.

اليوم ثمة مفترق حاد، لم تحسب له حساباً، ولم تبصره في خرائط التدريب، ولا انتبهت له في مصفوفات الواجب البيتي، لا يمكن القفز عنه لبقية الطريق، ولا بد من فحص منحدره المعوّج جيداً، فما قبل محطات الوصول، هي المحطات الأصعب، وهي المنحدرات الأعتى، شجرتها وارفة، لكن أسئلة القوة فيها، تغدو أسئلة أخرى.

بعض ورقها قد يبس قبل الأوان، وبعضه قد هوى قبل الحساب، وبعضه يريد له أرضاً غير الأرض، وهواءً غير الهواء، لكنها لا زالت واقفة، تهوي السكاكين على جذعها الذي تعوّد لغة الخناجر، ولا يجد غير مكاءً وتصدية، وبعض ترف الحناجر، وتنشط الغربان على أزهارها، وبعض نسورها مقيّدة، فكيف يكون الخلاص؟ وكيف تنجو من صدمة المفاجأة!

بعض الوصفات تنادي بتجاهل الريح العاتية، وبعضها يقول بنزع الشوك باليد المجرّدة، وبعضها يقول بتجربة الهروب إلى الأمام، وبعضها يقول باستخدام الرقية على الألغام، وبعضها ليس في وارد التفكير، وبعضها أعفى نفسه من المفاجأة تحت تأثير التخدير، فكيف تخلص إلى الحلول؟ وكيف لا تقطعها السيوف، وتذروها الرياح، وتنشرها السيول؟

لا حلَّ إلا في قطع الطريق على المزاد.

هكذا كان أول الأمر، وهكذا كان الحلُّ في ليلتها العتيقة، لم ترهن فلسطين قرارها، ولم تدخل خياطة جراحها إلا على سبيل التعقيم والتطهير، أما وقد طال الأمد، واستراح الجسد، فلا بأس في نداء المعاد.

ليكن يوم الغضب.

لتكن فاتحة الطريق المستعادة، ومعها فاتحة دخول مفترق الولادة، ليست ولادة الأغصان الشاردة في أراضي الجيران، ولا في بيوت بقية أصحاب المولد القديم، لتكن ولادة ظلٍ يسير على قدم الاستعارة، فالزناد الطبيعية، لا تقبل الأصابع المعارة.

ليكن يوم الغضب.

ليكن يوم اختبار ذات الستائر القديمة، طالما أنها في بعض عصبانها استعمالات الازدواج، ليكن من جديد وضع الحروف التي قفز إليها بعض الهواة، في جملة الغضب القديمة، لا نكره أن يتعلّم الهواة، ولا أن يرفعوا مع الرافعين، ولكننا نكره كما يكره الله، أن تقولوا ما لا تفعلون.

ليكن يوم الغضب.

يا أبناء صباح الانطلاقة، ويا جند صباح “العاصفة” ، أنتم على موعد جديد، لتعيدوا ترديد النشيد، ابدأوا ويلحق بكم بقية من ينتظر، ليس لأنكم تحت سيوف المزوادات، ولكن لأن العدو لم يفهم الجمل الفصيحة، وظنَّ غير الظنّ، ولأن الوطن واحد، ولأن الدم واحد، حتى لو كان دماً فيه شيم النكران، فالبطن الوالدة واحدة.

ليكن يوم الغضب.

وقد نادت الساح، وحنَّ السلاح، اقدروا بقدر، في غزة أمام البشر، وفي الضفة قيادة توحِّد الدرب والردَّ وتدرأ الخطر، لا مناص ولا خلاص، ولا تنتظروا الناس، ما أصلح أوله، يصلح به آخره، وبما افتتحت به ” فتح” أول الغضب، لتفتح به فتح جديد الغضب، والله غالب على أمره، وأنتم الغالبون على درب هديه، فأنتم الحيُّ من الناس، لا تحتاجون تعقيب الإشارة، ولا تعقّب العبارة، وإننا لمنتصرون.

31/12/2008 – أيمن اللبدي