الرئيسية » مقالات » رجال حول الزعيم(1) فاضل عباس المهداوي

رجال حول الزعيم(1) فاضل عباس المهداوي

نشرت قبل أياما مقالا عن الزعيم طه الشيخ أحمد الضابط الشيوعي الكبير الذي أخلص في ولائه لشعبه وحزبه حتى لحظاته الأخيرة وكان مثالا للشيوعي في مبدئيتة وجهاديته التي جعلته في مقدمة الرجال المخلصين ،ولاستجابة الأخوة القراء لما كتبت رأيت أن أتناول الرفاق الآخرين الذين وقفوا إلى جانب ثورة الرابع عشر من تموز رغم ما لحقهم من غبن وإجحاف وما حيكت حولهم من مؤامرات ووشايات وما قيل فيهم أو لفق ضدهم من اتهامات كاذبة من قبل الجهات الرجعية والبعثية والقومية التي ناصبت ثورة تموز العداء بقيادة الزعيم القومي عبد الناصر وتأييد مطلق من شاه إيران وإسرائيل والدول الغربية بمختلف توجهاته،ورغم الخلاف المدعى بين عبد الناصر والغرب الاستعماري والدول الرجعية في المنطقة إلا أن كره العراق وشعبه كان الجامع لهؤلاء الأوغاد في حلفهم الخبيث فكانت الإذاعات الغربية الرجعية وصوت العرب من القاهرة تنثر سمومها ضد الثورة وقادتها لتحقيق أحلامهم المريضة في الهيمنة على مقدرات العراق وسلب خيراته كما هو ديدنهم الآن في محاربة شعبه ومحاولة فرض الوصاية عليه تحت واجهة القومية المقيتة والطائفية البغيضة ،وقد عملوا بمختلف الطرق للتآمر عليه وإسقاط جمهوريته الفتية فكانت انقلابات الضباط القوميين المغامرين أكثر من أن تحصى ،وتسنى لهم تحقيق ما أرادوه في 8 شباط الأسود عندما أنطلق فئران المؤامرة من بعثيين وقومين لإسقاط حكومة قاسم التي لم تقم بما على الثورات الحقيقية القيام به وأفسحت لهم في المجال للتآمر والانقلاب فكان قاسم لهوسه وقلقه وضعف أرادته يعتمد على الضباط القوميين الذين يتآمرون عليه فأضاع شعبه وثورته بسياسته المهادنة التي ألقت الحبل على الغارب لهؤلاء الرعاع في الانقضاض عليه بعد أن حارب القوى الوطنية الأصيلة والشخصيات النبيلة التي سارت معه إلى آخر الدرب خشية من مجيء هؤلاء القتلة ولكن أرادة القدر وأخطاء قاسم كانت وراء المآسي التي أحاقت بالعراق والعراقيين بعد شباط 1963 ومجيء البعثيين والقوميين وهيمنتهم على مقدرات البلاد وقيامهم بالمجازر البشعة التي يندى لها الجبين ويتقاذر الحرف عن إيرادها،وها هو التاريخ يعيد نفسه من جديد إذ أخذت هذه القوى بإعادة لملمة صفوفها لإعادة العراق إلى الحظيرة القومية المليئة بالأدران وها هي القوى ذاتها تعيد ترتيب الأوضاع لإعادة الدكتاتورية الجديدة تحت واجهات تخفي ورائها الكثير .

ولعل أكثر الشخصيات التي كانت قريبة من قاسم الشخصية الوطنية والحاكم المعروف فاضل عباس المهداوي هذه الشخصية العجيبة الغريبة التي أظهرت الأيام أنها فريدة لن تتكرر ثانية بعد أن رأينا من جاء بعده من حكام للعراق في عصره الملكي والجمهوري،فهذا الرجل كان بحق شوكة تدمي أعين القوى الرجعية والقومية والبعثية وعملاء الاستعمار والدليل هو حجم الحقد والعداء الذي عومل به في أوج مجده من خلال الدعايات المغرضة أو بعد استشهاده وما عومل به من قسوة مفرطة من البعثيين والقوميين السفلة أمثال عبد الغني الراوي وعبد السلام عارف وعلي صالح السعدي وهادي خماس ومن لف لفهم من قردة العراق الذين أذاقوا شعبه الويلات.

وسنقوم من خلال استنطاق الأحداث وقراءة التاريخ قراءة لا تخلوا من تحيز فلست أدعي لنفسي الحيادية في موضوع كهذا وإنما سأتعامل مع الأحداث بمنطق عراقي بحت يكيل لأعدائه الصاع صاعين بعيدا عن المفاهيم الطارئة على الثقافة العراقية في التسامحية ،أو المقولات القاسمية البالية في أن الرحمة فوق القانون أو عفا الله عما سلف فلست هنا في موضع العفو عن أناس لا يستحقون العفو وأثبتت الأيام أنهم أهل لارتكاب القبائح والمنكرات وأنهم يجب أن يعاملوا بالضد النوعي ،وبلغة قريبة من إفهامهم ومداركهم وتنسجم مع أخلاقهم لأن اللغة الإنسانية لا تليق بهؤلاء الأوغاد ،وعلينا أن نعاملهم كما عاملهم رفاقهم فقد انتهى أغلب هؤلاء نهايات محزنة فضيعة على أيدي رفاقهم ومن كانوا شركاء لهم في جرائمهم وهو ما سنتناوله في وقته وكيفية نهاية هؤلاء ،شامتين فرحين بنهاية هؤلاء الأوغاد المجرمين أمثال عارف الذي أحرق بنار القومية أو طاهر يحيى الذي كان ينزح المراحيض القومية أو فؤاد الركابي الذي قتل من قبل مأبون لشذوذه كما قيل في وقته أو عدنان نصرت الذي وجهت إليه تهم أخلاقية يندى لها الجبين وغيرهم من هذه النماذج الساقطة التي لاقت نتائج أعمالها المخزية واستحقت العقوبة بذات الأيدي التي صافقتها في ارتكاب الجرائم بحق العراقيين.

وفاضل عباس المهداوي أبن خالة عبد الكريم قاسم ،وهو من الضباط الأحرار الذين أسهموا في ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة،وأهله مركزه في العمل الثوري أن يتولى أخطر مهمة بعد الثورة وهي محاكمة أزلام النظام البائد وترأس محكمة الشعب الشهيرة التي كانت منبرا من منابر البلاغة العربية بما أضفى عليها من شخصيته البلاغية الفكهة فكان المتهمين كالجرذان المذعورة تصيبهم ردوده الصائبة في الصميم ولا يستطيعون التلاعب بمقدرات المحكمة فيكون رده القول الفصل ببلاغة غير معهودة في الضباط ويتخللها الشعر والمثل والكناية والاستعارة والنادرة والطرفة ،وجعل من المتهمين مهزلة للمشاهدين عندما يحصرهم في الزوايا الضيقة عند محاولاتهم الكذب والتحايل على المحكمة بما عرف عنه من جرأة خطابية وقدرة على التلاعب بالكلمات وما يعرف عنهم أو يختزن من معلومات تظهر باطلهم ودجلهم ،فكانت بحق مدرسة أدبية عراقية ونموذج للحرية في الدفاع بما أعطى للمتهمين من مجال للرد حتى وأن تجاوزوا الحدود فكان يعاملهم بلغتهم ولا يتورع عن الرد عليهم وأن يكيل لهم الصاع صاعين بما يكشف من خفايا وأسرار تنبي عن واقع هؤلاء الاجتماعي وعلاقاتهم المشبوهة بالأطراف الأجنبية ولمن شاء الاستزادة الرجوع لوقائع الجلسات التي طبعت بأكثر من أربعين جزء ووزعت على نطاق واسع ففيها تجد حقيقة هذه الشخصية وما كانت عليه من معرفة قانونية وتاريخية وأدبية حتى يمكن اعتباره دائرة معارف متنقلة لموسوعية ثقافته ولا أعتقد أن القضاء العراقي قادر على أنجاب شخصية بهذه المواصفات والقدرة على أفحام المتهم وكشف جرائمه بطرق مبتكرة تنبئ عن مقدرة رغم عدم تخصصه القانوني ودراسته لقانون العقوبات.

ومحكمة الشعب هذه أخذت شهرتها العالمية من خلال شخصيته الفريدة القادرة على التلاعب بعواطف المشاهدين ،وقد عاد أبو نضال إلى أذهان العراقيين بقوة بعد محاكمة صدام الشهيرة وكيف كان صدام الأهوج يصول ويجول في المحكمة وكأنه حاكم العراق وليس مجرم يمثل أمام المحكمة ،وكذلك الراعي برزان التكريتي الذي جعل المحكمة تهريجا وصياحا دون أن يستطيع القاضي الرد عليه أو إيقافه عند حده لعجزه اللغوي عن الرد بما يليق بمثل هذا المتهم ،,كم تمنى الناس أن يتولى أبو نضال المهداوي محاكمة الطاغية ليجعله مهزلة المهازل ويعيده إلى حجم الحقيقي كجرذ مختبئ في غار ولكن تهاون القاضي جعل من صدام مهرجا قوميا إسلاميا من الطراز الأول وأساء إلى المحكمة والشعب دون أن يأخذ حقه في الرد من قبل القاضي الذي يتعامل بطريقة غير مفهومة لدى العراقيين،ولعل المهداوي ناله ما ناله من أذي بعد إلقاء القبض عليه بسبب تعريته للوجوه القومية الكالحة بإزالته المساحيق عنها وإظهارها على حقيقتها ولا زال الكثيرون يتذكرون كيف جعل هامات العهد الملكي والمتآمرين على الجمهورية ممرغة بالوحل وكيف جعل منهم أضحوكة من خلال تعليقاته التي أصابتهم بالصميم،وكيف وقف عتاة العهد الملكين أذلاء مدحورين وقد تلجلجت ألسنتهم ورجفت أطرافهم وبان عليهم الذل والانكسار وكيف كان يتذلل عارف والبكر وعماش وغيره ممن أصبحوا أسودا يوم شباط ونشروا الأكاذيب عن المهداوي وهو ما سنناقشه في محله من هذا الاستعراض..

وقد تشكلت المحكمة من العقيد فاضل عباس المهداوي رئيساً وشكل عضويتها كل من العقيد فتاح سعيد الشالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضر الدوري والرئيس الأول إبراهيم عباس اللامي ومثل الإدعاء العام فيها العقيد الركن ماجد محمد أمين.

ويعيب البعض على المحكمة حضور الجماهير إلى قاعتها وهتافاتهم المدوية التي أرعبت المتهمين وجعلتهم أذلاء صاغرين يطلبون العفو والرحمة ويقرون بما أرتكبوا من جرائم ولولا هذه العلنية والحضور الجماهيري المكثف وإفساح المجال للجماهير للتعبير عن حماستها لكان موقف أزلام النظام البائد كموقف صدام حسين في محاكمته فبدل أن يكون مجرما ومدانا قام بتوجيه السباب للشعب وقيادته والدفاع عن جرائمه،وجعلت منه المحكمة بطلا قوميا أفرح القومجين العرب في كل مكان ولو كانت محاكمته مهداوية لأصبح كالجرذ ذليلا خانعا مكسور الجناح ولكن أرادة القائمين على المحكمة أعادة المجد لرئيس دولتهم السابق كان وراء الليونة التي عوم بها وجعلت منه بطلا وهو أجبن من فأر،ولا أدري أين كان العائبين لمحاكمة المهداوي وأين هي مواقفهم من محاكم صدام القرقوشية والتي كانت مجزرة ومسلخ للعراقيين ولم نجد اعتراضا من الأخوة العرب أو المسلمين الذين عابوا عدالة المهداوي وأيدوا عدالة صدام حسين ولماذا لم نسمع من القومجين أي صوت استنكار لما يجري في المحاكم الصدامية من محاكمات أشبه بالمهزلة فيعدم عواد البندر في جلسة واحدة أكثر من 300 عراقي دون أن يحضروا إلى المحكمة أو تجري محاكمتهم أصوليا وحسب القانون أو ما جرى في محاكمات شمس الدين النعساني وشاكر مدحت السعود وعلي هادي وتوت في الوقت الذي عابوا على المهداوي العلنية التي أظهرت الكثير من الحقائق رغم ما رافقها من أخطاء لم يكن المهداوي طرفا فيها ولكنها الإرادة الشعبية التي تدفع الجميع للانسياق ورائها وفرضتها طبيعة المرحلة التي تتطلب الحزم والشجاعة في التصدي لهؤلاء الأعاريب والمستعربين الذين عاملوا المواطنين باحتقار وازدراء طيلة حكمهم البغيض.

وليس عبثا هذا الحب الشعبي الذي حضا به المهداوي فكانت صورته الى جانب صورة الزعيم تزدان بها بيوت القراء والمعدمين ممن جاءت الثورة لأنصافهم،ولم يجبر العراقيين على رفع هذه الصور كما كان يفعل الأهوج صدام وإنما هو الحب الشعبي والعرفان بالجميل لقادة أخلصوا لشعبهم وعاشوا كما هم العراقيين قناعة وزهد ،فقد رفض المهداوي الترفيع إلى أي رتبة عسكرية أو الحصول على استحقاقه الوظيفي وظل كما هو عقيدا وكان يكتب على معاملة ترقية تؤجل لأنه يشغل وظيفة مدنية في الوقت الذي منح عارف لنفسه درجة مشير وهو عقيد أو البكر الذي منح نفسه رتبة مهيب وهو عقيد،أو صدام الذي منح الرتب لمن هب ودب من الرعاة والأمين والجهلة ومنح لنفسه أعلا رتبة في الجيش وهو هارب عن الخدمة العسكرية فأين وجه المقارنة بين أولئك والمهداوي الذي رفض قطعة الأرض الممنوحة له في اليرموك لأن زوجته تمتلك دار حصلت عليها أرثا عن والدها ،فأين القوميين من هذه الأخلاق الوطنية الشريفة وهل هناك مجال للمقارنة بين أولئك وهؤلاء.

محكمة الشعب ( محكمة المهداوي)