الرئيسية » مقالات » {هيهات منا الذلّة}

{هيهات منا الذلّة}

ها نحن في شهر محرم، مطلع السنة الهجرية، وذكرى حماسة كربلاء، واقعة النزال بين الخير والشر. وأضحت هذه الحماسة أحدى الوقائع التاريخية في حياة البشر، وهي ترمز إلى ذلك الصراع الأبدي والذي مازال راهناً في حياة المجتمعات الإنسانية بين الرياء والكذب من جهة، وبين الصدق والحق من الجهة الأخرى. وهذا هو سر أحياء هذا الحدث من قبل من يسعى إلى الحق ويعاني من الظلم. كما يأتي أحياء هذه الملحمة من أجل استذكار مآسي يعيشها البشر حتى الآن ولا تلقى الحل.
ولا نريد أن نشير إلى ما عاناه العراقيون من تعسف على يد حكامهم. ولا نريد أن نشمت بمن دعم، بل ومازال يهلل وينظم الكرنفالات لمن ارتكب أشد أنواع العسف ضد العراقيين. فهؤلاء يتعرضون وهم الآن يتعرضون لهمجية القرن الواحد والعشرين ولا مجال للشماتة. كما أنه ليس من شيم عشاق الحق و الحقيقة أن يشمتوا بمن غدر بهم وهم يتعرضون إلى الظلم والعسف حالياً. فالعراقيون بكل ألوانهم تهزهم صور معاناة أهالي غزة، ويستذكرون بربرية حاكمهم المنهار وبطشه بالسلاح الكيمياوي وهم يشاهدون على شاشة التلفزة تلك الفظائع التي ترتكب ضد الأبرياء الفلسطينيين. إن هذه البربرية المنفلتة تضع أكثر من علامة استفهام حول دعاوى السلام والعيش المشترك لدولتين كاملتي السيادة، بالإضافة إلى إقامة علاقات طبيعية مع باقي الدول العربية. فمثل هذه السياسة فاشلة وثبت فشلها خلال العقود الماضية بسبب بسيط هو تنكرها لحل عادل لشعب انتهك وطنه وشرد وضحى بكل شىء. وهذا الشعب بانتظار حل عادل لقضيته كي تتجه شعوب المنطقة نحو سلام دائم. فمن غير المنطقي أن يبقى اللاجئون الفلسطينيون مرابطون على طول الحدود مع إسرائيل بانتظار العودة إلى موطنهم الأصلي. كما أنه من غير المعقول أن يُحرم الفلسطينيون في داخل إسرائيل من حقوقهم وتتعرض أملاكهم للمصادرة. فهذه السياسة الخرقاء تجلب الأضرار لليهود إضافة إلى الأضرار والمحن للفلسطينيين، بل ولكل شعوب المنطقة الذين تعرضوا للويلات جراء حالة الصراع الدموي والحروب والتوتر والانقلابات العسكرية والتطرف الديني، اسلامياً كان أم يهودياً، وكل مظاهر التراجع في كل الميادين والقيم في المنطقة.
ولكن ما زاد من معاناة الفلسطينيين هي تلك المضاربات التي تاجرت وتتاجر بدماء الفلسطينيين منذ النكبة التي حلت بهذا الشعب المسكين. فما أن حلت الكارثة في عام 1948، حتى انبرت حكومات وحركات قومية ودينية متطرفة باستغلال هذه الحدث من أجل وقف أي تقدم في بلداننا والترويج لمصالح وشعارات لا علاقة لها بالمحنة، بل لفرض سيطرتها سواء بالإرهاب أو بالانقلابات العسكرية وفرض قوانين معادية للحريات وفتح باب السجون ونشر أعواد المشانق ضد أنصار الحرية والحداثة باسم حماية مؤخرة الجيش. كما سلب المتاجرون بالحق الفلسطيني الحق من هذا الشعب كي يختار الأصلح والممكن في إرساء دولة فلسطينية على الأراضي التي بقي الفلسطينيون فيها والتي كانت تشكل مساحة تزيد على مساحة الأراضي التي سيطر عليها الإسرائيليون. وضيّع الفلسطينيون هذه الفرصة بسبب مضاربات المتطرفين العرب من كل الألوان الذين، كما يقومون الآن في مثال العراق، بتخوين كل من يسعى إلى بديل ممكن وعقلاني للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني. فالنكبة أصبحت “بضاعة قومية” يتاجر ويزايد بها كل من هب ودب من تجار السياسة دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار ما تجلبه هذه المزايدات من كوارث على الشعب الفلسطيني.
ووقع الشعب الفلسطيني اليائس في الفخ وسلّم أموره للمضاربين العرب والمغامرين الفلسطينيين الذي يأتمرون بأجندات خارجية. وهكذا فقد الفلسطينيون القدرة على البحث عن أفضل الطرق لكسب أي قدر من حقوقهم. وخسر الفلسطينيون كل شىء وكل أمل في مغامرة حرب 67، بحيث سيطر الغزاة على كل الأراضي الفلسطينية. ووقع الفلسطينيون في نفس الخطأ عندما خضعوا لاحقاً لابتزاز التيارات الدينية المتطرفة التي مدت شبكتها للعبث والقتل في كل أنحاء العالم باسم القضية الفلسطينية. وضاعت فرص على الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة كان من الممكن أن يقتنصها الفلسطينيون لتحقيق قدر من حقوقهم عندما صوّتوا للتطرف الديني المدعوم من حكام التطرف في إيران والذي انتهى بسيطرة التطرف على غزة. واستغلت هذه الأخطاء التي ارتكبتها بعض الأطراف والجماعات الفلسطينية بأبشع استغلال من قبل حكام التطرف الاسرائيلي، الذي وجدوا في انعزال القضية الفلسطينية وانحسار التعاطف معها عربياً ودولياً بسبب الممارسات الضارة للنخب الفلسطينية المتطرفة، كي يمعنوا في همجيتهم من ناحية، ويبددوا أي مسعى عقلاني يهودي للتوصل إلى حل مقبول في الوقت الراهن للأزمة الخطيرة في الشرق الأوسط.
إن فرصاً عديدة فقدها الفلسطينيون، ولكن لا يزال بعضهم لا يتعض من التجارب المريرة، ويسعى إلى أن يظل فريسة للمضاربات بهذه القضية الإنسانية. فقد طل علينا السيد حسن نصر الله بفذلكة جديدة شبّه فيها قادة حماس برموز واقعة الطف والحسين في مقدمتهم. ورفع نصر الله الشعار المعروف الذي رفعه الحسين “هيهات منا الذلّة”، كتأكيد على هذا التشبيه، ويا له من تشبيه غير موفق. فمن المعروف أن الأمام الحسين جمع كل رجاله وقبل الواقعة وخيّرهم بين خوض الحرب وبين الرجوع إلى المدينة، وحذّرهم من مغبّة النتائج عليهم وعلى عوائلهم. ووقف الحسين في مقدمة أنصاره عندما حانت ساعة النزال، وحدث ما حدث. ولكن ما شهدناه في المجازر الأخيرة في قطاع غزة هو أن الضحايا هم من الشرطة البسطاء والأطفال والشيوخ، ولم نجد أي ضحية بين زعماء حماس الذي تركوا ساحة المعركة ولجأوا إلى المخابئ والجحور للحفاظ على حياتهم بدلاً من الوقوف في المقدمة، ولم يطلقوا أي صاروخ على الغزاة. إن هذا السلوك لا علاقة له بحماسة الحسين كما يحاول نصرالله أن يشبهه.، فشتان ما بين الأثنين. فهذا السلوك هو تكرار لنفس الممارسة التي مارسها حسن نصر الله وزعماء حزب الله في لبنان عندما وضعوا هؤلاء “الزعماء” السكان البسطاء كمتاريس أمام زحف البرابرة الاسرائيليون في جنوب لبنان وبيروت التي تحولت إلى جحيم وراح ضحيتها الآلاف من اللبنانيين كي يفلت زعماء حزب الله من أرض المعركة. و لم يقّلد حسن نصر الله الأمام الحسين في ملحمته ويقف في مقدمة من يتصدى للعدوان ويردد مقولة “هيهات منا الذلّة”!!!!!.
كفى أيها السادة تلاعباً بمصير الفلسطينيين ومحنتهم ، وكفى أن يخطأ الفلسطينيون بعد كل هذه الكوارث، وينحدروا إلى أفخاخ المضاربين بالقضية الفلسطينية. وما على الفلسطينيين الآن إلاّ أن يحسنوا إدارة الصراع مع عدوهم كي يقرّبهم من نيل ولو جزء من حقوقهم المشروعة.
29 كانون الأول 2008