الرئيسية » مقالات » الجواهري: لواعج ومواجهات (3)

الجواهري: لواعج ومواجهات (3)

يعود الشاعر العظيم خريف عام 1968 إلى بلاده بعد “سبع سنوات عجاف” في مغتربه ببراغ، ليستذئب عليه النهازون والمتنطعون، تحت لافتة “تخلف” الشعر العمودي، و”شيوخة” أصحابه، و”نضوب” روافده… مع تلويح لا يحتاج لمزيد من الفطنة إلى أن الجواهري كان هو المقصود أولاً، بل وأخيراً، في تلك المعركة “الثقافية”… بل وقد تشجع البعض من “النقاد” و”الشعراء” العراقيين والعرب، من “الجامعين خشار القول” لينتقلوا من الايماء إلى الايحاء صراحة، في التحرش المباشر بالشاعر والوطني الرمز، بل وحتى محاولة التطاول عليه… وأمام هذه المنازلة التي جاء توقيتها بالتزامن انعقاد المؤتمر الأول للأدباء العرب ومهرجان الشعر المرافق له، في بغداد والبصرة (نيسان/ابريل 1969)، اختار الجواهري “حلبة الشعر” ليخوض المعركة من خلالها، بشموخ وعنفوان، وليرد بدالية مطولة، مدافعاً ومهاجماً في آن واحد، وليجوب أكثر من مضمار، وبأكثر من “بيت قصيد”:
يـا ابـن الفـراتـيـن
يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلدُ
زَعْماً بأنك فيه الصادحُ الغرِدُ
ما بين جنبيكَ نبعٌ لا قَرارَ له
من المطامح يستسقي ويَرتفد
يا ابن الفراتين لا تحزن لنازلة
أغلى من النازلات الحزنُ والكمدُ
فما التأسي إذا لم يَنْفِ عنك أسىً
وما التجلدُ إن لم ينفعِ الجَلَد
وما ضمانةُ قولٍ لا شفيعَ له
من الضمير ولا من ذمةٍ سَنَدُ

ثم تتوالى آهات الجواهري لتتصاعد مزدحمة بالعتاب، والقاسي أحياناً، على أصحاب وأحباء، مشيراً إلى غربته المريرة عن بلاده، وصمت بعضهم عما تعرض إليه من نكران وإجحاف… وكذلك جاءت كثرة من أبيات القصيد لتصكّ أسماع المسفّين، ممن لم يعرفوا حجومهم الحقيقية:

لا تقترحْ جنسَ مولود وصورتَه
وخلّها حرةً تأتي بما تلِد
ولا شَكاةٌ أيشكو السيفُ منجرداً؟
لا يُخلقُ السيفُ إلاّ وهو منجرد…
على الوجوه مشَتْ أكذوبةٌ عَرَضٌ
وقرَّ تحت الجلُودِ الجوهرُ النَّكَد

ويستمر الشاعر الكبير مخاطباً المؤتمرين، والمشاركين في جلساته، ومن بينهم بعض المتطاولين العراقيين والعرب، من “المطعمين سعير الحقد لحمهم” فنازلهم منفرداً، صائلاً جائلاً ليصف ويوضح ويفنّد، وليفصح ويضمر، وعلى امتداد أبيات القصيدة المئة والسبعين، مستعرضاً قدراته الشعرية وإبداعه، ودون أن “تأسره” القافية أو “تقيده” الأوزان:

وصاحبٍ لي لم أبخَسْهُ موهِبةً
وإنْ مشَتْ بعتابٍ بيننا بُرُد
نفَى عن الشعرِ أشياخاً وأكهِلـَـة
يُزجى بذاك يراعاً حبرُه الحَردُ
كأنما هو في تصنيفهم حكمٌ
وقولُه الفصلُ ميثاقٌ ومُستَنَد
وما أراد سوى شيخٍ بمُفردِه
لكنَّهُ خافَ منه حين يَنفرد
بيني وبينَك أجيالٌ مُحَكَّمَةٌ
على ضمائرها في الحكم يُعتَمدُ

… وبعد الأبيات السابقة ينتقل الجواهري من الخاص إلى العام، منوّهاً للنتائج، ومحذراً من الغيّ والتطاول، وإلا فالتاريخ هو الفيصل الحاسم، وما أقدره على الحكم والمقاضاة كما آمن الشاعر العظيم:

يا شاتميَّ وفي كفي غلاصمهم
كموسع الليث شتماً وهو يُزدَرد
وعاضضيَّ وفي أفواههم شَلَلٌ
أرخى الشفاه ، وفي أسنانهم دَرَد
أتَلطِمونَ جبينَ الشمسِ أن قَذِيَتْ
عيونُكم فبها من ضوئها رَمَد
أم تُفرِغون مياهَ البحر أن نَضَبَت
حياضُكم فهي نَزْرٌ ، مُوحلٌ ، صَرَد
يا بن “الركائك” والأيام هازئة
بميتين على ما استفرغوا جَمدوا
ما ضرّ من آمنت دنيا بفكرتِهِ
أن ضيفَ صفرٌ إلى أصفار من جحدوا

… ولكي تكتمل الصورة التي شاءها الجواهري الكبير، لم يدع الفرصة لتمر، دون أن يجدد التفاخر بتفرد عطائه، وبسنوات نضاله المديد، ومواقفه في التنوير، فقال – مثلما يزعم – قولة صدق “لا تستمن ولا تخشى، ولا تعد” ودون أية رهبة، خاصة وهو في بدايات عقده الثامن آنذاك: “فما يخاف، وما يرجو وقد دلفت سبعون مثل خيول السبق تطرد”، بحسب ما جاء في القصيدة العصماء ذاتها.

مع تحيات مركز الجواهري في براغ
www.jawahiri.com