الرئيسية » مقالات » كثيرٌ من السيرك، قليلٌ من الخبز..!

كثيرٌ من السيرك، قليلٌ من الخبز..!

يسأل شخصٌ عن سبب استعمال تعبير قبة البرلمان في سوريا، ويقولون “ألقى السيد الرئيس كلمة تحت قبة البرلمان”، ويأتيه الجواب “لأنه لا يوجد سيرك بدون قبة!”..

أخاف على مصير المشاهير، أعتقد أنهم في خطر، وتضعهم وسائل الإعلام أمام امتحاناتٍ صعبة، وتحدياتٍ خطيرة.
لكن على البرنامج أن يستمر، تحريض توتر المشاهدين يستمر بالارتفاع، لا يكفي أن يصرحوا عن علاقاتهم العائلية فالتقارير التي تحاصر أسرهم تزيد أيضاً من حدة “الأدريلين”، لو يكتبوا عن تاريخهم وطموحاتهم، عن حياة الدنيا وعن الآخرة، عن كآباتهم وعن قمصانهم المخططة، لو يطلعوا العالم على أعمالهم العظيمة، لكن الشيء الواضح هو التين بأوراقه وبدونها، واضحٌ بعنبه وزبيبته…. لأنهم المثل والرمز، ومعهم يتسارع العالم، لا وقت للتمثيل، هو زمن العظماء الأبطال، زمن الأفعال…
من أجل إيجاد مشهور جديد لا نحتاج أكثر من برنامج لاكتشاف وسبر الكفاءات، منتجٌ مموّل غير بخيل وعندها يمكن صنع مشهور أو بلغة المشهورين “ستار”.

إلى جانب الخبز يحتاج الشعب إلى السيرك ـ هذا ما قاله الرومان قديماً ـ ، ومشاهير اليوم ـ أو ممثلي السيرك ـ يقدمون عروضهم البهلوانية من أجل الخبز، ويظهر كما لو أنهم يحملون رسالة محفوفة بالمخاطر.
السهيم الصائب تعلم الرمي خلال سنين، فلما اشتدّ ساعده أطلق سهمه الذي كان يخبئه منذ الطفولة، وصار سهماً عالياً في أكثر البورصات الطاهرة أو الطهرانية، وعندها ابتدأ السيرك القومي الذي لا ينقصه إلاّ قليل من الخبز، لكن ليس به وحده يحيى الـ”ستار”..
وحتى الآن لا شيء غريب، فالمشهور يأكل ويلبس وأحياناً يغني مثلنا، وقد لا تختلف تسريحة شعره أو زبيبة جبهته أو لون حذائه عن مثيلاتها في أي مسرح، الغريب هو عندما يتم نقل البث الحقيقي على أنه السيرك، أو السيرك على أنه درسٌ في ثقافة الممانعة وفي كل محطات التلفزيون، ويتوقف مسلسل نور ونواره وشباك وباب الحارة، وحتى برنامج التبصير بالفنجان تغير موعد بثه، وتبدأ المسابقات بين القنوات بكل أنواعها ـ الحكومية ونصف حكومية، الصرفية والنحوية ـ وتبدأ النخوات والنشامى وتقبرني يا وطني من شان يعيش حامي وطني..

“طالما بقيت روسيا أمية، سيبقى الفيلم أهم وسيلة بين الفنون” هذا ما قاله المرحوم لينين، ثم جاء التلفزيون، ورغم أننا تعلمنا القراءة والكتابة ـ ويقال أنه في سوريا ثلاثة محافظات قضت على الأمية وصارت أبوية ـ إلاّ أن التلفزيون قادرٌ على خربطة عقول حتى الفهمانين، الهدف ليس كما أراده لينين لكن الوسيلة ناجحة، تقديم أقل ما يمكن من المعلومات مقابل أكثر ما يمكن من السيرك الهابط.. والكلام الرخيص…
هذا هو العالم الجديد، عندما نهرب من المشاكل الحقيقية أمام التلفزيون مع البرامج السيركية لتعويض الحقيقة عن خبز الواقع المفقود.
يقترب العام من نهايته ـ أو من بدايته، ومنذ فترة قصيرة مرت أعياد وبعد فترة قصيرة تمر أعياد، وبين هذه وتلك تنطلق صواريخ من هنا لتحفر الرمل، وتنطلق طائرات من هناك لتقتل الأنفاس، ويستمر الحماس، وتضرب السباع الأخماس بالأسداس، وبعد وقوف دولاب الحظ، وبعد عدّ الربح والخسارة، يعود للعب آخر مرة، سيد المقاومة “عنترة”..
لكن ذلك لن يغيّر من حقيقة أن تكون من أولويات هدايانا أجهزة التلفزيون، ولكون الخبز قليل نتمنى أمتع الأوقات مع برامج السيرك الكثيرة، المدنية منها والعسكرية..

يسأل العماد عون حليفه الفريق دكتور العيون – فريق عنده ما شاء الله لاعبين – ويقول: لماذا يحبك مشعل والزهّار وهنية وحماس وفرناس وما بحبك عباس؟ ويكون الرد المناسب فوراً، تعتقد حماس وأخواتها أنني قومي وأعمل ضد إسرائيل.. بعد ذلك يسأل الجنرال عون حماس وحملة الزبيب الفلسطيني: لماذا يحبكم بشار الأسد للأبد، ولا يحب أولمرت ولا ليفني ولا أصحابها؟ ويأتي الرد الحماسي سريعاً، لأننا نملك صواريخ قسّام يا فهمان، وأولمرت من أنصاف الرجال وليفني حرمة يعني نصف – نصف رجل.
ويقبرني أبو هانيبال رفع صوته من جديد، ولم يتأخر الأسد إبن السبع من الاتصال مع البشير يمكن تكون عنده وصفة لحل أزمة غزة من الوصفات اللي استعملها في دارفور.. إذا كانت الوطنية تعني تشجيع حماس على تفليت بضعة فتاشات صاروخية على صحراء النقب، وتحمل الشعب الفلسطيني ردود الفعل الهمجية العدوانية الاسرائيلية – إذا كانت هي الوطنية فإن رأس نظام دمشق الممانع الصامد هو الأكثر وطنية من أيام جده المرحوم وممانعته ضد الاحتلال الفرنسي، مروراً بوطنية الوالد في الجولان وفي لبنان، ووصولاً للسبع الثالث وصولاته من اسكندرون حتى عربستان، وبالمناسبة إذا كان يا ترى حافظ الأسد هو الأسد الأول، فماذا يكون ترتيب والده؟ والجواب فقط للذين لا يعرفون الصفر في الأرقام الرومانية.. الوطنية في “جيناتهم” يتوارثوها مع الوطن الذي يصغر مع الزمن – يمكن عا بكش عالغسيل -..

هذه الصداقة قد تكلّف عمراً كاملاً، لكن لمئات وآلاف جديدة من الأبرياء…شعب يذبح ضحية لسياسة الغباء والرياء..

وفي آخر الموسم نعيش تنزيلات على الأسعار، ويكتب الكندرجي اللميع على واجهة دكانه وبجانب صورة شريكه بالمحل “ادفع ثمن واحد منعطيك اثنين”.. ويمكن إذا نفذ من ثمن دم واحد وبيتركوا يروح بريشو يمكن السبع بيعطهم سبعة ونصف…

ورغم كل ما يدور لابدّ أن يأتي قريباً 1 كانون الثاني / يناير والذي يتطلع إليه قرابة 23 مليون سوري، راجين أن يكون نهاراً مشمساً، أن يحمل الخير، أن يكون أملاً لنتذكر في العام القادم ميلاد جديد ليس فقط للسيد المسيح وليس فقط للسنة الجديدة، بل ميلاد جديد لشعبنا ووطننا… وكل عام وأنتم بخير… 

29 / 12 / 2008.