الرئيسية » شخصيات كوردية » مواقف لاتنسى -المرحوم شاكر فتاح

مواقف لاتنسى -المرحوم شاكر فتاح

من المعروف أن الأنظمة الشمولية بصورة عامة ومنها النظام العراقي السابق , تعد العداء مع الأفكار والحريات التي تتناقض مع مبادئهم وحكمهم مطلقا وحتميا و غير قابل للمساومة أو حتى للمناقشة , وأن كل ما يطرح من آراء خارج الإطار أو الخطوط المرسومة من قبلها تعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء , وتكون نتائجها وخيمة على الداعين لها ومروجيها, فعلى الجميع الانقياد لاوامر السلطة والحزب وبدون السأم والاعتراض , وتمنع كل الوصايا والاهتمامات خارج فكرة السلطة الشمولية لأنها تعاني في الأصل من عقدة نفسية دفينة وسدودا فكرية معتمة أغلقت أذهانها بوجه كل الأفكار المستنيرة.
وفي الوقت نفسه تكون عاجزة لمواجهة الطروحات العقلانية والمنطقية لأنها تعتبر ذلك تراجعا عن مبادىء تم وضعها قبل عقود من الزمن وكأنها من الثوابت المقدسة لا يجوز المساس بها , فكيف الحال إذا كانت الدعوة والتأكيد على المصداقية وحسن النية في الإعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي والتي كانت ترافقها في الأصل شكوك حول النيات , ,ففي تلك الحقبة كانت هناك حقائق لا يمكن أن يتجاهلها المرء , وهي أن النظام أ كد في جميع أدبياته أن الدعوة لمثل هذة الأفكار معول هدم, وكم من أصحا ب الفكر الحر والنير كانوا من ضحاياهم , وقد كان الكثير من المثقفين الكورد من ضمنهم المرحوم شاكر فتاح ,الفقيد الذي لم يحمل السلاح في يوم ما بوجه الحكومات المتعاقبة ,ولم يجد في القوة وسيلة لطلب حق مشروع اغتصب في ظروف أقليمية ودولة غير متكافئة ومساومات عقيمة أفرزتها المصالح ,بل كان شغوفا بالقلم والقرطاس وتواقا للحوار عند الدفاع عما يؤمن به وخاصة هموم أبناء جلدته والتي حملها وهو في ريعان شبابه وضحى من أجلها وهو في شيخوخته ,ولكن كل هذا لم يشفع له عند الجهلة المتسلطين جراء رفضه العمل تحت خيمة السلطة , فقد فقدناه مثل ما فقدنا الكثيرين من أمثاله وقد كان رحيله صدمة لدى من عرف مكانته قضى المرحوم فترة طويلة من حياته مسوؤلاٌ في الإدارة العليا ( قائم مقام ) في عدد من أقضية كوردستان ولاسيما العماديه وعقره وشيخان , فقد كان الإداري الناجح النزيه ,ومثقفا رفيع المستوى وكاتبا , ويشجع العلم ورأسماله سمعته ولهذا كان محبوبا لدى كل من عاشره أو عمل معه لدماثة أخلاقه ,كما أنه كان مناضلا وقوميا جريئا وصلبا في مواقفه وكورديا أصيلا و مخلصا كما كان ذا حضور يفرضه على الجميع, وقد كانت هموم أبناء شعبه كل آماله ونشاطه وكرس له كل وقته رغم تقدمه في العمر , ولم يسمح لأي شئ آخرباْن يستحوذ على همومه أوأن يحول بعض إنتباهه عن الهدف المركز ي ,وهذا أمر معروف لأن المثقفين والسياسين أكثر’إ حساسا وتاثرا بالأزمات والنكبات التي توأجه أبناء امته من بقية أبناء المجتمع,كما ويستطيعون ان ينبهوا إلى مواطن الخلل حتى وإن لم تكن لهم قوة التغير,بل يحاولون أن ياخذ الجمهور دوره الإحترازي والإيجابي مع تحريك الشارع للتصدي للحالأت السلبية , وفعالون يرفضون التهميش,ورغم الأزمات لم يبق المرحوم كئيبا أومهزوما أو مبتعدا, ومنزوياً في داره. . لنتحدث قليلا عن المسرحية التراجيدية التي كانت في عرضها نهايته ,أقامت الأمانة العامة للثقافة والشبا ب لمنطقة الحكم الذاتي في حينه في محافظة أربيل في العقد الثامن من القرن الماضي ندوة لتمجيد دور صدام في منح الحقوق القومية للأكراد بعنوان ( شعبنا الكوردي في ضمير القائد )إذ كان الغرض الأساسي من الندوة هو الإعتقاد الراسخ لدى القائمين بها أنه سوف تحسن الصورة القاتمة للنظام ورئيسه لدى مثقفي الكورد ,ولكن تراكم عقود من الزمن وجرح غائر للروح وليس للجسد وحده , لا ولن تمحوها ندوة ولهذه السبب أصبح عنوان الندوة اكذوبة وإنقلبت على روؤسهم جميعا , وقد تمت دعوة عدد من مثقفي الكورد, وكان المرحوم من ضمنهم وعدد كبير من الموالين للسلطة , وقد لبى الدعوة لاحباً بالنظام ولا القائمين عليها وهو يعرف أن معظم الحضور هم من يقف في الخندق المعادي لحل القضية الكوردية وكما ليس في قاموسهم كلمة جيدة بحقهم ولكن كان موضوع الندوة والحديث عن القضية موضوع الساعة وهاجسه دائما ,وكما الإعتقاد الراسخ في ذهنه وله رغبة أو أمل ربما يتحقق وهو أنه في الإمكان الدخول في مناظرة فكرية حول الموضوع و إسقاط جدار الصمت مع الأزمة ولا يهمه الثمن المطلوب أزاء آرائه , علما أن الشك لا يساوره في أن حل القضية بالوسائل السلمية والديمقراطية والحوارلا تد خل ضمن إهتمامات صدام ,و إنما كان عازما على إلغاء هويته القومية ,كما و أراد أن يكشف علانية زيف وأقاويل النظام وحقيقته , وما أن بدء الندوة حتى راح معظمهم في إطناب المديح الممل وسرد القصص الخيالية عن مهندس الحكم الذاتي مع إضفاء المزيد من الهالات ,وكأن المرحوم يقول لهم في قرار نفسه أن ما تقولونه كذب ورياء وبهتان , ومغالطات لأن الله سبحانه يقول (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين .البقرة 111) فما أن جاء دوره في إلقاء بحثه أو محاضرته حتى تقدم بخطوات ثابة وحثيثة وبنظر ثاقب إلى مستقبل مجيد تتعدى الكبوة والعبء الثقيل على كاهل المخلصين لأنه يعرف مقايس الجدارة فيهم , بعد أن سوى ازرار سترته ملؤه العزيمة والإصرار وكان مصرا أن يفاجئ الحضور بقنبلة مؤقتة غير متوقعة من الأصدقاء قبل الأعداء ( وقد وجه اللوم إلى اللجنة التي رعت الندوة لتقصيرها لأنها لم تطلع على مضمون محاضرته قبل إلقائه مما عرضهم للمسائلة لاحقا ) وكان يحدوه الأمل والثقة لتحقيق مبادرة أو الإعلان عن حق ضائع سرقه سادة هؤلاء القوم القابعين في بغداد وهو مصر على إعادته أو إستحقا ق تم التغاضي عنها , ليدرك الجميع انه لا يضيع حق وراءه مطالب ,وهو يعلم علم اليقين في نفس الوقت أن النظام ذو غدر ولؤم ووحشية و إفتراس ,وبعد التحية ومقدمة وديباج روتيني ,ثم عرج إلى ما في مخيلته وما رسمه وهو في البيت وطول الطريق فبدء رويدا رويدا الدخول في الموضوع إلى أن فجر المفرقعات بين الحضور مما أحدث زلزالا وتكهرب الجو وكان معظم الحضور من أركان النظام الذين قدموا من بغداد وأعضاء المجلسي التنفيذي والتشريعي لمنطقة الحكم الذاتي (نحن هنا لا نحاول التصدي للمجلسين ولا الظروف التي أغرت البعض بالتعليق بأوهامها وسرابها )ومن الجهات الأمنية والعسكرية , فأول ما طلب هو إجراء المفاوضات والحوار مع الثوار و إنهاء الوضع الشاذ في كوردستان وأكد لن ينتعش الأمن و الإستقرار فيها طالما ظل الوضع الراهن فيها على هذه الحالة دون تغير ومن منطلق الغالب والمغلوب ولايمكن أن تكون لغة القوة هي السائدة ما دام الشعب الكوردي في ضمير القائد ودعا الى:
1- رفع الحصا رالعسكري و الإقتصادي على المدن والقرى وترك المواطنين للعيش بسلام.
2- تفعيل جعل اللغة الكوردية لغة رسمية تنفيذا لإتفاقية آذار.
3- تطبيق كل ما يتعلق ببيان آذار بحذافيره, أي التطبيق دون تأويل ومراوغة ويعني أن الحكومة قد تلكأت وخرجت عن ثوابت الإتفاقية .
كانت مقترحاته كمس من نار سقط عليهم , حيث هيمن صمت رهيب على القاعة و عجز الجميع عن الحركة بعد أن أصابهم الدوار وعلامات الحيرة والخوف بادية عليهم جراء الموقف من هذه الدعوة وتعلقت الأنظار بالمنصة , فاحتقن الجو , لأن الحجر الذي ألقاه حرك كل المياه الراكدة , وقد أفرز صدى هذه الدعوة, تيارين أو إتجاهين متناقضين جدا , الإتجاه الأول يمثل الفئة التي أسرعت في التعبير عن نفسها وهو المعروف مقدما (أعضاء المجلسين ,الأكراد الذين ربطوا مصيرهم بالبعث المسوؤلين الحزبيين الذبن وفدوا من الوسط والجنوب )وهم يعادون أصلا مضمون المقترحات , فكيف الحال إذا وجدوا أنفسهم في وضع محرج لا يحسد عليه , فانعكس سلبا على ردود أفعالهم ,لان ما طرحه خيب آمال أسيادهم المغايرة كليا للخطاب الرسمي في بغداد ,وقلب السحر على الساحر, وكان من المحتمل أن يظل الحدث محصورا في إطاره الطبيعي لولا غضب وثورة هذه الفئة بوجه الرجل الوقور المبجل والطاعن في السن مثل الذئاب المفترسة , وتعالت أصوات الإستنكار والشجب , وكيف أنه تجرء أن يطلق على المتمردين الذين خانوا مبادئ الحزب والثورة بالثوار , في حين أنهم عملاء ودعاة الإنفصال , وأن قائد الضرورة لايحتاج إلى من يذكره وهو ضميرالامة ومخترع بيان الحادي عشر من آذار, و لولاه لما حدثت المعجزة , ولم يكن موقف هذه الفئة بالأمر الغريب الذي يوجب التساول او التحليل , وعلى العكس من ذلك كان الإتجاه الثاني وهم القلة في القاعة ألتي كانت تؤمن إيمانا عميقا بما طرحه ولكنها لاتستطيع أن تعبر عن رايها , بلع المرحوم ريقه وحاول أن يستأنف حديثه ولكنه وجد أنه من الصعب ذلك فما كان منه إلا أن ترك المنصة , بعد أن فاجأ الجميع بموقفه المعهود بعدم تقديم أى إعتذار أو تبرير لما بدر منه , أو عدم إيجاد الألفاظ المناسبة للتعبير عن رأيه ,عما طرحه , بل أصر على فكرته , فأخذ مكانه بين الحضور وكأن أي شئ لم يحدث , وقد بدت عليه راحة الضمير , وفي الوقت نفسه ترك موقفه هذا أثرا طيبا زاد من مكانته المرموقة بين محبيه ومن يتفق معه في آرائه وخاصة من أصحاب التقية , ولكن الخوف بدا عليهم من بطش جلاوزة النظام له الذين لم يكونوا في يوم ما متسامحين مع من يختلف معهم في الرأي .
لا أظن أن أحدا مهما كان محكوما بأرا ئه سواء إتفق على ما قاله أولم يتفق أن ينكر الدور أو الوقفة الشجاعة لهذا الرجل ومدى إيمانه بقضية وفي ذلك الزمن العصيب وهو الملم ببواطن الأمور قبل غيره ونتائجها المرعبة , كما وإنني شخصيا لا أستشعر باي حرج في قول الحق تجاه الرجل وموقفه دون أن يكون لي ناقة أو جمل , لأنه يستحق هذا المدح والثناء وسوف يلقاه إلى أمد بعيد لأنه أراد أن يضئ الدرب المعتم للضالين .ولكن رغم كل هذا في إعتقادي كان طرحه ليس في مكانه ووقته لأسباب منها عدم جدوى اثارة مثل هذه المواضيع لأن البعث لم يتبن في يوم ما الحوار عن جد دون الإستخفاف بالآخرين لا بل حتى يجهل قواعده وإنما يحب الإملاء دائما , كما أنه لم يكن في القاعة من يستطيع أن يستجيب دعوته فأعضاء المجلسين لم يكن وجودهم إلا ظاهرة هامشية من الناحية العملية , وإن كانت قائمة من الناحية الشكلية , ولكن الحدث لم ينته بانتهاء الندوة ,بل كان عدم الإرتياح والغضب واضحين لدى الجميع دون أن تحقق ما كانوا يصبون ألى تحقيقه , غادر الجميع القاعة حتى وكان المرحوم بعد ساعات بين أيدي رجال الأمن والمخابرات ويسوقونه إلى مصير مجهول وهو رجل طاعن في السن ,وظهر لاحقا أن رجال الأمن كانوا يتحينون الفرصة منذ فترة للإ نتقام منه ومنذ ذلك اليوم فقدت عائلته عميد دارهم وهوى نجم لامع في سماء كوردستان اسوة بالكثيرين لا لجريمة إقترفها وإنما لقوله كلمة الحق وما حدث ليس ظلما للمرحوم وحده ولكنه ‘إعتداء صارخ على حرية الرأي والفكر . تختزن الذاكرة العراقية الكثير ولكن ما حدث كان أعمق بكثير من كل ما سمع ,نعم في الذاكرة حشد هائل من الرعب والدمار , لأن ما حدث دليل على أن السكين كان فوق رقاب كل المفكرين والمثقفين الذين لم ينخرطوا مع النظام وفي الختام نقول إننا واثقون من أن الأمانة التي تركها المرحوم وأمثاله , طيب الله ثراهم ستكون في أياد أمينة.
Taakhi