الرئيسية » مقالات » من مذكرات الراحل طيب الذكر المحامي الاستاذ داوود حبيب سيبا يلدو

من مذكرات الراحل طيب الذكر المحامي الاستاذ داوود حبيب سيبا يلدو

هناك مقولة تقول ان الزمان كفيل بالنسيان ،الا اني قد اختلف مع هذا الرأي،

وارى من جانبي ان الانسان وبحواسه الخمسه ومشاعره الانسانيه ، لم ولن ينسى ابدا حدث مهم او واقعه وقعت ، اوموقف معين من شخص معين .. ترك كل منها اثرا او منعطفا بليغا في حياته ، واصبحت جزءأ لا يتجزأ من ذاته وضميره ، يتعايش معها اينما حل وحيثما وجد وإلا ، لا يمكن ان يكون هذا الانسان انسانا سويا .

اردت بهذه المقدمه ان اعبر عن ذاتي ، وقد فارقني منذ سنتين ونيف، اخ عزيز على نفسي ، َوصديق صدوق ، واستاذ فاضل ، وانسان خير بما تعنيه هذه الكلمه من معنى ، طيب الخلق والاخلاق ، نزيها ، مسالما ، هادئا ، ميالا لعمل الخير واشاعة روح المحبة والتسامح ، كيف لا ؟ وهوعنصر معروف بحركة انصار السلام العالمي !! ومن اوائل رجال السياسه من ذوي التوجه الديموقراطي التقدمي حاملا الفكر الماركسي .. متمكنا من اختصاصه المهني –المحاماة – وهو اب فاضل ومربي مثالي لأربعة …. إبنا بارا واحدا اكبرهم سلام ، ولثلاث كريمات فاضلات ، وكلهم ذوي مواقع متقدمه علما ومعرفه وثقافة وحسن تربية واخلاق

ومما يحفزني ويشدني ايضا على استذكار هذه الشخصيه الرائعه ، هو خزين كتاباته الحافله بسرد واستذكار الكثير من احداث الماضي البعيد والقريب في العهدين الملكي والجمهوري ، وحتى الاحتلال وسقوط النظام البعثي ، حيث وافاه الاجل في 3 / آب / 2006

يروي لنا الراحل المرحوم ابوسلام كثير من الاحداث والوقائع الاجتماعيه والسياسيه والمنعطفات الوطنية والتاريخيه التي عاصرها ، تلك التي مرت وعصفت بالعراق منذ بداية الحكم الوطني ، وهي تعد بحق وحقيقه ، مصدر مهم من المصادر والشهادات العيانيه التي لا يمكن للباحث الاستغناء عنها لتوثيق بحوثه واغناء معرفته ، واستل منها هنا شيئا مما كتبه عن احداث الفرهود ، التي وقعت عشية عودة الوصي ونوري السعيد وبعض اقطاب النظام الملكي السابق الى العراق ، بعد هروبهم الى الخارج ابان حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس سنة 1941 … والملفت للنظر بهذه المعلومه ، ان صاحب المذكرات جهة حيادية وشخصية اجتماعيه مهمه ، وكان متواجدا في وسط المشهد ، وكشاهد عيان يصف لنا هذه الاحداث بدقه ، وللقارئ الكريم انقل جزءأ من النص الذي جاء على لسان الراحل ، وكان قد نشر في حينه بعضا منه على صفحات مجلة المنتدى السنة الخامسه العدد 5 لسنة 2000



الفرهود

يقول- ابو سلام صاحب المذكرات نصا – …

بعد ثلاثة ايام او اربعه من هروب الوصي الى خارج العراق ، اجتمع مجلسا النواب والاعيان وفقا للدستور ، وعقدا جلسة مشتركه تم بموجبها خلع الوصي عبد الاله لتركه العراق وتعيين الشريف شرف .. وهو من العائله الهاشميه كذلك ، وصيا على العرش بدلا من عبد الاله بالرغم من انه كان شخصا مغمورا … ودعا الزعيم الوطني السيد جعفر ابو التمن بتاريخ 5/4/1941 جماعة الاهالي وعناصر اخرى يساريه وتقدميه الى الاجتماع في بيته حيث ، تم التأكيد على وجوب دعم واسناد حكومة رشيد عالي الكيلاني من قبل كافة القوى الديمقراطيه والتقدميه واليساريه . وقد تحفظ بعض الموجودين وخاصة كامل الجادرجي وابو التمن بشأن رشيد عالي شخصيا ..

وبهروب الوصي عبد الاله ، بدأ القتال بقصف الجيش العراقي من قبل القوه الجويه البريطانيه المتواجده في قاعدة الحبانيه.. وكانت غالبية قوات الانكليز من ( الليفي ).. ومع بدء القتال مع الانكليز اخذت فرق كتائب الشباب والتي تضم كل فرقه منها خمسة الي ستة اشخاص ، للقيام بجولات المراقبه والتفتيش، كل في منطقته ومع غروب الشمس ولمدة حوالي الساعتين للأطمئنان بعدم وجود ما يريب وللتأكد من استتباب النظام والهدؤ .

كانت كل فرقه من هذه الفرق المذكوره تتألف من خمسة افراد .. ثلاثه من المسلمين واثنين من المسيحين ، كانوا يجوبون في منطقة علاوي الحله والشورجه ولبعض محلات اليهود ، وتنتهي جولاتهم بحدود الثامنه مساء ، ولم يكن اي منهم يحمل سلاحا. وطيلة مدة الحرب التي كانوا خلالها يقومون بهذه الجولات لم يلحظوا ما يدعو الى الريبه ، اذ كان الهدؤ يخيم لا على هذه المنطقه فحسب ، بل على كل مناطق بغداد في تلك الايام .

الا انه في حوالي الساعه العاشره من صباح يوم 1 / حزيران / 1941 كان الهدؤ شاملا في كل اطراف بغداد اسوة بالايام السابقه،لاحظ الموجودون في المقهى البرازيليه ( سويس كافيه ) الواقع في شارع الرشيد – منطقة المربعه –واغلبهم من الادباء والشعراء والشباب وبعض الطلاب ، ان شلة من الشرطه تحاول كسر اقفال محل ( ليبراتو )الواقع في مدخل الزقاق المؤدي الى المربعه والمقابل للمقهى المذكور ، وقد صادف ان بعض طلبة المتوسطه الشرقيه القديمه الذين كانوا قد انصرفوا مبكرا حاولوا منع الشرطه عن ذلك ، فنهرتهم الشرطه وطلبت منهم الذهاب الى بيوتهم، وبعد مرور ساعه او دون ذلك ، بدات حوادث تحطيم بعض مخازن شارع الرشيد. وكانت المخازن مقفلة ، وبنفس الوقت تقريبا بدأت الاعتداءآت واعمال النهب في بعض محلات ودور سكنىاليهود في مناطق تواجدهم ، وهذا يدعو للاعتقاد بان الاعتداءآت كانت موقوته .

إذ ان كثيرمن الناس تنسب احداث الفرهود..الى تلك الاعتداءآت التي تعرض لها اليهود كانت على يد السلطه ذاتها ، بالاعتماد على مدير الشرطه ( الحجازي ) المؤيد للعائله الملكيه ونوري السعيد شخصيا . والمقصود ( بالفرهود ) المذكور هو قيام بعض الاشخاص قيل انهم من جانب الكرخ بمهاجمة احياء اليهود ، واقتحام بعض البيوت عنوة وسلب محتوياتها وكان ذلك في يومي الاول والثاني من حزيران من سنة 1941 وهما يصادفان عيد ( شعبوث ) لليهود والذي فيه تمت كما ذكرنا محاولة تحطيم ابواب بعض المخازن في شارع الرشيد من قبل الشرطه اولا ..! ومن ثم بدأت وفي نفس الوقت حوادث الفرهود بالمحلات التجاريه والبيوت الواقعه في المناطق التي يسكنها اليهود منها مثلا محلات ( ابو دودو، وبني سعيد ، وابو سيفين ، وتحت التكيه ، والتورات ) وغيرها مصحوبه باعمال القتل .. كما قام بعض الشباب باغتصاب بعض اليهوديات .. ودام هذا الوضع طيلة النهار والليل ولليوم الثاني على التوالي ، واغلب الناس اعتقدوا ان هذه الاحداث مدبره فعلا من الوصي وكادره السياسي ومعه الكثير من المسئولين الذين قد عادوا الى العراق في نفس اليوم الذي غادر فيه الكيلاني رئيس الوزراء والمسؤولين العراق ، وكان الوصي كما يبدو يؤمل حدوث ما يدفع الزعماء الوطنيين المناهضيين له والمؤيدين لموقف الكيلاني من امثال الزعيم الوطني جعفر ابوالتمن وصحبه من السياسين وقادة الجيش ، للذهاب لأستقباله والطلب منه لأستلام سلطته بناء على الحاح ورغبة الشعب كما يظن هو ذلك … بعد ان فر هاربا كما اسلفنا سابقا ، اما مدير الشرطه المدعو علي الحجازي المعروف بولائه للعائله الملكيه ولنوري السعيد بالذات ، كان قد ابقى قواته قابعة في مراكزها وكأنها غير موجوده اصلا ..! ويبدو ان الخطه كانت قد وضعت ونفذت من قبل مدير الشرطه نفسه ( علي الحجازي ) ، وكل هذا والوصي وكادره يتفرجون وهم مرتاحين في كرادة مريم .. وكأن الامر لا يعنيهم ! ويبدو انه اي الوصي كان ينتظر حدوث أمر إما .. وبكلمه اخرى كان يدًبر حدث إما ليستغله ويعيد ماء وجهه ، لكي يصبح في نظر ابناء الشعب منقذا ومخلصا ، وبذا يزيل ما تراكم في قلوب الناس من حقد وكراهية ضده ، والاحتقار له ولكادره السياسي ، نتيجة هروبه من العراق عندما طلب الجيش منه تأييد موقف الكيلاني من الانكليز..وقد يكون حادث الفرهود هو ما كان ينتظره !

ولم يباشر الوصي صلاحياته ومسؤولياته ، الا بعد ان قام وفد من رؤوساء اليهود في صباح اليوم الثالث بزيارته في المطار مكان اقامته في جانب – الكرخ ، والترحيب به والالتماس منه بممارسة صلاحياته والامر بايقاف هذه المأساة .. وقد تم ذلك فعلا ، اذ اصدر الوصي اوامره باعلان الاحكام العرفيه . كان هذا هو ما يؤيد تماما الاعتقاد الاول لدى الناس بانه ، اي ان الوصي ذاته هو المسبب الفعلي لقيام اعمال ما دعي بالفرهود .. وهناك رايا اخر مفاده : ان قيام وفد من شخصيات اليهود للترحيب واستقبال الوصي ، كان تحديا واستفزازا لعواطف الناس والتأسي لما حل بالجيش العراقي من التمزق وخيبة الامل ، لسقوط الضحايا التي ذهبت دماءهم هدرا جراء القصف الجوي من الطائرات البريطانيه، والقتال مع قوات الليفي الانكليزي المؤلفه من عناصر البدو الاردنيه ، تحت قيادة القائد البريطاني كلوب باشا ( ابو حنيج ) اثر اصطدامه بها ، وكان الناس عموما يغلبهم الخوف والقلق مما سيحدث ، اضافة الى شعورهم بالمراره والاسى والالم ، مما دفع بعض شباب الكرخ الى الاعتداء على مناطق اليهود في بغداد ، بعد ان سبقها الاعتداء على الوفد اليهودي حين عودته من مقابلة الوصي وجماعته عند وصوله منطقة جسر الخر… ومهما تكن الحقيقه هذه او تلك ، فان الشرطه لم تحرك ساكنا ولم تخرج من مراكزها وكأنها غير موجوده اصلا ، وهذا يؤكد الراي القائل ان الاعتداء على اليهود ( الفرهود ) كان مفتعلا ، اذ طيلة بقاء الكيلاني لم يقع اي فعل من شأنه الاخلال بالنظام الا بعد مغادرة الكيلاني وبقاء بغداد دون حكومه

هكذا عاد الوصي والمسؤولون الكبار وعلى رأسهم نوري السعيد الى ممارسة الحكم بقلوب ملؤها الحقد والكراهية لكل من أيد الكيلاني وسانده ، سواء أكان عسكريا او مدنيا . وهنا بدات عملية الانتقام بابشع صورها ، وشملت جملة ما شملته حملة الانتقام هذه ، كثير من الناس والشخصيات السياسيه المدنيه وقادة عسكريين ، حتى طالت بعض كتائب الشباب الذين كانت دائرة الامن ( التحقيقات الجنائيه ) قد احتفظت باسمائهم وكنت انا احدهم . وهكذا وجدت نفسي موقوفا في الموقف العام المرتبط بالسجن المركزي، حيث قضيت به حوالي ثلاثة اشهر اي العطله الصيفيه للمدارس وكان معي حوالي 4 – 6 موقوفين آخرين من كتائب الشباب . ولا بد من الاعتراف باننا كنا نراقب الاحداث عن كثب دون التدخل المباشر بها ، وحال سقوط الحكومه ومغادرة الكيلاني وبرفقته كثير من كبار المسؤولين المؤيدين له خارج العراق ، رأت كتائب الشباب ان وجودها اصبح لا مبرر له ، مما دعى الى انصرافها الى بيوتها تلقائيا ، ومن ثم تمت عملية الاعتقالات في صفوف عناصرها من قبل عناصر الامن ، علما ان هذه الكتائب لا وجود لها في الوية العراق الاخرى فقط في بغداد .

وبعد حصول الاستقرار قرر مجلس الوزراء تأليف لجنة للحقيق في حوادث الفرهود ، وقد قدمت تقريرها في الثامن من تموز 1941 ذكرت فيه ، ان عدد القتلى هو 110 بضمنهم امرأة واحده فقط وهم من اليهود والمسلمين .. الا ان رئيس الطائفه الموسويه في حينه ذكر ان عدد القنلى 130 والجرحى 450 وجميعهم من اليهود . والغريب في الامر ان الحكومه العراقيه لم تقم بواجبها القانوني بالقاء القبض على المجرمين الفاعلين واحالتهم الى المحاكم المختصه لمقاضاتهم على جرائمهم البشعه التي قاموا بارتكابها ..! ومن الغريب والمؤسف حقا تكرار نفس تلك الافعال الاجراميه من فرهود ونهب ، فيما يلي من احداث مرت على العراق وكان اخرها النهب والسطو بعد سقوط الحكم البعثي السابق

الى هنا تنتهي هذه الوصله من مذكرات الراحل الاستاذ داوود حبيب يلدو



تعليق شخصي لا بد منه

ارى ان الفائده التي ممكن ان تُجنى من نشر المذكرات ، خاصة لؤلئك الناس الذين لعبوا دورا او كانت لهم مكانة مميزه في المجتمع ، تتلخص باستخلاص الدروس والعبر المستنبطه منها سواء كانت سلبية او ايجابية ، لغرض اخذها بنظر الاعتبار والاستفاده منها والاستئناس بما جاءت به من تجارب ، وما تحتويه من سرد وقائع وقصص تاريخيه تستهوي القارئ ، وتلفت نظر الباحث والمؤرخ على حد سواء ..

وهنا يمكن القول ، ان ما ورد في هذا الجزء من المذكرات يصلح توظيفه للحاله العراقيه الراهنه ، حيث ان مفهومي الدوله والسلطة الحاكمه يبرزان بشكل جلي ، كما ان معلومة المواطنه هي الاخرى لها وقع في مجرى الاحداث ..

كان الوصي على راس السلطه والحكم ، مرتبطا ارتباطا عضويا بالاجنبي المتمثل بالاستعمار الانكليزي آنذاك ، وفق ما جاء بهذه المذكرات موضوع مقالتنا هذه ، واستنادا لتلك الحاله كان الوصي عبد الاله ينطلق من موقع القوة للتحكم بمصائر الشعب ، فهو الحاكم بامره يأمر ليطاع ! وهو المنقذ الوحيد الذي يعول عليه ولا احد سواه ، وبتصوره الخاطئ ان جميع مؤسسات الدوله اعتبارا من

رئيس الوزراء حتى اصغر موظف فيها ، هم رهن اشارته وبخدمته وتحت تصرفه كما يرتأي ويشاء ، وبكلمه اخرى جعل الشعب في خدمة الدوله وليست الدوله بخدمة الشعب ..!

اما الناحية الثانيه التي ممكن استنباطها هي ، معلومة المواطنه التي ذُبحت على مسرح الاحداث دون فهم او درايه ، فقد تعرض للنهب ( الفرهود ) واعمال القتل طيف من اطياف الشعب العراقي ، وهو من اوائل بناة الوطن والدوله والنهوض بهما على مدى قرون من الزمن ، دون مبرر او ذنب ، وكل ما اقترفوه هؤلاء كونهم يهودا ، دون الالتفات الىاحاسيسهم العراقيه وانتماءهم لتربة هذا الوطن او الى اية اعتبارات اخرى ، ان العراق الان يكاد يمر بذات الحاله مع الاسف الشديد ، عندما تتعرض بعض الاطياف منه للتهجير واعمال العنف والقتل وحالات الاغتصاب بلا سبب او جرم ، ان هذه الممارسات يدينها القانون والاخلاق والاعراف وحقوق الانسان

الحقوقي / عربي الخميسي

اوكلاند — نيوزيلاند

29 / ك 1 / 2008