الرئيسية » مقالات » قناة البغدادية: الشئ بالشئ يذکر

قناة البغدادية: الشئ بالشئ يذکر

مع کثرة الفضائيات العراقية و تباين إتجاهاتها و المضامين التي تطرحها، لکن قناة البغدادية قد تکون واحدة من تلك القنوات التي قد تکاد أن تحمل خصوصية محددة و تفرض رؤية و منظور فکري ـ سياسي نوعا ما خاص بها.
هذه القناة کبعض القنوات العراقية الاخرى التي تغني خارج السرب الرسمي، مع أنها تسعى للظهور بحلة المتناغم مع الاجواء العالمية السائدة بخصوص مفاهيم الحرية و حقوق الانسان و ماإليها، لکنها تتقولب کثيرا عند السقف العراقي بحيث تکاد أن تتجاوز أحيانا حدود مهنيتها و حرفيتها لغايات سياسية محددة وهي مع سعيها الدؤوب لطرح وجهات نظر کافة أطياف الشارع العراقي، إلا أنها تجنح أحيانا”عديدة” صوب التدثر بغطاء معين ساعية أن تدفع مشاهديها للإقتناع به کالغطاء الوحيد الذي يصلح للجسد العراقي المثخن بالعاهات المختلفة(حالهم حال کل تيار سياسي عراقي آخر).
البغدادية، التي تطل على العراقيين من”أم الدنيا” و تتحف مشاهديها حينا بعد حين بمذيعة من أخواتنا”الجدعات” کما و تطرح برامج جريئة ورؤى جديدة أو مختلفة الى حد ما مع مثيلاتها و قد تکون نوعية في تصديها للوضع العراقي ککل، لکنها بعزفها”غير العادي”على الوتر”العراقي” و ميلها غالبا لکي يکون خطابها متسما بنوع من المباشرة التي تغوص في إنفعالية الشعارات و الحماس الوطني”المبالغ فيه” فإنها تتراجع بعض الشئ و تتراصف في خطوط القنوات الثانوية من حيث الاهمية. ولو إنصرفت هذه القناة و العديد من القنوات العراقية الاخرى الى الهم المهني و جعلت حرفية العمل و مصداقية الرسالة التي تنقلها للمشاهد أساسا لنشاطاتها، لکانت لهذه القناة و أخواتها الاخريات شأن و مکانة و کلام آخر.
مشکلة قنوات البغدادية و غيرها هو إنها لا تستطيع الخروج من دائرة النظرة الشخصانية و النرجسية للوضع العراقي بشکل عام و تحاول بشتى الطرق و الوسائل أن تقسر المشاهدين على النظر بإتجاه محدد ومع أنه من حق کل وسيلة إعلامية الدعوة للسياقات الفکرية و السياسية التي تؤمن بها، لکن هذا الحق لا يعني أن تجنح لأساليب الافتعال و التصنع المقصود و عن سابق إصرار من أجل تحميل أفکارها و أهدافها للمشاهد. وإذا ماکانت قناة البغدادية قد تصورت بأنها قد حققت نصرا مؤزرا من خلال المقطع التراجيکوميدي لحذاء مراسلها في بغداد و جذلت بتلك الهالة الاعلامية التي إکتسبها مراسلها في ظل ميديا العولمة، فإن ذلك العمل من زاوية کونه مجرد رد فعل إنفعالي يعبر عن أعماق الشخصية العراقية الموبوءة بشتى الامراض النفسية، هذه الشخصية تخضع الآن أيضا لتأثيرات الاعلام العربي الموجه أساسا من أجل أجندة خاصة ناهيك عن التأثيرات القوية جدا للإسلام السياسي بشقيه السني و الشيعي، من الخطأ جدا أن تتخذه تلك القناة کقميص عثمان لترفعه بوجه الحکومة العراقية سيما وأن مافعلته تلك الحکومة کان أمرا عاديا و روتينيا کان سيتخذ ماسيشابهه من إجراء حتى من قبل أکثر النظم ديمقراطية في العالم و الامر الاکثر أهمية بالنسبة للبغدادية هو أنها بإدعائها التخصصية و المهنية و الحيادية فإن ذلك لم يکن يعني بالضرورة أن تصبح صورة منتظر شعارا تتوشح به لدى کل طلة لها على مشاهديها مع ملاحظة صغيرة أرجو أن تتسع صدر البغدادية الرحب لها وهو أن الذي نال الشهرة الحذاء الذي رمي على الرئيس بوش وليس منتظر نفسه أو بکلام آخر الفعل و ليس الفاعل ولذلك فقد يکون من الافضل الترکيز على ذلك!
الحق أن هذا الاسلوب الذي تتبعه البغدادية سبق وإن إتبعته قناة مشهورة أخرى دفاعا عن منتسبين لها معتقلين بتهمة الارهاب و يبدو أن هذا الاسلوب سيصبح مستقبلا طبعا للعديد من القنوات العربية الاخرى و من الممکن جدا أن يتطور و يتخذ سياقا أکثر”أصالة” في نهج هذا الاعلام سيما وأن البعض من الرؤساء العرب قد تطالهم العقوبات الدولية و قد يصبحون”شهداء”کالرئيس العراقي الاسبق ومن الممکن جدا أن ينشأ العديد منهم قنوات خاصة بهم تصبح فيما بعد قتلهم قبورا حيا لذکراهم النضالية (العطرة)، وکل رمية حذاء و هکذا قنوات بخير!