الرئيسية » مقالات » مجتمعنا العراقي… و المسكوت عنه!!

مجتمعنا العراقي… و المسكوت عنه!!

قام رجال الدين و المفكرون الذين ينطلقون في تفسير الحياة من منطلق ديني مغلق بتفكيك العلاقة بين الحياة الجسدية في هذا العالم المادي و عالم الآخرة و كأن المادة و اللذة و الحياة نفسها شر و أن الخروج من عالم “الآلام” هو أحد أفضل الحلول، و هذه مصيبة حقيقية تسببت في جعل الشباب و الناس عموما ينظرون إلى موضوع العلاقة الجنسية كنوع من الكبائر و المحظورات و قائمة الممنوعات التي تكبر يوما بعد يوم حتى أصبحت عالة حقيقية قتلت كوامن الإبداع في نفس كل مسلم و جعلته مهيأ لأن يصبح مشروع انتحار و تفخيخ.

من الضروري لنا كعراقيين خرجنا من نظام أو مجموعة نظم فرضت علينا العزلة لمدة طويلة، أن نبدأ في تنشأة أبنائنا و بناتنا بأسلوب جديد يناسب مرحلة الانفتاح و الديمقراطية و تعدد مصادر المعرفة و كما قال الإمام علي (ع) : لا تربوا أولادكم على ما ربيتم عليه فقد خلقوا لزمان غير زمانكم” و هذه العبارة هي درس بحد ذاته، و من ضمن المشاكل التي نعانيها الآن فعلا في مجتمعنا العراقي هو تفشي ظاهرة قد لا تظهر نتائجها الكارثية إلا على المدى الطويل، و هذه الظاهرة تكمن في زيادة عدد العانسات و العازفين عن الزواج من الشباب و جهل الشبان بالثقافة الجنسية، بل إن هناك من الشباب من يتعاطى الانحراف الجنسي بسبب المجتمع الذي يفرض حواجز الكبت الواحدة تلو الأخرى، و من المؤسف أن لرجال الدين دور سلبي في استفحال الظاهرة.

تعتبر المرأة على الدوام في مجتمعاتنا الإسلامية الشرقية (باستثناء المجتمع التركي و الإندونيسي و إيران ما قبل الثورة) كائنا شريرا و أشبه بملك شخصي تنتظر المشترين ـ من يدفع مهرا أكبر ـ و كمثال فإن ظاهرة المهور الخيالية التي قد تكلف الخاطب حياته المستقبلية بأكملها أصبحت أمرا اعتياديا في، من هنا نجد أن الشباب الذين يملكون غريزة إنسانية و يبحثون على الدوام عن متنفس يقعون في النهاية إما ضحية ممارسات شاذة أو في مشاكل اجتماعية و من ضمنها العنف و ضعف الشخصية و فقدان الرغبة في الحياة.

يقول الدكتور المرحوم على الوردي:

“و إني لأعترف بما اعتراني من دهشة، أثناء تجوالي في بلاد الغرب المختلفة، على ما رأيت هنالك من عناية بأمر الطبيعة البشرية و من مداراة لها، فهم يمنحون الإنسان حرية كافية يفصح فيها عن نفسه. فلا يشتدون في وعظه، و لا يمنعونه من إشباع شهوته أو أنانيته ضمن حدود معترف بها.

و تجد الطفل ينشأ هنالك و هو مؤمن بأن له الحق في أن يلعب و أن يشتهي و أن ينافس و أن ينازع في حدود مصلحة الجماعة التي ينتمي إليها. فإذا بلغ الكبر أصبح ذا شخصية طبيعية لا تكلف فيها و لا نفاق.

و قد قارنت هذا بما كان المعلم يلقننا به في أيام طفولتنا في الكتاتيب، حيث تكون عادة الوعظ على أشدها. و إذ ذاك ترى المعلم شاهرا في وجوهنا سوطه و هو ينصحنا بالتزام الوقار و الأدب و السكون. فنحن نكتم أمامه ما يجول في أنفسنا و نتظاهر له بما يريده منا من وقار مصطنع. حتى إذا خرجنا من عنده أقمنا الدنيا و أقعدناها بالعربدة و الصخب و الهياج.

و قد عجبت حقا حين رأيت الجامعات الغربية تعني بالشهوة كل عناية، فلا تستحي و لا تعظ. فهي تخصص لطالباتها و طلابها أماكن للإختلاط و الرقص..” ـ نهاية الاقتباس ـ وعاظ السلاطين ص 10 و 11

إن الرجل بطبيعته ـ حسب تعبير علي الوردي ـ ميال للمرأة و المرأة ميالة للرجل، و ما لم يجدا طريقا حلالا للوصول إلى بعضهما البعض تكون النتيجة مشاكل نفسية و اجتماعية، و لربما كان الزواج المؤقت أحد الحلول لهذه المشكلة، كما أن الحرية الأخلاقية و الحريات الفردية هي من أهم الوسائل التي تتيح للشباب التعرف على زوجة المستقبل و باختيار شخصي و دون تدخل من العائلة و العشيرة التي أصبحت الآن هي الطرف الذي يجمع بين عروسين و في هكذا زيجات غالبا ما تكون النتيجة مزيدا من الأمراض الوراثية و النفسية و انهيار الزيجات، بينما الاختيار الشخصي الحر يتيح للرجل و المرأة بناء مستقبل مشترك مبني على الصراحة و الإعداد الجيد، و الحجاب يمثل الآن أحد أهم العوائق في تطور مجتمعنا العراقي، فالفتاة المحجبة و هي غالبا ما ترتدي الثياب ذات الألوان الكئيبة، تنتهي إلى العنوسة ـ خصوصا و أنها تضيف إلى الحجاب المزيد من التشبه بالرجال كونها لا تستعمل المكياج و أدوات التجميل ـ و إضافة إلى الحجاب نجد فتيات لا يمتلكن أي مزايا جمالية يرتدين الحجاب في حين أن هكذا فتاة يفترض بها أن تقنع شابا بأنها جميلة و مستعدة أيضا أن تبني أسرة.

المشكلة الأخرى هي أن المجتمع لا ينظر إلى الزواج أو أي علاقة بين رجل و امرأة إلا أنها تهدف إلى إنجاب أطفال دون النظر إلى جانب المتعة الذي يجب أن يميز أي علاقة زواج، فكثيرون لا يستطيعون الإنجاب و بالتالي ربما يستغرب مجتمعنا من رجل أو امرأة لا تنجب رغبتهما في الزواج، إن القرآن صريح أكثر من أي كتاب آخر في أن التمتع و اللذة هي أحد أهم أسس الزواج و الحياة نفسها، و لكننا نصر على عقلية الانغلاق و تجاهل تراثنا الديني الصريح في المسائل الأخلاقية و بالتالي ينشأ الإنسان في بيئة مغلقة تحطم شخصيته و تجعله غير قادر على التفكير المنطقي الحر و يكون مهيأ لأن يتثقف بثقافة الممنوع.