الرئيسية » مقالات » مجزرة غزة…….

مجزرة غزة…….

القضية بسيطة جدا , إما أنك مع المقتول أو مع القاتل , لا يوجد أي موقف آخر يمكنك أن تختاره بصدد ما يجري في غزة اليوم و بصدد أي حالة مشابهة , يمكنك أن تقول ما تشاء في تفسير ذلك , يمكنك أن تصف حماس أو إسرائيل بما تشاء , يمكنك أن تدعي الحياد مثلا , لكن الحياد هو موقف صريح لا لبس فيه , ليست القضية في حماس و لا في هنية و لا في أولمرت , القضية أنه عليك أن تختار بين القاتل و بين المقتول لأنه لا يوجد شخص آخر هناك , أقول المقتول حتى لا أزعجك باسم الضحية , علينا أن نذكر أن الشيخ الشعراوي قد صلى في الخامس من حزيران لهزيمة الضباط الكسالى أو المشغولين بإدارة نظامهم البيروقراطي أمام “اليهود” الذين يهاجمون غزة اليوم , لكن من مات يومها كان آلاف الفلاحين المصريين , لم يمت بيروقراطي واحد , لا ريب أن هزيمة نظام عبد الناصر قد سمحت للسعودية بتنفس الصعداء و أخيرا بتنظيم مصالحات عن طريق شراء ذمم الكثيرين لتغيير طابع “ثورة” اليمن لتصبح أكثر تدجينا و مطاوعة و أقل خطرا , إذن لم يكن الشعراوي يصلي وحده لانتصار “اليهود” في حزيران , هذا أيضا جرى في صيف 2006 , كان البعض يصلي لانتصار حزب الله و آخرون كانوا يصلون لهزيمة “الروافض” أمام اليهود “المغضوب عليهم” بالمناسبة وفقا لفاتحة الكتاب , و الذين تلقوا هذه المرة صلوات غير مجدية للأسف عن تلك التي تلقوها من نفس المصلين ربما في حزيران 67 , ليست حماس ملاكا كما تريد أن تصور نفسها , لقد تحولت بسرعة مذهلة لكن منطقية إلى مشروع بيروقراطية , متطور إلى حد كبير , حتى في غزة المحاصرة و الجائعة , ليست فقط قضية الحريات التي تحاول حرمان خصومها منها , بل في التوزيع الملائم لها كسلطة للمنافع بين أبناء القطاع المحاصر , الشعب المقهور أيضا ينقسم إلى طبقات و إلى سادة و عبيد , تذكروا هنا “العز” الذي عاشته قيادة المنظمة عندما كانت الأنظمة العربية تتنازع على صداقتها بإغداق الأموال عليها , يمكنك أن تلعب لعبة وضع الرأس في الرمل , أو لعبة شتم الآخر كوسيلة لتنويم ضميرك , إذا كنت تفترض أنه موجود في الأساس , لكن هذا الموقف الإجباري بين الجلاد و الضحية يختلف عندما نتحدث عن المخرج من الموت المفروض بواسطة طائرات ال ف – 16 الأمريكية المتقدمة على أجساد الناس العراة أمام سماء ترشقهم بالقنابل لا بالرحمة التي يفترض أن تتنزل على هؤلاء الجوعى العراة , بين ثقافة مقاومة تصر على أن الناس لا شيء و الوطن , أي الزعامة أو البيروقراطية أو البرجوازية التي تحتكر هذا الوطن , هي كل شيء , أو ثقافة “تحضر و تمدن و “دمقرطة” , باستخدام القنابل الذكية وريثة قنبلة هيروشيما , على أيدي الرجل الأبيض الرأسمالي المتفوق , هذه الثقافة “الديمقراطية” لا تريد أن تقول أن الناس هم كل شيء بل و لا حتى أنهم يساوون أي شيء , إذا كان هناك من شيء مشترك بين “المقاومين” في قصر الشعب في قاسيون – دمشق و ملالي طهران و حزب الله و حماس و خصومهم المعتدلين أتباع السمع والطاعة لأمريكا و منظريهم الليبراليين الجدد فهو هذا الإصرار على أننا , أن الناس جميعا , هم لا شيء , يشترك الجميع في سحق و إلغاء الوجود الفعلي للجماهير أو البشر القاطنين في هذه المنطقة أمام السلطة أو الزعامة “الوطنية” أو أمام الوجود المتفوق للغازي الآتي من جهة الغرب , أنتم لا شيء ! , هكذا يصرخ الجميع في وجوهنا , مثقفو السلطة و مثقفو الغازي الكاوبوي , مرة لأنه علينا أن نكون وطنيين أي أتباعا مطيعين لتلك الأنظمة , مجرد شهداء في صراع بين الأصوليات , و مرة لأننا بشر بل أشباه بشر متخلفين متأخرين علينا أن نرضخ للغازي الآتي إلينا بالحضارة و التمدن , دعني أشرح لك القصة ببساطة , أنت , إن كنت من هؤلاء أو أولئك , تريد بكل بساطة استمرار الوضع القائم , أنت تريد من الناس , من الجماهير , من البشر , من ضحايا هذا و ذاك أن يبقوا بحالة استسلام و سمع و طاعة , لسبب واحد فقط , أنت في هذه الحالة ممن يستيطعون ملئ بطونهم إما في ظل الأنظمة البيروقراطية التي تنهبنا و تكتم أصواتنا لصالح “أوطانها” , أو من المشاركة الفعلية مع سيطرة الرجل الأبيض الرأسمالي , ليست القضية قضية عمالة مباشرة بالضرورة , هناك عملاء غير مباشرين لأمريكا أو لإيران , أي يستفيدون من هيمنة هذا السيد أو ذاك بشكل غير مباشر , هذا مثلا ينطبق على ليبراليي الخليج الذين يعتقدون أن المارينز هم أفضل طريقة للاستمتاع بالأموال التي تدرها عليهم الأرض التي تسمى أوطانهم و التي تبقي قسما هاما من هذه الأموال , بعد خصم حصة الشركات الأمريكية و الغربية , في جيوبهم بحيث يتمكنون من استعباد المزيد من الهنود و الفيلبينيين و السوريين و المصريين كخدم و كعاهرات “شرعيين” حتى بمنطق أمريكا “الحرة” ممن يبحثون عن لقمة العيش بعيدا عن أوطانهم التي نهبتها الأنظمة “الوطنية” و حولتها خرابا , يصدق في هذا قول من قال “وخلقناكم فوق بعض” أي الترتيب الهرمي من علاقات الاستغلال و الاستعباد المتعدية , أي التي تقوم فيها أقلية ما باستغلال و استعباد جمهور ما و تتعرض هي بالتالي للاستعباد و للاستغلال من قبل أقلية أكثر قوة و وقاحة فأقلية أخرى أكثر قوة و همجية وهكذا , هكذا يريد الرجل الأبيض – كبار تجار وول ستريت و كبار جنرالات البنتاغون أن يجلسوا على قمة هرم يوجد أسفلهم مباشرة تجار لندن و باريس و موسكو و بكين و كبار الجنرالات هناك , و من ثم كبار تجار بلادنا , المقاومة منها و المعتدلة , و كبار جنرالاتهم , أي باختصار أسر حكامنا و حاشياتهم الذين يملكون بلادنا و يقودون أجهزة أمنها , و هناك في أسفل الهرم أنا و أنت , كل من يعمل ليشتري خبزه الذي يصنعه بيده , كل المليارات التي تموت أولا و تأكل أخيرا , ما زال الناس الذين يموتون بيد أولمرت و باراك اليوم يعتقدون أن حماس هي سيد جيد , هم مخلصون في ذلك , على عكس من يعتقد أن مبارك أو الأسد أو ملوك الخليج سادة جيدون , إن المدافعين عن هذه الأنظمة يملكون فقط ما يكفي من الوقاحة لقول ذلك أولا بدافع رغبتهم بالاحتفاظ بسياراتهم الفارهة و الأموال التي يغدقها عليه سادتهم و ثانيا عندما يصدقون كذباتهم مع استمرارهم بتكرارها , أما من يعتقد بأن بوش كان سيدا و لا كل السادة فأنا متردد بشأنه رغم أني لا أستغرب ممن تعود على استبداد الأنظمة البيروقراطية و نهبها أن يجد من الأجدى الخدمة في سلطات يفرضها الاحتلال عن سلطة يفرضها الناس و يقودونها , يجب التنبيه أن الناس , الجماهير , الذين ينتظرون اليوم من حماس أن تفعل الأعاجيب في مواجهة آلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية المتفوقة بشكل رهيب في مواجهة الأسلحة المتواضعة جدا لمقاتلي حماس , الشيء الذي حرص عليه أزلام النظام المصري و سائر أنظمة الاعتدال بشدة , سيصابون بخيبة أمل كبرى عند وقوع هزيمة منطقية رغم عنف المقاومة المتوقعة و رغم الوعود التي تنسب إلى السماء , لأن هذا سيعني هزيمة آخر نخبة يعتقد الناس بإخلاص أنها تشكل سادة وطنيون جيدون و بالتالي مقاومون مخلصون , هذا كما يعتقد من يصلي اليوم لهزيمة حماس القاصمة سينهي أية مقاومة , أرجو أن أتنبأ هنا بأن سقوط حماس , في حال واصل أولمرت و باراك هجومهما استنادا على صلوات من يرغب بهزيمة حماس , سيضع الأساس لثورات عارمة قادمة , قد يكون أول ضحاياها أقرب عملاء أو حلفاء أمريكا و إسرائيل : نظام مبارك و ربما سواه , و ربما سيمنح هؤلاء العبيد الخدم شعورا هائلا بقوتهم مما سيقصر عمر أنظمة القهر بكل ألوانها و أشكالها في شرقنا و في العالم على وقع خطا الأزمة العالمية..إن الدماء التي تسيل و ستسيل أضعافا مضاعفة في غزة إذا تقدمت الدبابات الإسرائيلية لن يكون في وسع عباس و لا مبارك و لا أي مجلس أمن أن يتحمل عبئها , هذه نبوءة لا علاقة لها بالسماء بل بالأرض التي يسير فوقها مليارات ممن لا يراهم أحد حتى اليوم…