الرئيسية » مقالات » كفى للمحاصصة الطائفية… نعم للمحاصصة الطائفية

كفى للمحاصصة الطائفية… نعم للمحاصصة الطائفية

جاءت شتيمة الدكتور محمود المشهداني لأعضاء مجلس النواب أثناء جلسة المجلس يوم 17 كانون الأول 2008، القشة التي أجبرته على تقديم استقالته بعد أثقال أحمال سوء إدارته لجلسات المجلس، وبذلك تطوى صفحات من تجربة رئاسة مجلس النواب اتسمت بملهاة سمجة في وقت عصيب ألقى على عاتق المجلس مهمات جسيمة وفي مرحلة حساسة هي مرحلة انتقال البلد من ارث الحكم الدكتاتوري والغزو إلى آفاق استعادة سيادته الكاملة و بناء دولة المؤسسات الديمقراطية. لكن هذه الإقالة و ليست الاستقالة ــ حتى تستقيم قراءة الحدث ووفق ما أعلنه المشهداني نفسه ــ أكدت في جانب مهم من تداعياتها، على الأزمة البنوية التي تعاني منها التشكيلات السياسية الطائفية في تسميتها السنية، وتفرعات هذه الأزمة التي تنذر بتفكك جبهة التوافق بانسحاب مكونين منها. أما جبهة التسمية الشيعية المنافسة فقد سبقت غريمتها بالتشرذم منذ أن انسحب التيار الصدري وحزب الفضيلة منها والانشقاقات التي ألمت بهذين المكونين، ثم انشقاق إبراهيم الجعفري عن حزب الدعوة الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي. واليوم والبلد على أبواب انتخابات مجالس المحافظات، فان الصراع المحتدم وبمختلف الوسائل بين أطراف الكتلتين السنية والشيعية، لابد له وان يضع مقدمات خارطة سياسية جديدة، ولتتضح أمام المواطن العراقي الدوافع الكامنة خلف هذا الصراع الذي يتستر وراء العناوين الطائفية والقومية، وهو في الجوهر صراع على مضمون الدولة العراقية الجديدة، بين من يريد عودتها إلى شكل آخر من أشكال الهيمنة الديكتاتورية تحت مسميات جديدة، وآخر يسعى إلى الانتقال بها إلى تجربة نظام المؤسسات الديمقراطية المنافية للنزعات الطائفية والقومية.

إن فراغ منصب رئيس مجلس النواب هذه الأيام وضرورة انتخاب رئيس جديد، هو اختبار للمكونات الطائفية والقومية التي دأبت على انتقاد مبدأ المحاصصة والمطالبة بالتخلي عنه، وكان آخرها دعوة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي في السادس من شهر كانون الأول 2008 بقوله (( كفى للمحاصصة الطائفية))، كما أكد دعوته بأن يكون أول المبادرين هو وأعضاء الحزب الإسلامي بترك مناصبهم على أمل تشكيل حكومة لا تقوم على أساس معيار المحاصصة الطائفية.

لكن تلك الدعوة قوبلت بالتشكيك في جديتها فور الإعلان عنها، لأنها اشترطت تنازل بقية الأطراف عن هذا المبدأ، وهو شرط بعيد التحقق بسبب عدم استعداد الكتل البرلمانية الكبيرة التخلي عن امتيازاتها وعن التوزيع التحاصصي لمناصب هيئتي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب وتعيين رئيس الوزراء ونائبيه، بل ولقناعة عدد من قيادي تلك الكتل أن نظام المحاصصة هو المبدأ الطبيعي الواجب إتباعه. ولا يبدو أن هناك جدوى من المراهنة على الحزب الإسلامي وما تبقى معه من اطراف جبهة التوافق في اعتماد مبدأ المواطنة والكفاءة من بين أعضاء مجلس النواب لإشغال منصب رئاسة المجلس، بعد أن قطعت صحيفة الحزب الإسلامي “دار السلام” الشك باليقين في افتتاحيتها يوم 25 كانون الأول 2008 بقولها ” صدرت تسريبات وتكهنات واقتراحات بعيدة كل البعد عن الواقع ومنها سلب ذلك الحق من الجبهة بدعاوى النأي عن المحاصصة. (..) إن الجبهة وفق آليات تعتمدها ستقدم اسم مرشحها لرئاسة المجلس ولا يمكن أن تتنازل عن هذا الاستحقاق”. كما أكد هذا الموقف إياد السامرائي نائب الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي بقوله: إن الجبهة تتمسك بالورقة التي وقـّعت من قبل الكتل السياسية في أن يكون المرشح من جبهة التوافق العراقية.