الرئيسية » مقالات » الزيدي و{براءة الاختراع} في عالم الصحافة

الزيدي و{براءة الاختراع} في عالم الصحافة

العالم الحر الذي نسمع عن ميزاته وقوانينه وفضاءات الحرية التي ترفع من مكانة الإنسان في أجوائه، هو ذاك العالم الذي لم نتعرف إلى أبجدياته في التعامل ضمن رقعنا الجغرافية، كوننا لم نقترب من تخومه أو نتقرب إليه، ولم نشهد تجلياته في واقعنا، باستثناء ما نقدم عليه عبر بعض الأفعال أو ردودها، حين نكون منقادين بفعل القوة، كي نعبر عن إرادة الحكام ومصالحها، ونتحرك، وفق ما تبيحه لنا، على شكل دمى أو بيادق شطرنج، باتجاه التعبير عن مراميها، سواء أكان ذلك عبر مسيرات للتنديد بجهات معينة، أو مظاهرات نحرق فيها صوراً لبعض القادة وأعلام دول، تكون على طرفي نقيض من سياسات أنظمتنا الحاكمة، في مشهد يبدو وكأننا نمارس من خلاله الديمقراطية في أبهى صورها، ونمتلك من الحرية لأن نعبر عن هواجسنا واختلاجاتنا، دون أن نتذكر لحظتها بأن مثل هذا المشهد سيتحول إلى تراجيديا مفجعة وبرك من الدماء، فيما لو شكل مجرد احتجاج على ارتفاع سعر الرغيف، أو مطالبة بالحريات الديمقراطية، أو خروجاً على التابوات المفروضة على مجمل مسارات الحراك، أو حتى شكلاً من أشكال التذمر من ممارسات المدارس الأمنية ..!.
ويبدو أن منتظر الزيدي، ذاك الصحفي العراقي الذي سجل باسمه (براءة اختراع) في عالم الصحافة، حين استبدل الحذاء بالقلم والكلمة، في مخاطبته للرئيس الأمريكي جورج بوش، أثناء مؤتمره الصحفي المشترك مع نوري المالكي في 14/12/2008، كأنما أراد – بجرأته- أن يلقننا درساً في الحرية، وأن يخاطب الرأي العام بأن ممارسة الديمقراطية لا تقف عند حدود الكلمة، بل يمكن للحذاء أن يفعل فعلته ويشكل إحدى أدوات المقاومة. وقد استطاع الرجل أن يعيد الاعتبار إلى الحذاء، وأن يجيش أقرانه ومنتسبي ثقافته من كتاب المقالة في المعترك. حيث انساق البعض، بدافع عقد الانكسار، خلف شعارات النصر التي طغت على وسائل الإعلام، وهي تضع الحادثة في خندق المواجهة الكبرى، إلى اعتبار الزيدي بطلاً قومياً وحذائه وساماً أو تاجاً على الرؤوس، وبلجوئه إلى التعبير بحذائه إنما “أصاب الكذب في مقتل، وسيدخل التاريخ من أبوابه الواسعة” كون فعله “ليس بمعزل عن أشكال المقاومة المختلفة في العراق، ولن تكون نهايتها” لأنه “عمل من أجل تنقيتنا من عار الهزيمة”، وبالتالي جعلت حديث الساعة حذاء الزيدي والدماء التي ضخها في شرايين الفئات التي ترى في الإهانة مقاومة، تلك التي كانت تهلل لطاغية بغداد، على أنه حامي البوابة الشرقية ومشروع الثورة العربية، حين كان يفتك بالعراق ويفترشها بالأسلحة الكيماوية والمقابر الجماعية، وتقف الآن إلى جانب كل من يتخذ من قطع الرؤوس واستباحة الدماء وهتك الأعراض، نبراساً للحرية ورايات للجهاد، حتى بات المؤمن بقيم الحرية وعدالة المقاومة، ضمن هذه الثقافة المسيطرة، يخجل من طرح قضيته للعالم المتمدن بمفردات الحق والحرية، بعد أن أصبحت أسيرة لغة الدم ونزعات القتل على الهوية، وحاضنة لوسائل هي أقرب ما تكون إلى الهمجية، تلك التي تنتجها عقول متحجرة لا تمتلك ذرة من الاحترام لإنسانية الإنسان، بل يجعله عرضةً للمفخخات والأحزمة الناسفة، وكأنه هو الغاصب والمعتدي، ولا بد أن يُستأصل من الجذور. دون أن تأخذ في الاعتبار، أنها بمثل هذه الممارسات، تشوه معاني الحق وقيم الجمال، المتجسدة أصلاً في الإنسان، وتجعل من الخصم والمعتدي حكماً للفصل في حمامات الدم، ووصياً قيماً على قصورنا الثقافي والحضاري ..
وإذا كان رد الرئيس الأمريكي، وفي المكان نفسه، جاء ليقلل من شأن هذه (المقاومة) بقوله “ماذا يعني لو رماني احدهم بحذائه” … “إنها إحدى الطرق للتعبير عن الرأي” وهي “أمور تحدث عندما يكون هناك حرية” معتبراً ما أقدم عليه الزيدي ” تصرف أولاد الشوارع” يريد من خلاله “لفت الانتباه إليه”. إلا أن المشهد المحزن، هو ذاك الذي طغى على وسائل الإعلام العربية، وخاصةً الفضائيات منها، تلك التي أرادات بتكرارها لعرض لقطات الرجولة للصحفي العراقي، إلى جانب تسويقها للفعلة، أن تضع الرئيس بوش في صورة المهزوم، وأن تدفع برسالة النخوة والشجاعة إلى المشاهد، مصورة ما جرى في القاعة، وكأنها هزيمة للجيش الأمريكي المرابط في العراق من أقصاه إلى أقصاه، دون أن يدرك القيمين على هذه الوسائل، أن مثل هذه المشاهد هي تعبير عن ضحالة الأفق وسطحية الرؤية في نظر المشاهد الغربي، الذي يرى في الكلمة أقوى سلاح، وفي احترام الآخر أرقى أشكال الحرية، كونه يمتلك القدرة لأن يغير في سلاطينه متى شاء وأن يقف في وجه حكامه، بالاعتماد على ركيزة الديمقراطية، متى انحرفوا عن خدمة قضاياهم القومية والوطنية، فضلاً عن أنها تبعث الاشمئزاز في وجدان كل من يأبى الركون إلى ثقافة (الصرماية) وتجبره على قول كلمته الأخيرة… أنا بريء من لغة التحاور بالحذاء .