الرئيسية » مقالات » أكذوبة المليون ضحية فى العراق

أكذوبة المليون ضحية فى العراق

إيلاف، 26/12/2008من أشهر أقوال الدكتور جوزيف جوبلز وزير دعاية هتلر، أنك ممكن أن تكذب وتستمر فى الكذب حتى يصدقك الناس، ولكن الدعاية الحقيقة والبروباجاندا العبقرية هو أن تكذب وتستمر فى الكذب حتى تصدق نفسك.
وهناك إكذوبة منتشرة منذ أكثر من سنتين فى العالم العربى مفادها أن الرئيس الأمريكى بوش والجيش الأمريكى قد تسبب فى قتل مليون ضحية وملايين الجرحى، وتستمر تلك الإكذوبة يوميا فى المقالات والمقابلات التليفزيونية حتى وصلت إلى مرحلة الحقيقة والتى صدقها الجميع بما فيهم القومجية والإسلاموية الذين إبتدعوا تلك الإكذوبة، دعونا نحاول أن نناقش تلك الأكذوبة ببحث بعض الحقائق الميدانية وبعض الحقائق الحسابية البسيطة، ليس دفاعا عن أمريكا أو عن بوش ولكن فى محاولة للوصول إلى الحقيقة.

ولنبدأ بالحقائق الميدانية:
أولا: أكثر من % 95 من ضحايا الحرب العراقية هم نتيجة التفجيرات الجبانة من القاعدة والتيار الصدرى وأيتام صدام ومقاتلى الجوار والتى لم تميز بين طفل وأمرأة ورجل وشيخ أو بين شيعى أو سنى أو كردى أو يزيدى أو مسيحى، وللأسف سُمي هؤلاء القتلة ظلما وعدوانا ب “المقاومة العراقية”.

ثانيا: هناك ضحايا عراقيون فى بداية الحرب من عسكريين وبعض المدنيين، وقتل المدنيين فى أى حرب ليس له أى مبرر، ولكنه للأسف يحدث فى كل الحروب.

ثالثا: الجيش الأمريكى أو العراقى لم يقم بتفجيرات إنتحارية فى المساجد والحسينيات والمآتم والأفراح والأسواق، وفى أى أماكن تجمع سكانى بدون أى تمييز، الجيش العراقى لم يقم بذبح الرهائن على شاشات الإنترنت، بل قام بتلك الجرائم عرب وعراقيون ومسلمون، وتلك حقيقة يجب مواجهتها.

رابعا: إرتكب بعض جنود الإحتلال جرائم وإعتداءات غير مبررة، مثلما ما حدث فى سجن أبو غريب وحادثة الحديثة وبعض الحوادث الأخرى، وقد تم محاكمة معظم هؤلاء الجنود، وتم سجن البعض، والبعض الآخر جارى محاكمته، والبعض الآخر ربما فر من العقاب.

خامسا: مشاكل الأمن العراقية، هى مشاكل عراقية… عراقية، ومشاكل عراقية .. عربية ، وعربية .. إيرانية، والسبب فى إستمرار تواجد قوات الإحتلال هو إختلال الأمن والذى تسبب فيه الأطراف المتحاربة فى العراق، إبتداء من أبو مصعب الزرقاوى إلى التيار الصدرى ومروارا بأيتام صدام، وكان كل هدفهم هو تحويل الشوارع والحسينيات والمساجد إلى مواقع قتال، وذلك لإفشال مهمة قوات التحالف ولو على حساب الشعب العراقى، ولما عجزوا عن مقاومة “الإحتلال” قاموا “بمقاومة” الشعب العراقى.

سادسا: العراق رغم كل شئ بدأ يشهد تحولات ديموقراطية عميقة (رغم إستمرار العنف، وأن قلت حدته كثيرا)، بدأنا نشهد مساجلات فى مجلس النواب العراقى والذى أصبح أكثر حيوية من معظم البرلمانات الشكلية فى العالم العربى، بدأنا نشهد إنتخابات حرة حقيقية على كل المستويات، بدأنا نشهد تكتلات سياسية وتصويت حقيقى على موضوعات مهمة، بدأنا نشهد إنتقادات لمختلف السياسيين من القاع إلى القمة، حتى حادثة حذاء الصحفى المتهور، ماهى إلا دليل على وجود جو مختلف من الحرية يسمح بإختلاف الآراء حتى لو كان عن طريق إلقاء حذاء على الرئيس بوش وبجواره رئيس الوزراء العراقى، وأنا متفائل كثيرا بمستقبل العراق (إن تركه جيرانه فى حاله) وعاملوه معاملة: “النبى أوصى على سابع جار”، فنحن نوصى جميع جيران العراق من أول جار إلى سابع جار، “إتركوا العراق فى حاله”.
سابعا: فى العالم العربى سواء على مستوى المثقف أو على مستوى الشارع، لا أدرى لماذا كانت أهم أمنية لدى الأغلبية هو إفشال العراق، أنا متفق الآن مع الأغلبية على أن الغزو الأمريكى كان خطأ، ولكنه حدث، فهل يكون الحل هو بمعاقبة الشعب العراقى بقتله وإغتياله وبإذكاء الحرب الأهلية والتضحية بالشعب العراقى لإثبات خطأ الغزو؟ وكنت ألاحظ على مستوى الشارع أن الأغلبية تقوم بالشماتة كلما زاد عدد ضحايا التفجيرات المجنونة، وإستمرت معظم أجهزة الإعلام العربية على تصوير الجرائم الإنتحارية ضد الشعب العراقى على أنها “مقاومة”.

أما من الناحية الحسابية البحتة:
أولا: أرجو من القارئ أن يمسك بآلته الحاسبة الصغيرة ويقوم بقسمة مليون ضحية على خمس سنوات فيكون الناتج هو 200 ألف ضحية سنويا، نقوم الآن بقسمة 200 ألف على عدد الأيام فى السنة 365 فيكون الناتج هو 548 ضحية يوميا!! فهل يعقل هذا، هل شاهدنا معدلا يومىا لضحايا العراق وصل إلى متوسط 548، ومعنى كلمة متوسط حسابى أنه يوم سيكون عدد الضحايا ألف واليوم التالى عشرة وهكذا، فهل هذا معقول، أنا أطالب وزارة الصحة العراقية بإصدار الأرقام الحقيقية للضحايا وذلك لإسكات تلك الأكذوبة.

ثانيا: ماهو عدد الضحايا الحقيقى؟ لو أخذنا متوسط 20 ضحية يوميا (وهذا رقم كبير) فيكون عدد الضحايا المعقول (وبإستخدام نفس الآلة الحاسبة) فى السنوات الخمس الأخيرة هو حوالى 36500 ضحية، وهو رقم كبير ولكنه أقل من % 4 من الرقم المتداول (مليون ضحية)، وكل ضحية وراءها أسرة تبكى، ولهذا نكره كل الحروب، لأن كل حرب تتسبب فى زيادة الأطفال اليتامى والزوجات الأرامل والأمهات الثكلى.

ثالثا: أرجو أن يتكرم أحد الباحثين العراقيين أو العرب بالرجوع إلى أرشيف الصحف اليومية فى السنوات الخمس الماضية ويقوم بتجميع أعداد الضحايا الحقيقى ويقوم بنشرها على الملأ، وهناك فى أمريكا موقع إلكترونى على الإنترنت يعارض الحرب العراقية يسجل يوميا عدد الضحايا الأمريكان ويقوم بتجميعها فيما يشبه العداد الإلكترونى، وكنت أتمنى أن يقوم شاب عربى من معارضى الحرب العراقية بإنشاء موقع مماثل لتسجيل العدد الحقيقى للضحايا العراقيين، وعلى يد من قتلوا.
…..
وكلمة أخيرة: إن كان الكثير من العرب والمسلمين يشكّون فى أن رقم ضحايا اليهود فى المحرقة النازية (الهلوكوست) والبالغ ستة ملايين مبالغ فيه، فلا داعى لأن يستخدموا نفس أسلوب أولاد العم.

وأرجو من الله أن يتغمد برحمته كل الضحايا العراقيين، أما مرتكبى الجرائم فإلى جهنم وبئس المصير، وإلى مزبلة التاريخ.