الرئيسية » مقالات » التوحش الإنساني: رأسمالية جديدة وعدالة مفقودة!

التوحش الإنساني: رأسمالية جديدة وعدالة مفقودة!

لو سألنا أنفسنا: ما السر الذي يكمن وراء اختفاء أخلاقيات ما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القرن العشرين؟ والذي كان يعنى ببلورة أخلاق كونية تنطبق على جميع شعوب الأرض، وان مضامينه تؤكد احترام كرامة كل إنسان على وجه الأرض بغض النظر عن جنسه وأرضه، أصله وفصله، أو عرقه ولون وجهه، أو دينه وطائفته الخ.. ولكن بدأنا نتلمس تقسيم العالم إلى شمال وجنوب، مع التوحش في التعامل وبدايات تكوين أخلاقيات كونية كسيحة، لا تستقيم أبدا ومبادئ حقوق الإنسان.. بل غدا استخدام العامل الإنساني غطاء مجردا من الأخلاق، بل ويستخدم مادة مستلبة في القذارة السياسية! ان الإنسان اليوم قد تغّير كثيرا عمّا كان عليه سابقا، وتبدلت أخلاقياته كثيرا في كل مكان من هذا الوجود.. بدأت الثقة تفتقد بين الناس، وازدادت المافيات والجماعات المارقة في مجتمعات اليوم، وهي تتصرف ضد القانون بشكل متفاقم الأخطار..

وازداد التوحّش في التعامل بين القارات.. ربما لم تنته مفاصل الشرق والغرب بعد ان ودعنا عصر الاستعمار الكولينيالي والامبريالي، ولكن التوحش يتبلور اليوم بين شمال وجنوب، وربما تختفي عوامل استراتيجية غير منظورة اليوم.. لم تعد المجتمعات هادئة كما كانت، بل تبدو متحركة ومختلطة وتهددها الفوضى. ولم يعد العمال طبقة بروليتارية في مجتمع صناعي تصارع من اجل نيل فائض القيمة، بل غدت الأيدي العاملة من أثمن ما يكون في السوق العالمية.. لم تعد الطبقة الارستقراطية منحسرة بعدد معين من أصحاب رؤوس الأموال في أي مجتمع، فلقد تنامى عدد هؤلاء ليس في العالم كله، بل في كل مجتمع باستحواذ البعض على مصادر النفوذ والمال والقوة.. ويبدو هؤلاء في عرف الدارسين مجرد طفيليين في المجتمع !

يقول الفيلسوف الأميركي الراحل جون رولس صاحب «نظرية العدالة» الشهيرة، وهو وريث شرعي لكانط وجان جاك روسو، ان العدالة لا تعني جعل كل الناس أغنياء بنفس الدرجة، وإنما تعني ان الفقراء ليس لهم ما يأكلونه. ان الإنسان أينما كان له الحق في هذا الوجود ان يحيا حياة كريمة، وعنده الحد الأدنى من الطعام والشراب والملبس والسكن والدواء والعلاج.. الخ. وبالتالي فان المفهوم الجديد للعدالة يتناقض تماما مع الشيوعية والاشتراكية. المهم هنا، ان الرجل يتناقض أيضا مع العولمة الجديدة التي يسميها حالة جائرة جدا من الرأسمالية المتوحشة التي شاعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يقتصر الضرر منها على الدول والكيانات السياسية فقط، بل ضربت كل مجتمعات الدنيا من جرائها !

من يتصفح برنامج الأمم المتحدة للتنمية لكل عام، فسيخرج مذهولا نتيجة اتساع الهوة التي تزداد يوما بعد آخر بين الأغنياء والفقراء بدلا من ان تنقص والإحصائيات الرسمية واضحة بهذا الخصوص. فايطاليا مثلا أغنى من جميع الدول العربية بعدة مرات بما فيها الدول البترولية.. لنضرب أمثلة أخرى على مدى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الشمال الممثل الحقيقي لعالم الأغنياء، وبين الجنوب ممثل الفقراء بشكل عام، فسنجد ان هناك 225 مليارديرا في العالم تبلغ ثروتهم الإجمالية ألف مليار دولار.. هذا المبلغ يعادل ما يحصله 2,5 مليارات من سكان البشرية، أي بمعنى أن 225 شخصا، هم أغنى من مليارين ونصف المليار شخص من أبناء البشرية!

إن العالم كله يدرك من هو المسؤول الحقيقي عن تبدل الأخلاقيات على مدى مائة سنة، وعن خراب العالم. وقد بدا الإنسان منتجا مستغلا، او مستهلكا عبثيا، أو شبحا أكلته الحروب والكوارث والمجاعات.. وبالضرورة، فان عالم الجنوب هو المكتظ سكانيا.

وهو الذي يعاني وستزداد معاناته مع توالي الأيام والسنين في ظل أخلاقيات كونية جديدة، لا تعرف الا الحرب الاقتصادية، والاستثمارات الوهمية، ومضاربات العملة، وهيمنة الشركات الكبرى، والتخطيط لخنق اقتصادات معينة، وعمليات غسيل الأموال، واستقطاب ثروات هائلة في البنوك لدول وأفراد.. وفرض أجندة على الغذاء والماء والدواء.. والتلاعب بأسعار المحروقات، وتخفيض سعر الدولار.. الخ من السياسات التي ستأخذ العالم كله رهينة نظام اقتصادي جديد لا يعرف الا الأخلاقية الكونية للمصالح الأحادية لطرف واحد على حساب كل العالم الذي يتقهقر شيئا فشيئا!

وهذا ما يراه المفكر الهندي فاندانيا شيفا لعالم الجنوب، فهو ينتقد النظرية الرأسمالية الجديدة التي تقول بأن التجارة الحرة تؤدي الى ضمان الحرية في المجال السياسي وسواه، اذ يرى العكس هو الصحيح، ذلك ان التجارة الحرة هي التي تحرمنا من الحرية في عالم اليوم، وستكون الخيبة والخسران من نصيب عالم الجنوب. ان عالم الجنوب يتقهقر شيئا فشيئا بملايين البشر التي تعيش بلا اي إنتاج وبلا علاقات إنتاج.. انها أفواه لا تقبل الا الاستهلاك مع ازدياد المجاعات والمشكلات والأمراض. ان منطقة الشرق الأوسط، وهي اقرب منطقة إلى أوروبا جغرافيا كانت ولم تزل تعاني من صدمات تاريخية وحضارية متنوعة، وهي اليوم ضمن مناطق صراع الجنوب إزاء الشمال.. وتبدو مجتمعاتها تعيش هي الأخرى فوضى التناقضات وغياب المستويات وتقلّص النخب وغيبوبة الإنتاج وتفاقم الصراعات.. انها تعيش في عالم متغيرات غير ايجابية على الإطلاق وبفعل سياسات وأجندة وإعلاميات وتربويات.. لا تخلق إلا الانقسامات وتبدد الإرادات وتعدد الولاءات لثقافات متوحشة وظواهر لم يكن لها وجود في حياتنا وأخلاقياتنا سابقا!.