الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة التاسعة والثمانون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة التاسعة والثمانون

لا نعتقد قطعاً ان هذا العمل لم يكن وراءه سبب ما، والا فان الشيخ صديق لا يمكن ان يقوم بمثل هذا العمل الذي لا بد ان يؤدي الى استفحال العداء بينه وبين المسيحيين وقد يمتد هذا العداء الى ما وراء حدود الدولة العثمانية.
 ونقصد بريطانيا وهو يدرك ذلك في حين ان اتجاه الشمزينان في اول مؤتمر كردي واسع عقده جده الشيخ عبيد الله الشمزيني هو احترام المسيحيين والتعامل معهم في الناحية القومية كونهم اكراداً وقد كان وزير خارجية الشيخ عبيد الله في نواة الحكومة التي وضعها قبيل ثورته، مسيحياً (ارمنياً)، هذا من جهة ومن جهة اخرى لقد كان الشيخ صديق حريصاً على ان يضع رصيده المالي في انكلترا وطلب توصية او تزكية من ويكرام (وهو رجل دين مسيحي) وهذا يعني ان الشيخ صديق كان لا يثق بالدولة العثمانية في ان يؤمن امواله في مصارفها فاتجه الى البنك البريطاني على أي حال ان وجهة النظر الاخرى لم يذكرها ويكرام.
طاهر بك
التقى سون طاهر بك وكان يحل في غرفة تقع في الجناح الذي يسكن فيه طاهر بك من القصر وطاهر بك الذي كما قلنا هو الابن الثاني لعثمان بك من زوجته الاولى.
يقول عنه سون، لقد طار صيت هذا الزعيم وله ممتلكات في حلبجة كما انه عرف بمهارته الادبية وهو يتكلم الى جانب لغته الكردية، الفارسية والتركية ويعرف شيئاً قليلاً من الفرنسية، لكنه يقرض الشعر بالكردية، وله بيت مفتوح يختلف اليه الضيوف في كل اوقات النهار.
يقول سون لقد رد تحيتي بلغة فارسية سليمة ومن دون أي اثر للهجة كردية فيها ودعاني الى الجلوس بجانبه وعندما علم اني اتكلم الفرنسية اجاب بانه هو ايضاً يعرف قليلاً منها. وهذا ما يعده سون شيئاً مستغرباً من زعيم كردي لم يغادر وطنه ويتكلم الفرنسية.
ان من علامات احترام طاهر بك للضيف ما اشار اليه سون عندما قدم له سيكارة من علبته واشعلها بنفسه. ويبدو ان طاهر بك كان اذا لم يرق له حديث فانه يقطع المقابلة ويغادر فجأة ونعتقد ان هذا ربما كان من سمات شخصيته الادبية او الشاعرية وهي مسألة ترتبط برهافة الحس لديه ان هذا محض استنتاج من عبارة جاءت في مذكرات سون مشيراً إلى حضور موظف تركي من خانقين وكان ثرثاراً فقطع طاهر بك المقابلة على حين غرة وانسحب الى غرفة خاصة فما كان من الحضور إلا ان يتفرقوا ويذهب كل الى حال سبيله (291-92).
ومن الموضوعات التي دارت بين سون وطاهر بك خلال اللقاءات اتي تمت بينهما موضوعات لغوية واخرى سياسية ومن الموضوعات اللغوية حديث طاهر بك عن خصائص كل من اللغة الفارسية والفرنسية اما الموضوعات السياسية فكانت اسئلة وجهها طاهر بك الى سون عن الاماكن المختلفة أي الدول. ومن الموضوعات التي تكلم بها القضيتان البلقانية والكريتية، ويعترف سون ان اطلاع طاهر بك على هذه الموضوعات ومعرفته بها كان اطلاعاً رائعاً يفوق اطلاعه شخصياً. ويذكر سون بانه اعطى الى طاهر بيك بعض المعلومات عن مناطق قريبة ويعني بها الحدود الشمالية اذ كان الاتراك يعتدون على الاراضي الفارسية (304-5).
يبدو ان طاهر بك من خلال خبرة ماضية قد افصح عن موقفه بازاء النشاطات الاجنبية المحتملة في المنطقة ومنها النشاطات التجسسية ..
ان امين افندي وهو شخص الماني بالاصل يدعي الطب كان يعيش في حلبجة ويبدو انه امتعض لمجيء سون الى حلبجة وظنه طبيباً قد ينافسه وقص على سون قصة جاسوس ادعى انه دانماركي ولكنه تبين انه روسي جاء الى المنطقة تحت ستار اجراء بحوث في لهجة هاورمان ثم خامر الشك طاهر بك بازاء هذا الشخص الذي كان يحمل ناظوراً والة تصوير وطرد من المنطقة.
لقد اوحى امين افندي الى سون ان طاهر بك بدأ يشك في امره وقد نصح السيدة عادلة بان تضعه تحت المراقبة، ويبدو ان سون اراد ان يسفه اقوال امين افندي فلم يعره اهتماماً او يظهر قلقاً لكنه في الوقت ذاته قرر ان يختبر طاهر بك ما اذا كان قد بدأ يشك في امره أي في صدق هويته، يقول سون حول ذلك، قررت ان امضي الى بيت طاهر بك واتظاهر باستنكار عظيم قوي لمثل هذه المعاملة التي يلقاها ضيفه والقيام بوداعه للرحيل المفاجئ وبهذه الطريقة وفي ضوء تصرفه بازائها استطيع ان اقف على افكاره تماماً فان كان مرتاباً مني فلن يعترض على رحيلي ابداً.
ويبدو ان سون نجح في اختباره هذا، فقد استثارت عبارته طاهر بك الذي اخذ يستوضح من سون الامر وكذلك فقد استنكر الحضور موقف امين افندي استنكاراً عظيماً، وقد جرت محاكمته من قبل السيدة عادلة التي اهانته – اهانت امين افندي – اهانة تفوق الوصف وجدها سون مبالغاً فيها فقد امرته بعد سيل من ابشع الشتائم ان يعتذر على ان يستخدم جملاً تدل على الضعة والمهانة وتردد امين افندي في ذلك بادئ الامر ولكن صوت اطلاقة ادخلت في سبطانة بندقية واحساسه برأس خنجر في قفاه جعلاه يخنع ويردد العبارات التي طلب منه ان يستخدمها في اعتذاره ولم نجد ضرورة لذكرها في كتابنا هذا وان كـان سون قد ذكرها (316-17).
وعندما طلب سون من السيدة عادلة ان تعفو عنه وان تخلي سبيله امرته بالخروج من الغرفة زاحفاً وسط استهزاء الخادمات ولكن هل كان طاهر بك حقاً مقتنعاً بأن ميرزا غلام هذه هو فعلاً ميرزا غلام القادم من ايران او انه اراد ان يستكنه غور الامور؟ هذا ربما ستكشف عنه الايام. ولكننا لا نعتقد ان هذه الثقة العالية جداً بـ (ميرزا غلام) من قبل كل من عادلة خان وطاهر بك مقنعة بشكلها الظاهري فضلاً عن التمييز الشديد وردود الفعل العالية ضد خصومه كالتحقير والتهديد لشيخ الإسلام ولأمين افندي وهما لم يفعلا ما يستوجب كل ذلك مثلما هو أي سون (ميرزا غلام) لم يكن يستحق كل هذه الحظوة من المنظور الاعتيادي. الحقيقة التقى سون بعدد من الشخصيات في حلبجة ولكن كانت لقاءات قصيرة لم تتضح كانطباعات كافية لدى سون للكتابة عنها.
طه شمزيني
يذكر هاملتون، انه اشير عليه بزيارة حاكم منطقة راوندوز الكردي الشيخ سيد طه الشهير وبذل المحاولة لكسب معاونته الضرورية جداً. ويضيف ان سيد طه كان حاكم الاقليم الفعلي ولم تفرض عليه بغداد حتى ذلك الحين اياً من الاوامر الا فيما ندر على ان وجود مخافر الشرطة فضلاً عن الطريق الذي كان هاملتون يشقه ترمي الى تقويض صرح الحصن الجبلي الذي يحكمه هذا الرجل الذي يصفه هاملتون بالطاغية الذكي، وامير من اواخر امراء الاقطاع في كردستان، ويسترسل هاملتون في وصف شخصيته فيذكر انه كان مستفيض الشهرة، وهو بالقياس الى الكردي العادي عالي الثقافة لا يستهان به من الدراية بفنون الحكم والادارة، وهو ينحدر من اصل كردي عريق فضلاً عن كونه (شيخاً). وللقب الشيخ في كردستان معنى بعيد كل البعد عما يقصد به العرب، فهو في كردستان صفة تطلق على كل من حاز سلطاناً دينياً مخصوصاً. وبعض الكرد يعتقد ان المعجزات تأتي على يد (سيد طه) فيقصدونه من بعيد، ليضع يده عليهم فيطرد عنهم الاسقام والعلل، وهو امام الانكليز يذكر وجود هذه القوى.
السيد طه فارع الطول تزيد قامته على ست أقدام متين الألواح شديد الفصل يرغب في استعراض قوة تحمله الجسدية الخلاقة في سنوات طويلة على ظهور الخيل وفي انجاز مآثر فريدة بتسلق اصعب الجبال وهو في لعبة (البولو) فارس لا يشق له غبار بل خير من يطلق النار على الهدف في طول البلاد وعرضها. وقيل والعهدة على الراوي انه يصيب عشر لفافات تبغ على التوالي من مسافة ثلاثين خطوة بالبندقية الحربية الانكليزية وهو يفضلها دائماً على السلاح الروسي والتركي وله صيت ذائع في صيد الدببة والوعول والفهود، وكان في كل خريف يقضي عدة اسابيع بين شعاب الجبال ويدعو بهذه المناسبة احياناً ضابطاً او ضابطين من معسكر الليفي. فيعودون وهم بلا استثناء السنة اعجاب تلهج بمهارته وجلده.
التآخي