الرئيسية » مقالات » سياسة المحاور… والقضية الفلسطينية!!!ّ

سياسة المحاور… والقضية الفلسطينية!!!ّ

لم تشهد القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني تدهورا في السنوات الأخيرة كما تشهده اليوم سواء على المستوى الفلسطيني والعربي والاسلامى وحتى الدولي … ولم تشهد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل وفى مواقع اللجوء المختلفة ، والمعبرة عن آماله وأهدافه وكونها تشكل الكيانية والهوية وحاملة المشروع الوطني الفلسطيني تراجعا كما تشهده اليوم سواء على المستوى الفلسطيني والعربي والاسلامى وحتى الدولي … ولم يشهد الوجود الفلسطيني على أرضه خطرا وهجوما عليه كما شهدته الاراضى الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من نهب للاراضى، والاستيطان ، وتهويد القدس ، وبناء جدار الفصل العنصري ، وممارسات غلاة المستوطنين المتطرفين الصهيونيين في المواقع العديدة من الخليل وبلعين ونعلين والمعصرة ونابلس وجنين ، ودعاة الترانسفير كما يشهده اليوم أمام مرأى ومسمع الأسرة الدولية ، والمجتمع الدولي ، وكافة مؤسسات حقوق الإنسان ، ومنظماته العالمية …

لم يشهد التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث والمعاصر ، في صراعه ضد الغزاة والمستعمرين تمحورا وصراعا بين الأقطار العربية ، شكلت خطرا جديا على القضية الفلسطينية ، ومنظمة التحرير الفلسطينية ، والوجود الفلسطيني مثل هذه الأيام ليس بهدف التنافس فيما بينها على تقديم الدعم السياسي والمعنوي والمادي للشعب الفلسطيني في نضاله العادل ضد الاحتلال الاسرائيلى ، بل العبث بالقضية الفلسطينية والاصطفاف غير النزيهة إلى طرف فلسطيني ضد طرف فلسطيني ، مما عمق الانقسام في الشارع الفلسطيني، وزاد من حدة التفسخ ، وبدلا من أن تتحول هذه المحاور إلى مرتكزات وقواعد إسناد لتوحيد الصف الوطني الفلسطيني ، بحكم البعد العربي والاسلامى للقضية الفلسطينية ، فقد أغمضت عينيها ، وأغلقت سمعها ، وساهمت في ضرب وحدة الشعب الفلسطيني ، ودفاعها عن سطوة الاستيلاء على غزة ، وإخراجها من حضن الوطن لتحقيق مصالح خاصة لهذه المحاور وبهذا فقد خدمت الهدف الاسرائيلى التي كانت تسعى إليه من انسحابها الاحادى الجانب من غزة….

وبصراحة أكثر فان ما يسمى بمحور الممانعة في المنطقة التي تقوده إيران وتنتمي إليه سوريا وقطر وبعض تفريخات الفصائل المتواجدة في دمشق ، تدعى مقاومتها للاحتلال الاسرائيلى والنفوذ الامريكى في منطقة الشرق الأوسط ، رغم علاقات بعضها السرية مع واشنطن ، ويتولى بعضها حفلات الزفاف في تل ابيب تؤهله للعب دور العراب للإدارة الأمريكية في المنطقة، والمجاهر بشكل صريح بالتطبيع مع إسرائيل وبدون خجل حتى قبل حل القضية الفلسطينية ، ويتوافق بعضها مع الولايات المتحدة في أفغانستان وحتى في العراق التي تسعى لتمزيق وحدة وارض العراق الشقيق ، وتدعى أنها تعطل مشروع الشرق الأوسط الكبير ، والفوضى الخلاقة ، وفى نفس الوقت فإنها تقدم كل وسائل الدعم للمليشيات التي تسعى لاختطاف المشروع الوطني ، واستخدام الورقة الفلسطينية والتوتر بين الإخوة لتحسين شروط تفاوضها مع الإدارة الأمريكية …

أما محور الاعتدال في المنطقة تقوده كل من السعودية ومصر والأردن والسلطة الوطنية وهى تراهن على حسن نوايا الإدارة الأمريكية ، وتعتبر أن إستراتيجية التفاوض هي الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، والتعايش مع إسرائيل في المنطقة ، وتقدم مساعدة معنوية للسلطة الوطنية على الرغم من التشاور المستمر لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية معها ، وتلقى النصائح منها ،فإنها فشلت على الرغم من صداقتها الحميمة مع الإدارة الأمريكية ولديها مصالح مشتركة معها ، في مطالبتها الضغط على إسرائيل للالتزام بقرارات الشرعية الدولية ، والاتفاقات التي وقعتها بشهود العالم وخاصة في مؤتمر انابوليس ، ومؤتمر باريس الاقتصادي ، والإخفاق في الترويج للمبادرة العربية ، ولا زالوا يراهنون على وعد بوش على الرغم من نهيته المحتومة ، وربما على باراك اوباما ..!!!

لكن الراصد الفلسطيني والعربي الذي يملك سلطة العقل ، وأداة التحليل العلمي ، ويتابع التطورات الخطيرة التي تلف القضية الفلسطينية لا يمكن الضحك عليه بالشعارات الطنانة ، أو باستخدام مفاعيل السحر والفتاوى ، وكل محاولات تزييف عقله وخداعه بالرسومات المتحركة ، واستخدام إعلام بعض الفضائيات غير الموضوعية تصطدم بالواقع ، والوقائع التي تفضح زيف الادعاءات بالمقاومة رغم محدوديتها وقلة تأثيرها على مجرى الأحداث ، واستغلالها من جانب الإعلام الاسرائيلى والدولي ، ونجاحها بالتأثير على الرأي العام الدولي ، ووصم نضال شعبنا بالإرهاب ، يؤكد أن كلا المحورين قد فشلا في إنهاء الاحتلال الاسرائيلى عن الاراضى الفلسطينية والعربية المحتلة ، ونجح بعضها في تقسيم الشعب الفلسطيني ، بدعمه اللامحدود للمليشيات المسلحة في غزة وفرض سيطرتها على القطاع ، في حين أن المحور الآخر لم يسارع باتخاذ الخطوات الضرورية بالضغط على المحور الأول لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية برغم قوته المعنوية والمادية في السياسة العربية ، وفشلت مراهنته على عامل الوقت ، مما أفسح المجال لتعميق الانقسام ، والتهرب من الحوار الوطني الشامل الذي دعت إليه القاهرة في التاسع والعاشر من شهر نوفمبر .

إن المدخل الحقيقي لمواجهة عدوان الاحتلال وجرائمه المتواصلة ، وتهديداته المستمرة باجتياح غزة لا يكمن في الخضوع لعنصري المال والمكان الذي توفره بعض الأطراف بل بالتوجه فورا ، للحوار الوطني الشامل دون شروط مسبقة ، لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وليس الاختباء وراء الشعارات المستهلكة ، والدعاية السوداء ، ولا عبر الترقيع والابتعاد عن التناقض الرئيس مع الاحتلال الاسرائيلى ، وحتى يتحقق هذا الهدف الهام لا بد من العودة إلى اتفاق القاهرة 2005 ، والعمل على تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، فهو المدخل الحقيقي لانتزاع زمام المبادرة الوطنية ، والحفاظ على دورها كونها حافظة المشروع الوطني ، وليس تعطيلها ومحاولة استخدامها كوسيلة لابتزاز الآخرين سياسيا ، وأي محاولة ترقيع هنا أوهناك ،وتقريب البعض النار إلى قرصه للحصول على مقعد في اللجنة التنفيذية ، أو تحسين تواجده في المجلس المركزي الفلسطيني لن تساهم في تطويرها ، بل ستعزز الانقسام ، وتفتح شهية أولئك المتربصون بها ،أواضعا فها وتهميش تمثيلها للفلسطينيين ، ولا تكرروا الخطأ الذي أوقعه بعض المتنفذين الذين بحثوا عن مواقعهم الأمامية حين رفضوا الانتخابات التشريعية السابقة على مبدأ التمثيل النسبي الكامل ، وجلبوا الدمار على النظام السياسي الفلسطيني ،وقادوا شعبنا إلى هذا المنعطف الأسود من التاريخ الفلسطيني. 

غزة – فلسطين
24/12/2008