الرئيسية » مقالات » دعوة الاستاذ جواد بولاني للمسيحيين اليست متأخرة ؟

دعوة الاستاذ جواد بولاني للمسيحيين اليست متأخرة ؟

21/12/2008

في تصريحات للاستاذ جواد بولاني وزير الداخلية اطلق فيها مبادرة عراقية كريمة بدعوة المسيحيين الى الأنخراط بصفوف الجيش والشرطة . إنه اعتراف بكون المسيحيين إن كانوا من الكلـــــدان او السريان او الآشوريين هم المخلصين المتفانين في سبيل اسم العراق وأمن العراق .
فيما مضى من السنين بعد نيسان عام 2003 لا حظنا كم كانت هذه اأجهزة مخترقة من قبل العصابات والميليشيات والتي كانت تأتمر بأوامر غير تابعة للحكومة العراقية ، وحتى المواطن العادي كان يتوجس خشية من أيصال المعلومات الى أجهزة الشرطة خوفاً من افشاء أمره لتلك العصابات فتجري تصفيته .
أجل كانت اجهزة الشرطة والجيش مخترقة ، ولهذا لم تكن تعني الكمية ( الأعداد الكبيرة ) إنما كان المهم النوعية ، ومن المؤكد ان تلك العصابات وتلك الميليشيات كانت ترسل انصارها للانخراط في تلك الأجهزة فيبدو من الصعوبة بمكان تشخيص العناصر المندسة في هذه الأجهزة .
في هذا الصدد استطيع ان ازعم جازماً ان الأقليات الدينية وفي مقدمتهم المسيحيين لا تحوم حولهم الشكوك ، وليس ثمة احتمال من تجنيدهم من قبل العصابات او الميليشيات . فالمسيحيون من الكلدانيين والسريان والآشوريين ، يقدسون الهوية العراقية ، وليس لهم أي تماهي في اية دولة مجاورة ، وإن عمقهم المجتمعي والثقافي والديني هو الوطن العراقي ، وإخلاصهم هو لهذا الوطن لا غيره ، وإن عمل المسيحي الكلداني او غيره في الجيش او الشرطة او في اية وظيفة حكومية فسيقوم بواجبه في منتهى الأخلاص لا شائبة على ذلك .
كنت اعمل على البواخر ويعاتبني زميلي ابن دورتي وهو مهندس مثلي ويقول ما هذه الحماسة في العمل وكأن هذه الباخرة ملك ابيك ، فأقول له اسم عشيرتك تنقذك من كل اخطائك او عن تقاعسك في العمل بينما انا فإن إخلاصي هو الذي ينقذني من كل زلة او خطأ ، ففي اخلاصي أشعر وكأنني لا أخاف أحداً مهما كان مركزه او مسؤوليته ، وهذه شيمتنا نحن الكلدانيين إن كنا نعمل في اعمال حرة في التجارة او الصناعة او في وظيفة حكومية ، فالأستاذ جواد بولاني وزير الداخلية لم يكن مخطئاً حينما دعا المسيحيين الى الأنخراط في أجهزة الشرطة .
إن الأستاذ بولاني يبلغ الجميع بأن الوقت الذي كانت هذه الأجهزة محتكرة لفئة او طائفة معينة قد مضى زمنها . فالعراق اليوم يجب ان يكون عراق الجميع دون محاباة او محسوبية .
يحضرني موقف صادفني يوم نجحت من الرابع الى الصف الخامس العلمي ، حيث كانت ثمة تعليمات في عهد عبد الكريم قاسم تفيد بأن الطالب الناجح من الرابع الى الخامس العلمي بأمكانه التقيم الى كلية الطيران العسكرية ، ، فحلمت كشاب في مقتبل العمر وبنيت الامال في ان اكون طياراً يشق اعنان السماء .
فكتبت عريضة لمديرية تربية الموصل لتزويدي بوثيقة مدرسية الى كلية الطيران ، فشاهدها فراش المدير العام وقال لي ، إن عريضتك تحتاج الى طابع بخمسين فلس ، فنزلت الى كاتب العرائض واشتريت الطابع ولصقته في اسفل العريضة التي كتبتها بخط يدي توفيراً للمبلغ الذي ادفعه لكاتب العرائض .
وضعت العريضة امام مدير التربية ، وكان اسمي الثلاثي لا يظهر اني مسيحي ، فأخذ المدير يكيل لي المديح لمشاعري الوطنية وتمنى لي الموفقية لكي اتخرج طيار حربي اخدم وطني . وفجأة سألني في اية منطقة تسكن في الموصل ؟
فقلت له : استاذ انا من القوش .
هنا رفع رأسه من العريضة ونظر نحوي وقال :
أنت من القوش ؟
قلت نعم .
وانت مسيحي ؟
قلت نعم .
وتريد تصير طيار حربي ؟
قلت نعم .
وهنا طوى عريضتي عدة طيات ، وهو يقول : كليات البلد امامك ابني ، اما كلية الطيران ، فعليك ان تخرجها من دماغك وتنسى امرها بعد ان تخرج من هذه الغرفة . وسلمني عريضتي وأنا اجر اذيال الخيبة واليأس ، بعد ان بنيت قصوراً في الهواء في ان اكون طياراً مقاتلاً .
نعود الى رباط الكلام فأقول ان دعوة الاستاذ جواد بولاني لها مدلول على مهنية وزيرة الداخلية في العمل ، وآخر ، انه يريد تكريس الهوية العراقية على الهوية الطائفية او الدينية او القومية ، ولكن رغم ان دعوته كريمة مخلصة وصادقة لكنها بنظري جاءت متأخرة ، فقد هاجر الشباب الذين أرادهم ان يكون رجال مخلصين في هذا الجهاز او أجهزة الأمن او الجيش ، فهل نحلم ان يعود شعبنا الكلداني الى المدن العراقية ؟
لقد قرأت خبراً مفاده ان وزارة الداخلية اقامت احتفالاً في شارع ابو نؤاس بمناسبة اعياد الميلاد ، فهل نستبشر خيراً ؟ هل نستطيع ان نعود الى حيّينا في دافئات المنى كما تقول فيروز .
هل تعود شوارع بغداد تتلألأ بالمصابيح وشموع المحبة ؟
هل نسافر الى بغداد ونبني لنا بيوت ونعمل بالتجارة ؟
إن عودة المسيحيين الى المدن العراقية هو بمثابة عودة الأمان والأستقرار لهذا البلد . نأمل ان تتكلل جهود الأستاذ جواد بولاني وغيره من المخلصين في هذا البلد في إرساء قواعد الأمان والأسقرار ، وحكم القانون ، وتختفي كل مظاهر الطائفية المقيتة في هذا البلد المنفتح على كل التكوينات المجتمعية العراقية ويعود تألق نسيج المجتمع العراقي الجميل ، وتعود سماء العراق الصافية لتترصع بآلاف النجوم في الليالي القمراء الجميلة .
حبيب تومي / اوسلو