الرئيسية » مقالات » عن حذاء منتظر الزيدي

عن حذاء منتظر الزيدي

دعونا لا نفوت الفرصة لنستوعب كل كوميدية المشهد و مأساويته السوداء في نفس الوقت…أولا يؤكد البعض أن “الديمقراطية الناشئة” في العراق اليوم في امتحان “صغير” و لا شك ( ففي النهاية ما قيمة الزيدي الخاصة أمام كل من سقطوا حتى اليوم بيد “المقاومة” أو الأمريكان أو الشرطة الحكومية أو ميليشيات الأحزاب الحاكمة ) , يطالب آخرون بمعاقبة الزيدي , و آخرون يعتبرون أن سلاح الصحافي هو الكلمة , و كثيرون , كعادتنا كعرب , هللوا للحذاء الذي حاول إصابة بوش , الذي نجح بتفاديه ببهلوانية تستحق الإشادة , أكثر مما فعلناه حتى اليوم..في الواقع كعاجزين أو أشبه بالفاقدين لأية قدرة على الفعل , كان حذاء الزيدي أكثر مما كنا نتوقعه من زيارة بوش , لقد تمكن هذا المشهد المسرحي التافه بامتياز أن يصبح قضية خطيرة , أن يصبح قنبلة هيروشيما الخاصة بنا , أن يصبح لعبتنا التافهة لبعض الوقت قبل أن نعود من جديد إلى السكينة النفسية الانفعالية التي تعني ممارسة السمع و الطاعة باستخذاء أمام السلطة الخاصة بنا , بكل منا , في أول الأمر و ثانيا أمام أي وقح قليل الأدب يملك ما يكفي من العضلات ليتمرجل علينا , و هي مهمة غير صعبة في حقيقة الأمر..بوش مجرد وقح , واحد من هؤلاء الوقحين , تتجسد رجولته في صواريخ كروز و القنابل الذكية التي تقتل بحساب عالي الدقة , يبلغها من يطلقها بعدد من يجب أن تقتلهم فتنفذ ذلك الأمر بدقة لافتة , و عندما يحين موعد الهجوم الأرضي يصدر الجنرال الأمريكي مرة أخرى أمره بإعادة قصف مواقع الأعداء بشدة أكبر قبل تقدم القوات الأمريكية..إننا ننتمي كشعوب أو كثقافة إلى الشرق , حيث كان اليابانيون مثلا , و ربما ما زالوا يفعلون ذلك حتى اليوم , يستخفون بأي كلام عن حقوق الإنسان , فلا حق , عندهم للمهزوم , و لذلك فهم عاملوا أسرى العدو بقسوة بالغة , فهؤلاء لا يستحقون أي رحمة , و لذلك كانوا هم يقدمون على الانتحار عند خطر الوقوع في الأسر , هذه الروح العسكريتارية القوية التي تمجد السلطة , سلطة القوة الفاحشة , سلطة النخبة العسكريتارية , ترفض أية حقوق لا لشعبها أو لغيره , خاصة أعدائها , و هي تقيم سيطرتها على المجتمع على ثقافة القوة المطلقة , التي تقوم على منطق إخضاع الناس , الأتباع , بالقوة , و تلقينهم عبادة القوة , قوة السلطة المطلقة التي لا تتورع عن ارتكاب أي شيء إذا تعرضت سطوتها المطلقة لأي تمرد..بالمقابل الأمريكان شعب يعبر في ثقافته عن ثقافة الرجل الأبيض , المالية بامتياز , التي ترى أن القتال وجها لوجه غبي , خسائره كبيرة و غير مضمونة , و ما دام هو متفوق على خصمه , الهندي الأحمر , و سكان البلاد الأصلية , و اليابانيين , ثم الروس و أخيرا العرب , في تكنولوجيا السلاح , فهذا هو الشكل الأمثل للحرب , و هنا الجندي ليس محاربا , و لا مواطنا يحركه إيمانه بقضية ما , إنه غالبا مرتزق أو في أفضل الأحوال موظف يقاتل ليكسب مرتبه الذي يعطيه إياه الرأسمالي الذي يرسله إلى القتال , و لذلك فهو صاحب حق في معاملة جيدة تسمى بحقوق الإنسان المحارب و دوره لا يتجاوز استخدام السلاح الذي يعطى إليه و يتدرب عليه بكل مهارة ممكنة فقط لا غير , إصابة الهدف الذي يحدد له , لهذا لا يفهم الرأسمالي الانتحاريين العرب و الباكستانيين , و يعتبرهم قتلة متوحشين على نقيض قتلته المتحضرين..الرجل الأبيض , الرأسمالي , التاجر , يقتصد في الدم , بل و يزعم أنه بهذا يقتصد أيضا في دماء الضحية و ليس في خسائر جنوده الغزاة فقط , إنه مثل كراسوس قاهر ثورة العبيد , لا يقتل العبيد فقط لمجرد القتل كما يفعل جلاوزة ديكتاتوريينا , بل يفكر بعد ذلك ببيع لحومهم , هذا هو منطق إنسانيته التي ترتبط إلى حد كبير بفكرة القنابل الذكية , منذ أن دخل بيزارو أمريكا الوسطى , قاتلا بجيشه الصغير من المغامرين الطامعين بالذهب و المؤمنين بالكاثوليكية بشكل جنوني شعبا بأسره , مستخدما البارود , و شعوب العالم تتعرض للقصف و للحصار و لحروب الأفيون دون توقف لتحويلها إلى خدم للتاجر القابع في لندن أو باريس أو وول ستريت..باختصار لدينا مقاربتان متناقضتان للقوة , شكل يستخدمها بإفراط و وحشية أكبر ما يمكن و شكل آخر يستخدمها باقتصاد و تقتير رأسماليتين مع الاستفادة إلى أقصى حد من أتمتة هذه القوة و عملية القتل و الإخضاع نفسها..من هنا أعجبنا نحن الأتباع المعتادين على القوة المفرطة الدامية لنظام صدام بحذاء الزيدي , و من هنا استخف بوش , ممثل تجار وول ستريت , هالبيرتون و إرنون و فريدي ماك , بالحذاء , الكرامة هنا تقاس أساسا بالمال , على العكس من الكرامة التي ترتبط في حالة الأنظمة التي تحكمنا بصورة الديكتاتور الذي يعاقب حلبجة أو حماة بأقصى وحشية لمجرد التمرد أو حتى ما هو أقل بكثير في بعض الأحيان..قد يكون من الصحيح أن خدم وول ستريت أو لندن هم في حالة أفضل من خدم الديكتاتوريات المحلية , هذا حقيقي على الأغلب , و هو ما يحتفل به الليبراليون العرب اليوم , منظرو السمع و الطاعة للرجل الأبيض المتفوق و التاجر الذي يأبه للمال أكثر منه لصورته أو لدماء أي كان بالتأكيد..ذكرني الزيدي و من هاجمه و من دافع عنه بالمرة الوحيدة التي قابلت فيها واحدا من أرباب الأرض – حافظ الأسد , كنت طفلا , تلميذا , حشرنا يومها في إحدى “المسيرات” التي يحشد فيها النظام السوري الناس في الشوارع ليصفقوا و يهتفوا له..كنت واحدا من هذه “الجماهير” التي دفعت محشورة كالقطيع نحو قصر الرئاسة القديم , اذكر أنني لمحته من بعيد و هو يطل على شرفة ذلك القصر , وحيدا هذه المرة , فقد اختفى الناس الذين كانوا إلى جانبه في أوائل أيام حكمه , عندما اقتربنا أكثر رأيناه يلوح بسعادة و يبتسم بسعادة , للحظة أصبت , بل أجرؤ على القول أصبنا جميعا , بنشوة غريبة , و بدأت بالفعل أصفق بقوة , و ربما حتى حاولت أن أردد بكل ما أستطيع من قوة تلك الشعارات التي كانوا يلقوننا إياها , ربما كانت هذه الشعارات غبية أو لا تعنيني بالفعل , لكنني شعرت في تلك اللحظة أنه علي أن أهتف بها بأقصى ما يمكنني من قوة..قبل ذلك بأيام كنت على وشك أن أتعرض لما تعرض له الزيدي على أيدي حراس بوش و المالكي , من أحد عناصر النسخة السورية البعثية من أي جهاز أمن لا يعرف سوى تنفيذ أوامر سادته , لمجرد أني تجرأت على الاحتجاج على أنه قد تجاوزني و أخذ دوري في شراء الخبز , في حدث عادي جدا و يومي جدا في كل شوارعنا العربية..كل من رأيتهم يهاجمون الزيدي كانوا يتصرفون تماما كما فعلت أنا شخصيا كتلميذ رأى إلهه يطل عليه , لكن هذه المرة كان المقصود هو بوش و المالكي – إلهه الأبيض المتفوق , أما من دافع عنه بهذه القوة , فهو أيضا كان يشعر بذات النشوة عندما كان يرى صورة صدام أو حتى مبارك أو عباس , إلهه الأرضي “المحلي” في هذه الحالة الذي ينتحل صفة الجنرال – الديكتاتور , أنا شخصيا توقفت عن الشعور بأية نشوة عند رؤية أي من هؤلاء , بالنسبة لك , فمن حقك أن تصفق و تهتف بأقصى قوة تستطيع , لمن تشاء , و لا تنسى في كل الأحوال أولئك الذين يستطيعون ضربك دون رحمة , و أقترح أخيرا إعطاء كل مشارك في هذه “المسيرات” أو تلك المؤتمرات الصحفية حبة فاليوم مهدئ لكل من لا يستطيع أن يهتف بقوة و بالتحديد منعا من ثورة من لا يستطيع كتم غيظه….. 

18 / 12 / 2008