الرئيسية » مقالات » لسانان وحذاءٌ واحدٌ..! .. يمرّ من فوهة البندقية…

لسانان وحذاءٌ واحدٌ..! .. يمرّ من فوهة البندقية…

– ما هي أهم مراقبة سياسية في علم فيزياء الأناتوميا؟
+ الرؤوس الفارغة تردد الصدى بشكل جيد..

ليس موضوع ضربة الحذاء والزيدي وبوش ذات شأن كبير في ممارسة الثقافة الديمقراطية في أوربا أو أمريكا، ويعتبرها البعض أنها حرية الرأي وإن كانت غير حضارية وتعبر عن نقص وتطرف، بل هذا الاستنفار العربي على نفير حذاء “التحرير”، هو الذي حرّك مشاعر الحديث.. وربما شعر الكثيرون أن هذا الحذاء موّجه إلى البوش الشرق أوسطي الذي يقمع ويحكم ويسبب الإذلال، سواء كان اسمه بوش أو نجاد أو أولمرت أو صدام أو سبع أو ضبع، أي أن كل حذاءٍ يغني على “بوشاه”..
وقد يكون ضرب الحذاء في أوربا ليس أكثر إهانة من الضرب بالبيض الفاسد أو البندورة أو بالحلويات والكريمات كما حدث مع ساركوزي بعد أيام قليلة من تسلمه منصب الرئاسة.. وأمثلة كثيرة تشبه ذلك.
هناك عشرات الأمثلة التي يتباين فيها قيمة الخنزير مثلاً بالنسبة لثقافتنا والثقافة الأوربية، وكذلك الحمار والبوم والدب والديكتاتور وغيره.. وإذا تذكرنا أنه حتى بوش شخصياً عندما يتحدث عن أكبر مجرم في العالم وأكبر عدو لأمريكا أسامة بن لادن فإنه يقول الإرهابي السيد بن لادن مجرم و… وهو ليس سوى أصول للتعامل والحديث بين الناس بلا استثناء، وهذا لا يعني الخلط بين الموقف من سياسة أمريكا الغبية في المنطقة وبين بعض قواعد التعامل الحضاري، ونحن ندرك أنه لولا أمريكا لما بقي نظام صدام عقوداً، ولولا أمريكا لما استمر نظام العائلة الأسدية حتى الآن، ولولا تواطؤ أمريكا ما كان عنجر ولا تل الزعتر، ونعرف أن أمريكا لم تسمع عن حماة ولا عن تدمر.
وتجري محاولات تواطؤ خلف الكواليس تقوم بها بعض القوى الغربية الديمقراطية “بخيانة” للقوى العلمانية والديمقراطية في منطقتنا من خلال مساومات، وأمريكا ليست غائبة عن ذلك، رغم ذلك ليس من المستحسن خلط الأمور..

الحذاء هو ثمرة الحضارات القديمة، وقد استخدمه الإنسان في بداية العصر الجليدي، واستخدمه المصريون القدماء في بداية العصر الحجري، وانتعل البابليون الشاروخ (الصندل)، ثم استخدمه السريان والفرس ومنتظر الزيدي..
وللحذاء – لمن لا يعرف – لسان وفرعة(وهي ليست مؤنث للفرع ولا علاقة لها بالسياسة).. ويستخدموه في حماية الرِجِل، والرِجِل تتكون من 26 عظمة متداخلة مع بعضها بشكل هندسي رائع.. وقد استخدم خروتشوف الحذاء في يومٍ كتهديدٍ وإهانة، إلاّ أنه مع الأسف فقد حذاءه والإكثر مرارة فقد النظام الذي من أجله استخدم سياسة الحذاء، والأكثر مرارة من الأولى أن الذي لم يخلع حذاءه مازال يسير فيه….

منذ حركة الحذاء المباركة والتي قادها الرفيق المنتظر المنتصر، وأنا أراقب حركة الأحذية في شوارع بودابست. لم أكن أتصور هذا التنوع الكبير، كل الأحذية التقت على هدفٍ واحد هو القضاء على البرد وإعطاء جاذبية وجمال وشياكة لحامليها أو لابسيها.
وحتى عندما أفتح على أية قناة عربية – الجزيرة مثلاً – فإنني لا أبحث إلاّ عن حذاء المذيع، أو عن انسياب أصابع رِجِل المذيعة في الحذاء، وحتى أعضاء الفريق الذين لا يظهرون على الشاشة كنت أرى أحذيتهم-(هن) الرشيقة ومشيتهم المتناسقة والتي تترك وراءها موسيقى أشبه ما تكون بالمارشات العسكرية.
خلال الأيام الماضية لم أقرأ شيء إلاّ عن الحِذاء والحَذّاء، ويا لها من فرحة عارمة أن ترى أحذية الأمة العربية توحّدت، وحتى الكثير من العمائم – سواء كانت صدرية أو بطنية – رأت أن السير في طريق الجنة لا بدّ أن يكون في حذاءٍ مقدس!
لقد ارتفعت قيمة الحذاء وصار وسيلة نضالية على طريق الممانعة والتحرير وصار له وزن وكلمة..
والكلمة الأكثر قراءة وأناقة هي عند المحامين، وهم الأكثر إحساساً بالظلم والأكثر نخوة للذود عنه، وكما فعلها اتحادهم العربي بعد اعتقال “القائد المرحوم صدام حسين”يوم تنادوا زرافات ووحدانا للدفاع عنه، وكانوا يريدون تعويض نسيانهم وعدم سماعهم عن أي معتقل رأي أو ضحية في دنيا عروبتهم يوم كانوا في إجازة شمّ النسيم، نراهم اليوم في طليعة المدافعين – لاسيما أن لسان المحامي وحده قادرٌ عن الذود عن الحق -، ولم يسبقهم غير اتحاد شبيبة الثورة السوري والذي قام بتسمية دورة التأهيل الحزبي الشتوية تيمناً عقائدياً بالحذاء القومي، ولم تتخلف جبهتنا الوطنية التقدمية عن أخذ دورها في هذا الحدث الحذائيّ الفريد حيث اقترحت تسمية الساحة المقابلة لأكاديمية الأسد الثقافية بساحة الحذاء المنتظر، كما سيرفع تمثالاً إلى جانب جزمة القائد تعبيراً عن اللحمة التي لا تنفصل..
وغزا مصطلح الحذاء كلمات الوزراء ومثقفيهم وشعراءهم، وكمثال على ذلك قال وزيرٌ معلمٌ “إننا لن نتنازل ولا عن مقدار فردة حذاء واحدة من أرضنا”، كذلك وزارة الثقافة أطلقت مهرجان الحذاء القومي، وقام أحد فاعلي الخير وما أكثرهم بشراء فردة الحذاء الأول بعشرة ملايين دولار – يعني فردة واحدة تعمّر مدينة مثل حلبجة، أو ترمم بلدة مثل صيدنايا، ودزينة بتحل مشكلة دارفور، وسيصبح حساب الموازنة ليس بالدولار أو الليرة وإنما بالفردة – ويقال أنه سيتم صنع تمائم وأوسمة من الفردة الثانية.. ولكوننا نعيش في عصر الرجولة تمّ “تذكير” الفردة وصارت مذكراً وهذا ما يعبّر عن مكانتها الاجتماعية… فالفردة صارت “فرد”، والفرعة صارت “فرع”..
بينما تقول مصادر رفضت الإفصاح عن اسمها أنه سيتم تقديم الفردة الثانية ولأول مرة كجائزة حذائية مناصفة بين اثنين في منطقة ليست بعيدة عن “أم الأحذية”..
وفي مظاهرات لابسي حذاء الصدر في العراق رفعوا لافتات فيها تمجيداً “بالحذاء، وبالشحاطة..” وبعثت مسؤولة في قصرٍ لا يحوي إلا حذاءً واحداً تحية تضامن مع المنتظر.. وربما يتمّ تطوير شعار “الروح والدم” بما يتناسب مع المتطلبات الجديدة…

الجماهير الدهماء بحاجة إلى مخلّصٍ تسير خلفه- حتى لو كان… منتظر “عالقليلة فيه شيء يوحّد..”.
وختمت القناة التي يعمل فيها صاحب الحذاء المفقود برامجها بأغنية تقول: ” وتعطلت لغة الحذاء وخاطبت عينيّ في لغة الحذا عيناك”..
وأكثر جهة شعرت بالقيمة الثورية للحذاء “الضرورة” الأميرة حماس، وستقوم باستخدامه ضد “أولاد الكلب الصهاينة”.. وسيقومون بإعادة تصنيع السلاح الليبي الفاعل “طز بأمريكا”..
لكن يا ترى هل ينقلب السحر على الساحر، وتتم تجربة أحذية جديدة في أماكن جديدة وضد رؤوس جديدة؟ يدعوني الفضول عن ردات الفعل حينها والإدانات والاجتماعات والإعدامات…
وأخيراً هل يمكن معرفة كيف تمت قسمة تركة حذاء الزيدي بيننا وبين بوش؟

لا أعرف لماذا لا يريد أن يفهم البعض، أن الموقف ضد سياسة أمريكا العدوانية والامبريالية – هذا التعبير للرفاق – وخاصة ضد سياسة بوش الغبية، هذا لا يغيرّ الرأي عن أصول التعامل، هذا من جهة ومن جهة ثانية ليس الحذاء ولا بوش ولا العملية هي موضع النقاش، وإنما ردود الفعل وكأننا حررنا الجولان أو وحدنا العروبة، أو قضينا على الأمية والفقر، أو كأننا أعدنا للمرأة حريتها وكرامتها كإنسان، المسألة تحتاج لتحليل نفسي.. إنه الهروب، لكن هل يتسع فضاء الزيدي لكل هذه الجماهير حتى تفرغ شحنتها فيه؟..

لسانان للإنسان، واحد في الجزء العلوي وآخرٌ في الطرف السفلي، والثقافة ألاّ نخربط بينهما…

بودابست، 18 / 12 / 2008