الرئيسية » مقالات » ثقافة العنف

ثقافة العنف

نعتقد بأن كل من رأى الصورة التلفزيونية للرئيس الأمريكي جورج بوش مع نوري المالكي؛ رئيس الوزراء العراقي في مؤتمرهم الصحفي في بغداد بتاريخ 14/12/2008 وهو (أي السيد بوش) يتفادى ضربة الحذاء ولمرتين على التوالي وذلك من قبل منتظر الزيدي المراسل التلفزيوني لقناة البغدادية، قد شعر بالامتعاض والاشمئزاز لهذا التصرف اللاأخلاقي والمشين وذلك لأسباب ودوافع أخلاقية وسياسية وحضارية، إلا أولئك الذين لا يعرفون من اللغات غير لغة الحذاء والضرب والقتل في التعامل مع الآخر المختلف. وبالتأكيد هذا ليس دفاعاً مجانياً للسياسة الأمريكية في المنطقة وإن كنا من المؤيدين لها، على الرغم من ملاحظاتنا وتحفظاتنا لبعض القضايا والمسائل في تلك السياسة والتي هي موضع خلاف وجدال وخاصةً ما يتعلق منها بالجوانب التي تمس قضايا منطقتنا الشرق أوسطية وتحديداً قضية شعبنا وبلدنا سوريا.

نؤكد مجدداً بأن سلوك (الصحفي) ذاك؛ مراسل البغدادية بعيد كل البعد عن لغة الحوار والثقافة والتي هي من أبجديات عمل أي صحفي يحترم المهنة وحياديتها وموضوعيتها، ناهيك عن مفاهيم (إكرام الضيف) والتي هي خاصية عربية – حسب إدعاء أصحاب الدعوة – وعلى الأخص أن الرجل؛ أي السيد جورج بوش كان في بغداد وضيفاً على الحكومة والشعب العراقي وإهانته في “عاصمة الرشيد” تعتبر إهانة للحكومة والشعب العراقي عموماً. ونؤكد كذلك بأن سلوك رمي الرؤساء والقادة بالطماطم والبيض الفاسد يمارس أحياناً في أوروبا ولكن ممن ولمن؛ حيث من العادة أن يكون الفعل من قبل (الغوغاء والعامة) وموجهاً لزعمائهم. وهنا نود أن نسأل كل (هؤلاء الأخوة) الذين مجدوا وما زالوا تصرف (منتظر الزيدي)، ماذا لو تعرض رئيس بلد عربي في أمريكا أو أي دولة أوربية لهذا التصرف المشين من قبل أحد العامة وليس من قبل صحفي لوكالة أجنبية (تحترم نفسها) وماذا كان يمكن أن يكون رد فعل الشارع العربي و.. هل ذاك العمل يدخل في خدمة قضايا المنطقة أم تكشف للأمريكي والأوربي وبشكلٍ أكثر جلاءً؛ بأننا شعوب غير متحضرة وما زلنا لا نملك من لغات الحوار غير لغة الحذاء وثقافته.

أما بخصوص الماجدين والشاكرين والمهللين لمنتظر الزيدي والذين كتبوا فيه معلقات من الشعر وخرجوا متظاهرين مناشدين العالم والحكومة بالإفراج عنه وإعتباره (بطلاُ قومياً ووطنياً شريفاً) – وبالتأكيد عالمهم هم؛ أصحاب المدرسة الصدامية والجهادية التكفيرية والبعثيين القومجيين وغيرهم من الذين لا يتوانون عن ممارسة أي سلوك إجرامي وذلك بغية تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم – فإننا نسألهم لما لا نشاهد بطولاتهم هذه في غير العراق الحر الديمقراطي وهناك إحدى وعشرون بلداً عربياً آخر ورؤساء وقادة الدول الأجنبية ومنها أمريكا وبريطانيا تزورهم في الشهر أكثر من مرة، فهل تجرأ أحدهم مثلاً أن يفكر برمي غوردن براون – مع حفظ الألقاب وحفظه من التعرض لهكذا تصرف – بالطماطم ولن نقول الحذاء وهو يزور (قلعة الصمود والتصدي وبلد الممانعة الأول) سوريا، وماذا لو تجرأ فعلاً أحد الصحفيين ورمى السيد براون بوردة وليس حذاء في مؤتمره الصحفي مع وليد المعلم مثلاً وليس بشار الأسد وإننا نترك الجواب لأولئك المهللين، مع أن السيد جورج بوش أجاب بما معناه؛ بأن هكذا أعمال وإن كانت غير لائقة فلا ترتكب إلا في أجواء الحرية والديمقراطية وبالتالي فهذا وسام للحكومة والشعب العراقيين مما حققوه إلى الآن.

إن الحادثة هذه؛ (ضرب الرئيس الأمريكي بالحذاء) ذكرتني بجلسة جمعتنا مع عدد من الأصدقاء ومن بينهم رجل متخصص في الإلكترونيات؛ دكتوراة في البرمجيات الحاسوبية وبعد جدالٍ ونقاشٍ لا يخلو من بعض الحماس والحرارة الشرقية وبنبرة عالية إلى حدٍ مسموحٍ به ومن دون عراك بالأيدي و(قذف الأحذية) في وجه الآخر وذلك لكون المتجادلون ينتمون لفئة راقية من المجتمع ويعتبرون من مثقفيها. نعم.. ونحن في تلك الحمية الجدالية فقد وجه لي الدكتور سؤالاً يتعلق بالسلوك العنفي والإجرامي للإنسان وسأل: لما من بين شعوب العالم نجد بأن الإنسان العربي هو الوحيد الذي يلجأ إلى العنف والإرهاب في علاقته مع الآخر المختلف عنه قومياً سياسياً أو حتى دينياً مذهبياً ولا نجد هذه الظاهرة عند الشعوب الأخرى. طبعاً إجابته هو كان يتمحور حول نقطة جوهرية وأساسية في تكوين الثقافة والشخصية العربية على إعتبار أنهم (أي العرب) لم يعرفوا تاريخياً ديناً سماوياً متسامحاً مثل المسيحية أو البوذية والزرادشتية.

بالتأكيد لن نعيد الجدال بمجمله هنا وإنما نريد أن نؤكد، مرة أخرى، على ما ذهبنا إليه، بأن الفكرة/التهمة تحمل من التناقض والنفي والتضاد مما تضعفها مقدماً ولكن لا ضير من النقاش حول القضية وطرح المسألة من جديد؛ لما الإنسان العربي هو الأكثر عنفاً أو على الأقل هذه ما تتناقلها وسائل الإعلام كصورة نمطية له. فإن كان كما أدعى الصديق الدكتور بأنه لم يعرف ديناً سموحاً كالمسيحية فإن المسيحية وغيرها من الأديان التي تعرف بالسماوية وغير السماوية قد مرت بمراحل من العنف والدماء لا تقل عن التي أريقت على أيدي المسلمين والعرب وما محاكم التفتيش والقرون الوسطى في أوروبا إلا نموذجاً عن تلك الجرائم التي كانت ترتكب باسم الدين وحتى باسم الطوائف المختلفة.

وهكذا فإن عرف السيد المسيح بالتسامح والمحبة إلا أن المسيحية كمؤسسة وليس عقيدة غير ذلك تماماً أو على الأقل كانت قد عرفت العديد من المجازر باسم الدين وإن كان اليوم هناك فصل بين الدين والدولة في حياة المواطن الأمريكي والأوربي وبالتالي ليس هناك إلا دولة مسيحية واحدة بالمعنى العملي القانوني والدستوري لحياة مؤسسة ما، وهي دولة معنوية أكثر من أن تكون دولة عملية واقعية ألا وهي الفاتيكان. ولكن كيف أستطاعت الشعوب الأوربية وبعد كل تلك الويلات والحروب والمآسي أن تنتقل بمجتمعاتها من حالة العنف والحروب إلى الحالة المدنية الحضارية بينما الشعوب الإسلامية والعربية منها على الأخص ما تزال تقبع في المستنقع الدموي، بل لما من بين الشعوب الإسلامية نجد بأن الإنسان العربي هو الأكثر عنفاً سلوكاً وثقافة أو على الأقل هكذا هي الصورة النمطية له في وسائل الإعلام كما قلنا قبل قليل.

بعيداً عن الأحكام المسبقة والحالة الضغائنية المتوارثة عن العقلية والدوافع والإختلافات الأيديولوجية والقومية وترسباتها في وعينا السياسي السلبي تجاه الآخر القريب والمتجاور المتفصل معنا جغرافياً وحضارياً فإننا نؤكد بأن لا صحة للمفاهيم العنصرية والتي تدعي بالخصوصيات العرقية القومية بحيث ندعي مع المدعين بأن هذا السلوك العنفي هي (ميزة أخلاقية)، بل عرف وسلوك توارثتها الشخصية العربية من ثقافة الغزو والسبي للقبائل العربية في البادية مع عدم التنكر لثقافة تلك المرحلة والتي يمكن أن يقال عنها بأنها ثقافة مشتركة لكل شعوب المنطقة؛ بمعنى أن كل شعوبنا الشرق أوسطية قد عاشت بشكلٍ أو آخر ثقافة الإغارة على القبيلة الأخرى وبالتالي فهي ليست ذات طابع عربي خاص حتى يقال بأن العنف الموجود في البلدان العربية ما هي إلا حصيلة تلك الثقافة التي كانت سائدة في البادية العربية.

أما إن كانت العلة والسبب تكمن في الإسلام والثقافة الجهادية والتي تحرض على “الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الحق” وهو ليس ببعيد عن الواقع وما يمارس على الأرض، حيث أن الغالبية المطلقة من الجماعات التي تمارس الإرهاب والعنف وتسمى بمسميات القاعدة وتوابعها وفروعها الجهادية أو السلفية التكفيرية فإنها تمارس أعمالها العنفية تلك تحت الغطاء الإسلامي وشعاراتها، بل وتبرر سلوكها ذاك من خلال الإستشهاد بالآيات القرآنية وكذلك بكلٍ من الأحاديث النبوية وسيرة السلف والقياس عليه وهذه تبين وتوضح مدى تجذر الفكر الديني لدى هؤلاء وإن أختلفت معهم جماعات الإعتدال في الإسلام وأنكروا على أولئك (أي على الجماعات المتطرفة والقاعدة) بأنهم يحرفون الدين الحنيف عن الطريق القويم فذاك الرأي هو لتيارٍ يدعي الإعتدال ونعتقد بأنه ليس دقيقاً ومطلقاً؛ كون الدين عقيدة وسلوك أي أنها حالة روحانية وأخلاقيات الفرد في علاقته مع الآخر الدنيوي البشري والغيبي الرباني وبالتالي فلا يمكن لجماعة أن تنفي عن الأخرى مسألة التدين والدين والعقيدة وبأن “صكوك الغفران” بيدها دون الأخرى. وهكذا فيمكن أن نقول بأن القاعدة تعتبر من أهم الجماعات الإسلامية وإن كنا على الطرف النقيض لها سلوكاً ووعياً حضارياً معرفياً.

إذاً ما الذي يجعل سلوك الفرد يمتاز بالعنف والعنجهية وهل حقيقةً بأن الشخصية العربية أكثر تشدداً وعنفاً من غيرها – طبعاً لا تعني بحال من الأحوال بأن هذه الصفة هي خاصية سلوكية لكل المواطنون العرب، وإنما نناقش حالة ثقافية حضارية في الواقع العربي والمنطقة عموماً – وهل صحيح أيضاً بأن الإنسان العربي (يتفرد) بهذه الخصوصية من بين شعوب المنطقة وهناك الكورد والترك والفرس وغيرهم من الشعوب الإسلامية في هذه الجغرافية الشرق أوسطية وأليس الحالة الأفغانية تؤكد بأن العنف والتشدد ليست ذات طابع قومي محدد بل هي أيدلوجية كما غيرها من الأيديولوجيات التي يمكن أن تجد لها أنصار ومؤيدين من بين كل شعوب العالم. ولكن أليس واقعاً وحقيقةً كذلك بأن غالبية من يمارس العنف اليوم في العالم هم من العرب، بل إن غالبية قادة جماعات الإرهاب في أفغانستان والشيشان وغيرها من مناطق التوتر في العالم هم من العرب وليس بخافٍ على أحد مقولة “العرب الأفغان أو الأفغان العرب”.

هي حقيقة مرة؛ بأن جل العنف في العالم يأتي من “العالم العربي” ولكن يبقى السؤال الأهم برأينا: لما هذا العنف والتطرف، فهل يكمن في الثقافة العربية البدوية والغزوات والسبي، أم هي ناتجة عن حالة الفقر والحرمان والإضهاد بشقيه: الداخلي من أسياده وقادته (الوطنيين) وكذلك من الخارج وحالات القهر والذل أمام (العدو) المتجبر المتكبر، أم أن الطبيعة القاسية والعنيفة لحياة الصحراء العربية قد جذرت هكذا ثقافة ووعي في الحالة السلوكية والوعي الذاتي العربي؛ بأنه كان على طول المسيرة التاريخية ذو شخصية مسقلة سيادية لم يعرف القوانين والنظم التي (تحشره) في حدود دولة أو مؤسسة مدنية، أم هي عائدة إلى نوع من ثقافة التسيد على الآخر، حيث في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي وعلى الرغم من الإدعاء بأن “لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” كانت المراكز السلطوية والقيادية حكراً على العرب دون غيرهم، ناهيك عن المرحلة الأخيرة في التاريخ الحديث والخطاب القومي التعبوي.

وهكذا يكون قد أنتقل من شعار “خير أمةٍ أخرجتم للناس” إلى آخر مماثل والتي تدعي بأنها (أي الأمة العربية) “ذاتُ رسالةٍ خالدة” وكأن الأمم الأخرى من دون رسائل أو على الأقل رسائلها “غير خالدة” وبالتالي مما أوجد نوع من الفكر التسيّدي والفوقي في الوعي العربي وبأن ما على الآخرين إلا أن يكونوا أقل منه شرفً ومرتبةً إن لم نقل عبيداً لديه. ولذلك وعندما يصطدم بالواقع الراهن ويجد بأن ذاك الآخر قد قهره في “عقر داره” وبين أهله وعشيرته، فإن رد الفعل الأولي والطبيعي هو بأن يرد كرامته وعنفوانه ولكن وعندما يدرك بأنه لا يملك القدرة على المنافسة معه ثقافياً حضارياً فإنه يلجأ إلى (التقليل) من حضور ذاك الآخر الطاغي وذلك إما من خلال عمل عنفي دموي أو سلوك غير حضاري كضربة الحذاء الأخيرة والمدوية والتي لا تختلف سلوكياً عن التي ضربت بها تمثال صدام حسين، وإن كنا قد هللنا مع الآخرين للأولى وذلك عندما أنهال أحد المواطنين العراقيين على تمثال للرئيس العراقي الأسبق.. حيث نعتقد بأن لا فرق كبير بين الحالتين فكرياً وحضارياً وليس تعبيراً وإدانةً.

وبالتالي فعلينا أن نعيد قراءة واقعنا الحضاري والقيمي والبحث عن الجذور في عمق الوعي الثقافي للمنطقة والتي تشكل النواة الحقيقية لسلوكياتنا وعلاقتنا مع الآخر، مهما كان ذاك الآخر، بحيث أن نتمكن من الوقوف على مناطق الضعف والخلل في تلك الأساسيات والجذور ومعالجتها أولاً وأخيراً من خلال وعي حضاري وإنساني مستفيدين من تجربة الدول الأوربية والتي أستطاعت أن تجتاز قرون العنف والحروب وبالتالي الوصول بمجتمعاتنا إلى سوياتٍ حضارية قائمة على أساس أن الإنسان هو محور الحياة والحضارة ونعتقد بأن ذلك لن يكون إلا من خلال الدولة المدنية وليس المؤسسة الأمنية.

هولير –18/12/ 2008