الرئيسية » مقالات » أين هي الأخلاق الانتخابية

أين هي الأخلاق الانتخابية

قد أبدو أشرا أو بطرا عندما أحاول تطبيق ما في نفسي وما يعتمل في داخلي لأنه من المستحيل أن تأتي الصورة مثال التخيل ولكن لابد مما ليس منه بد ،ولعل التنبيه للخلل يدعو لتجاوز الزلل ،فقد تصورت أن الانتخابات الحالية ستجري وفق الرؤية المرسومة في فكري عندما وقع ممثلو الكيانات السياسية على وثيقة شرف (بالدم) على عدم التجاوز على قانون الانتخابات وتعليمات المفوضية ،وتوقعت أن يكون الالتزام الأخلاقي هو السائد بعد أن تعهد من تعهد وأقسم ن أقسم ،ولكن يبدو أن العهود هوائية،فما جرى في الانتخابات السابقة سيكون هو ما يجري في هذه الانتخابات وأول الغيث قطر ثم ينهمر ،فقد ذكر(الملف برس) في تقرير خبري من محافظة بابل أنه” يستعد ضرغام البالغ من العمر 30 عاما والذي يقود فريقا خاصا من الشباب العاطلين عن العمل من مناطق مختلفة للمشاركة في موسم الدعاية الانتخابية، إذ أجرى اتصالاته، كما يقول، مع قياديين في القوائم والكيانات السياسية يحصل خلالها على أسماء القوائم والمرشحين فيها ومبلغ من المال يدفع مقدما، أما العمل الذي يتوجب على ضرغام وفريقه القيام به هو الاتصال بشبكة من الشباب ليتوزعوا على المراكز الانتخابية ويثقفوا على الحزب أو القائمة او المرشح قبل دخول الناخبين للمركز الانتخابي حيث يقف شاب أو أكثر قرب المركز الانتخابي يعطي أوراقا تحمل اسم الحزب ليتم تأشيره في استمارة الناخبين.

يقول ضرغام: حققنا انجازات كبيرة خلال الانتخابات الماضية من خلال توزيع القصاصات الورقية على الناخبين وبرز نجاحنا الحقيقي في القرى والأرياف حيث يكثر الأميون الذين لا يجيدون القراءة والكتابة فنعطيهم القصاصات الورقية التي تحمل اسم الحزب وما أن يصلوا إلى هناك يسلموا الورقة المكتوب عليها اسم الحزب ويتم الانتخاب وفقا لها.

ويضيف: بالتأكيد نحن نستغل أكبر عدد ممكن من الأحزاب المرشحة للفوز بالانتخابات كما أننا نعمل لكل حزب حسب شعبيته فلا نثقف لانتخاب حزب علماني في منطقة أو قرية معروفه بولائها للأحزاب الدينية بل نروج لكل حزب حسب المكان والاستعداد النفسي لدى المواطنين.

ولا يقتصر العمل بهذا الاتجاه على ضرغام وفريقه بل هناك فرق وتجمعات أخرى تستخدم أساليب أكثر فاعلية في استقطاب أصوات للمرشحين، فسامي البالغ من العمر 35 عاما كون فريق عمله من الأصدقاء والمقربين منه ممن يتوزعون في مناطق مختلفة من محافظة بابل وهو يستعمل أساليب جديدة للحصول على أصوات للمرشحين ممن أعطوه الأموال الطائلة، ويقول: حصلت على أموال كثيرة خلال الانتخابات الماضية وبالتأكيد لن أفوت فرصة الحصول على الأكثر في الانتخابات القادمة.

وأضاف: استعملت أساليب مختلفة إلا أنها تعتمد بشكل أساس على المال قمت بتوزيعه على العاملين معي وبدورهم يعطون جزءا منه لمن يعمل معهم وهكذا نحن نعمل بشبكة عنقودية ساعدت كثيرا على وصول معظم البرلمانيين إلى الحكومة ويتلخص عملنا بعملية شراء الأصوات من خلال إعطاء المواطنين بضعة آلاف مقابل ترشيح الجهة التي نريد أو إننا نعمل على كسب بعض العاملين ضمن كادر المركز الانتخابي أو ممثلي الكيانات السياسية الذين لعبوا دورا بارزا في زيادة عدد أصوات الناخبين للجهة التي نريد مقابل مبلغ من المال لا يتجاوز 10 آلاف دينار للصوت الواحد وطبعا الدفع بعد أن ينتهي الفرز داخل كل مركز انتخابي. ”

وقد أعيدت اللعبة مجدا عندما بدأت الحملة الانتخابية فقد دأب مرشحي بعض الأحزاب والكيانات والأشخاص بتوزيع الملابس والبطانيات وكارتات الموبايل وإقامة الولائم لشريحة الشباب بالذات وربما سيقومون بعد أيام بإعطاء مبالغ من المال للشباب من أجل التصويت لهم في الانتخابات ،وقام أحد المرشحين وهو عضو مجلس محافظ رزقه الله من أموال الأعمار فأبتنى أحسن القصور وأسس أكثر من شركة مقاولات تحصل بشتى الطرق على الأعمال في المحافظة وتباع إلى مقاولين ثانويين،وأصبح وجه الوجوه وعين الأعيان بعد أن كان مهربا للأسلحة والأفيون إلى المملكة العربية السعودية في الزمن البائد،وقد قام المرشح الكريم بإعطاء مبالغ مالية لسواقي السيارات العاملين في خطوط النقل الداخلي لإلصاق صورته على سياراتهم ،ولصق دعايته الانتخابية على أسجية الدوائر،وتوزيع الكارتات والملابس للشباب العاطل عن العمل وإقامة الولائم لهم رغم أن قانون الانتخابات يمنع منعا باتا استخدام السيارات وبنايات الحكومة في الدعاية الانتخابية،ورغم أن مسئولي المفوضية يرون بأعينهم هذه التجاوزات إلا أنهم يغضون النظر عنها ،لأن المرشح المذكور له تأثيره في المحافظة بحكم المركز الذي يحضا به كعضو مجلس محافظة، وإن قانون انتخاب مجالس المحافظات وضع عقوبة لمن يتلاعب بالانتخابات في المادة 38 بالحبس لمدة 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 100 ألف دينار ولا تزيد عن 500 ألف دينار لكل من غير إرادة ناخب أو كتب أو اشر على اسم لم يقصده الناخب كما عاقبت المادة 39 من القانون المذكور بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من انتخب مرشحا مقابل منفعة مادية أو وعد بإعطائه فائدة،ولا أدري لماذا تشرع القوانين إذا لم تأخذ طريقها إلى التطبيق.

وتمزيق الملصقات سمة الانتخابات الماضية والانتخابات الجديدة فما أن تلصق الإعلانات الانتخابية حتى يبادر الشرفاء لتمزيقها وأزلتها ،وهؤلاء يأخذون أجرهم المعلوم من القوائم المنافسة الأخرى مما يعني أن الخلق الانتخابي المطلوب توفيره لن يكون موجودا ويحتاج الأمر لاتخاذ أجرا آت رادعة بحق القائمين بمثل هذه الأعمال.

وأمر آخر يثير التساؤل من أين لمرشح كل هذه الأموال لينفقها في حملته الانتخابية ،وما هي مصادر أموال الحملة ،أليس في القانون ما يلزم المرشح ببيان مصادر أمواله،وكيفية الحصول عليها إذا علمنا أن بعض الأطراف شاركت بعشرات القوائم وتنفق عليها ملايين الدولارات،ولعل العودة إلى سياقات النظام الصدامي المقبور في مصاريف الدعاية الانتخابية أكثر عدالة مما يجري حاليا فجميع حظوظ المرشحين واحدة وتتكفل الدولة صرف نفقات الانتخابات ويكون نوع الدعاية واحدا لكافة المرشحين عن طريق الإعلان الحكومي فقط وعلى هذا يجب أن تتولى الدولة تنظيم الدعاية الانتخابية وأدارتها بمساواة بين جميع الأطراف وتتكفل وضع البوسترات والملصقات وأعدادها وأماكنها ويقتصر عمل المرشحين بالدعاية الشخصية التي لا تتطلب منهم غير الاتصال بالمواطنين وحثهم على الاختيار وبذلك يتساوى الجميع في نوع الدعاية والإعلان،لأن التباين الحاصل بين القوائم المدعومة بملايين الدولارات والقوائم الفقيرة كبيرا جدا فبعض هذه القوائم يمتلك العديد من الفضائيات التي تروج له ويستطيع الأنفاق (بدون وجع كلب) بما يمتلك من إمكانات مالية توازي ما تتملكه بعض الدول المجاورة،وبعضها يستجدي ثمن البوستر والملصق واللافتة ولا يمتلك أي وسيلة إعلامية للدعاية والترويج ,وهذا غبن وتمايز يجب السعي لتغييره لتطبيق المساواة في الفرص.