الرئيسية » التاريخ » قيام النظام الاماراتي في كوردستان وسقوطه الحلقة الثانية

قيام النظام الاماراتي في كوردستان وسقوطه الحلقة الثانية

وقال زعيم باباني محمود باشا لمستر ريج عند زيارته لمدينة السليمانية قائلاَ:((ان فقدان الامن بالنسبة الى ما في حوزتنا هو السبب الوحيد لخراب بلدنا. فبينما نحن، رجال القبائل، غير واثقين من حيازتنا لاقطاعياتنا، لن نسخر جهودنا في المجال الزراعي.
لماذا اضع طغار(يساوي طنين) من البذور في الارض في الوقت الذي انا لست فيه متأكداَ من ان سيدي(الامير) سيظل في الحكم حتى موسم الحصاد؟(يقصد كثرة تغير الولاة العثمانيين). فبدلاَ عن ذلك، سأدع الفلاحين يزرعون الارض بالطريقة التي يرونها مناسبة ، واحصل منهم على ضريبتي، وهي الزكاة او العشر، وكل ما استطيع ان اعتصره منهم بمختلف الوسائل والحجج)). فرضت السلطات العثمانية نظاماَ تعسفياَ للضرائب لم تأخذ بنظر الاعتبار الاوضاع الاقتصادية في ولاية، وانما حاجة الخزينة المركزية(باب العالي) الى المزيد من المصادر المالية بغض التظر عن كيفية ايجادها كما استغل حكام الولايات نظام الضرائب لصالحهم وسيلة للثراء الشخصي بشكل سافر.
يكتب لاريارد بخصوص تصرفات محمد رشيد اينجه بيرقدار والي الموصل قائلاَ:((مادام الحاكم يدفع الاموال الى اسطنبول فان الحكومة المركزية لاتهتم الا بالقدر اليسير، هذا اذا أهتمت اطلاقاَ، باوضاع الباشلاق وسكانه. في الواقع، كان الباشا مستقلاَ تقريباَ عن سيطرة اسطنبول، وكان في استطاعته اضطهاد الرعية الخاضعة له، ابتزاز الاموال منها وان يعرضها الى الخراب والبؤس التام كما يشاء)).
اما بخصوص الاوبئة فلم تقم الولاة العثمانييون باية محاولة لمعالجة ونشر الوعي الصحي وادخال حقن لتلقيح ضد الجدري وامراض الاخرى فان الاوبئة زاد من سوء الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية بخاصة الطاعون.
وشهد ريج خلال زيارته الى السليمانية كيف كان يعبث الجدري((بشكل واسع بأرواح سكان المدينة، الذين لم يملكوا اية لقاحات)).
وبعد عقدين تقريباَ ادى انتشار الوباء الى وفاة نصف سكان مدينة السليمانية والمناطق المجاورة لها، وهاجر الكثير من سكانها الباقين الى كركوك واربيل وراوندوز.
كما سبب سوء الاحوال الجوية، كقلة الامطار، وهجوم الجراد وانتشار المجاعة تدهور الاوضاع اكثر فاكثر.
ويرجع (أر. أي. ميغنان) اسباب ترك الفلاحين لقراهم الى الحملات العسكرية التي يشنها القوات العثمانية التابعة للولاة سوء ضد الامراء الكورد الخارجين على سلطتة الوالي ام ضد الفرس الطامعين بالسيطرة على أراضي ولاية شهرزور والموصل وفي كل الاحوال كان القرويون يدفعون الضريبة عن طريق تقديمهم مجندين جدد للمشاركة في الحروب وتسديدهم ضرائب خاصة، المالية ومنها العينية(مواد غذائية) للجنود المارين في قراهم. ولاحظ (أر. اي. ميغنان) ان الاضطهاد العثماني للفلاحين في منطقة شهرزور وولاية الموصل وولايات اخرى قد اجبر العديد من الفلاحين الكورد على ترك أراضيهم واللجؤ الى مناطق جبلية وعرة ونائية ومن الصعب الوصول اليها تاركين أراضيهم بدون الزراعة ولجوئهم الى تربية المواشي والتي اصبحت موردهم المعيشي الاساسي وهذا لم يقتصر على القرى بل شملت المدن ايضاَ وكان سكان المدن يقصدون الارياف سعياَ وراء العمل وقد لاحظ(سون) اي بعد مرور(90) سنة على زيارة ريج الى السليمانية ان الكثير من سكانها ظل يحتفظ بصلات قوية مع الريف الكردي.
اما التجنيد الاجباري فكان الطامة الكبرى وكان اغلب ابناء الشعب يهربون من عملية تجنيدهم. لان الدولة العثمانية كانت تدفع للجنود وبشكل غير منتظم راتباَ ضئيلاَ جداَ لايسد الرمق في افضل الاحوال وتزودهم بملابس واحذية رديئة النوعية.
ومع كل هذا فكانت ترسلهم الى اقاليم غير عثمانيه ونائيه لقمع الأنتفاضات فيها او سيقوا الى حروب كبيرة كانت غالباَ ما تنشب بين القوى الاقليمية المتصارعة من اجل الهيمنة. ولم يرجع العديد من هؤلاء المجندين الى مدنهم وقراهم ابداَ بسبب الموت او الاسر. وفي غيابهم كانت عائلاتهم تعاني من مشاق الحياة ومشاكل اقتصادية كبيرة. لان هؤلاء المجندين غالباَ ما كانوا المعيل الاساسي لها وفي سبيل حماية ابنائها اضطرت العديد من العائلات الى ترك محل سكناها في المدن والقرى الخاضعة للسيطرة العثمانية واللجوء الى مناطق عاصية نائية خارجة عن سيطرة الولاة العثمانيين.
اما حول الاعمال الوحشية التي نسبت الى امير سوران محمد راوندوزي والتي يقال بانه ارتكبها ضد المسيحين والايزيديين فان الباحث سعد بشير اسكندر يقول: فلا يتطرق احد الباحثين الذين كتبوا عن امارة السوران وقائده امير ميران محمد الرواندوزي الى التطرق لشهادة عدد من الرحالة والمبشرين الدينيين والمسؤولين الاجانب الذين عاصروا عهد الامير محمد رواندوزي قائلاَ((فلا يذكر الطبيب جون روص في ملاحظاته الشخصية ولا جيمس فريزر في كتب رحلاته ايا من تلك الاعمال الوحشية المزعومة وحتى اولئك المعاصرين الاجانب الذين اتخذوا موقفاَ غير ودي وحتى عدائي من حركة الامير محمد من امثال الدكتور غرانت وجستين بركين، فضلاَ عن جي.أي. رسام(الذي كان مسيحياَ كلداني الاصل ومن الموصل وشاهد عيان) لم يذكروا، ولو باشارة بسيطة، مجازر جيش سوران المزعومة ضد الايزيديين أو أهالي القوش المسيحيين فاذا كان العامل الديني هو الذي دفع الامير محمد (رواندوزي) على قتل الايزيديين، فلماذا لم يقم الامير اذن بقتل رئيسهم الذي وقع أسيراَ بيده، أو ان يدمر قبر الشيخ عدي المقدس عند الايزيديين في لالش الذي وقع تحت سيطرته؟!)).
اما حول اسباب غزو امير سوران محمد الرواندوزي لمناطق الايزيدية يقول احد الباحثين قائلاَ:ـ
1ـ وقوف الايزيديين في الشيخان ضد امارة صوران من خلال تحالفهم مع امير بادينان الذي دبر مؤامرة قتل زعيم المزوريين لـ(علي بالطة) في قرية (باعذري).مركز الايزيديين.
2ـ ومن الناحية العسكرية لم يكن بامكان جيش امارة سوران الاستيلاء على العمادية ودهوك وزاخو بسهولة من دون احتلال شيخان لانه سيكون في مقدرة الايزيديين مهاجمة جيش امارة سوران من الخلف وقطع الامدادات عنها اذا ما حاول مير محمد راوندوزي الزحف على امارة بادينان في العمادية.
3ـ ويضيف القس الامريكي بركينس نقطة اخرى وهي ان رهبان كلدانيين حاولوا تحريض الامير محمد راوندوزي ضد زعيم النساطرة(مار الياس) من اجل اجباره على اعتناق الكاثوليكية. بعبارة اخرى لم تكن هناك مجازر ضد المسيحيين في القوش سواء اكانوا كلدانيين او نساطرة.
تؤكد المعلومات التي وفرها الرحالة والمغامرون الاجانب مثل تافرينر وجلبي عدم وجود اي عداء او حروب دينية بمعنى الكلمة بين قبائل الكوردية المسلمين والمسيحيين حتى مطلع العقد الرابع من القرن التاسع عشر.
وان هجرة النساطرة من منطقة جبال في بادينان الى منطقة هكاري الجبلية(اي من الموصل الى كلمرك) يرجع الى اواخر القرن السادس عشر عقب نشوء صراع طائفي مرير بين النساطرة والكلدان في مقاطعات بادينان ، فبينما بقى النساطرة متمسكين بكنيسة نسطورس القديمة وبزعامة البطريرك(او المار شمعون وهو لقب الزعيم الروحي للنساطرة).
تحول الكلدان الى المذهب الكاثوليكي حيث قدموا ولاءهم الى المؤسسة البابوية في روما. لكن يذكر سون ان الاضطهاد المغولي والتتري كان السبب الذي اجبر النساطرة وزعيمهم الروحي المار شمعون على الهجرة الى هكاري.
ويستنتج ميجر سون من ما قاله المسيحيون الكلدان ومن الوثائق القديمة التي قدموها له خلال زيارته الى كوردستان ان الجماعات المسلمة والمسيحية عاشت في ظل علاقات جيدة منذ القرن الرابع عشر. وبعد ان أصبحت المنطقة مسرحاَ لرجال الارساليات التبشيرية البروتستانية الامريكية الانكليزية ومنطقة لمنافسة القوى الكبرى الدولية المتمثلة بـ(روسيا وانكليز) تغييرت الاوضاع تركت آثارها السلبية على العلاقات الكردية ت المسيحية بشكل عام طبقاَ الى احد الرحالة الروس(اكوليوباكين) تعود كل البعثات التبشيرية الامريكية المقامة في الدولة العثمانية والفارسية الى(المجلس الامريكي لمبشري البعثات الخارجية) التي تأسست في بوسطن تبع مجيء رجال الارسالية الامريكية قدوم ارسالية بعثتها الكنيسة الانكليزية بعد عدّة اعوام وتعود بداية اهتمام البريطانيين على المستويين الرسمي والكنيسي الى وقت بعثة الفرات الاستكشافية بقيادة الكولونيل جنسي الذي ارسلته الحكومة البريطانية في عام 1835م.