الرئيسية » مقالات » عقوبة سجين رأي “القندرة”!

عقوبة سجين رأي “القندرة”!

العمل الغير اخلاقي الذي قام به مراسل فضائية البغدادية المدعو منتظر الزيدي أساء كما اشرنا في مقال سابق الى كل العراقيين وليس للرئيس الامريكي الذي في عرف البيت الابيض انما يُعد هذا العمل نوعا من الاعتراض والامتعاض! بيد ان فعل ضرب اي مواطن لمواطن اخر بالحذاء يعاقب عليه القانون الامريكي حتما فكيف بمن يقوم بهذا الفعل الشنيع اتجاه الرئيس الامريكي؟! لكن رؤوساء الدول المتقدمة ومسؤوليها يترفعون عن معاقبة احد مواطنيهم لمجرد انه اساء الادب بحقهم ويعدون ماقام به عملا “صبيانيا” لايرقى الى العقوبة المشددة وهو ماتعامل به الرئيس الامريكي بوش حينما قال “اذا اردتم معرفة المزيد فان الحذاء مقاس 10” وهو تصريح يخفي الكثير من الدلالات اولها ان الفاعل “صبي يبحث عن شهرة مجانية” وليس اخرها ان الرئيس الامريكي كما هو لن تؤثر عليه هذا التجاوز الصبياني!

أغرب ماقرأت هو ان البعض يستدل على صحة فعل الزيدي بقصص أقل شأنا من قبيل رمي رئيس الوزراء البريطاني بالطماطم او بالبيض الفاسد متناسين ومتجاوزين ان من قام بهذا الفعل هم مواطنون من جنس وصنف رئيس الوزراء البريطاني وهو مالايتطابق مع حالة الزيدي مطلقا! بكلمة اخرى لو كان الزيدي قد قام بهذا الفعل خارج قاعة المؤتمر الصحفي لما كان لنا وقفة معه لسبب بسيط هو ان الزيدي قد استغل منصبه الاعلامي والهوية التي يحملها والثقة المطروحة فيه لحضور هذا المؤتمر وتجاوز على رئيس دولة تربطه معاهدة مع دولة العراق وبحضور رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وهو مايعد اهانة للمالكي والحكومة العراقية قبل ان يكون للضيف.



العرب في كل نازلة:

للاسف الشديد ان أغلب الذين زايدوا على وطنية وعراقية من استهجنوا فعل الزيدي هم من مصر والاردن وهي دول ترفع العلم الاسرائيلي ولايجرؤ ايا منهم على المرور من جنبه والنظر اليه بنظرة غير مقبولة فضلا عن رميه بالطماطم او حتى بالورود! واذا ماتجاوزنا مايحدث في المغرب مثلا حيث قضت محكمة مغربية قبل شهرين تقريبا بالسجن على “ياسين بلعسال” البالغ من العمر 18 عاما وهو لازال طالب مدرسة بتهمة “اهانة الملك” لمجرد انه قد استبدل اسم مليكه محمد السادس باسم فريق كرة القدم المفضل لديه فكتب (الله، الوطن، برشلونة) بدلا من المعتاد في شعار المملكة (الله، الوطن، الملك)!

ليس هذا كل شئ في بلاد العرب ففي فبراير من العام الحالي كانت هناك قضية مشابهة تم فيها حبس “احمد ناصر” المواطن المغربي حتى توفي في السجن لمجرد “وشاية” من شرطي قال فيها ان ناصر قد تلفّظ بكلمات نابية بحق الملك حينما كان الاثنان مسافرين على متن احدى الحافلات. الجدير بالذكر ان المتهم لم يشفع له عمره البالغ 95 عاما كما لم يشفع له مرضه وهو مقعد على كرسي فحكم على الشيخ بالسجن ثلاث سنوات مع غرامة (1500 دولار)!!! أقول نتجاوز هذا وننتقل الى بقية الدول العربية:



مصر:

في مصر الكنانة أصدرت نقابة الصحفيين المصريين بيانا تساند فيه حذاء الزيدي! لاغرابة.

بداية لم يشكل اي اهتمام لتلك النقابة عزم حكومتهم هذه الايام على تصدير ثروة مصر من الغاز الى الكيان الصهيوني بقدر مااخذ حذاء الزيدي وكأنهم يقولون ان ثروتهم لاتساوي حذاء مهترء او انهم لايجرؤون على الكلام ولو الدعائي منه في حضرة حكومة مبارك؟!

كما ان لنا وقفة سريعة مع هذه النقابة التي لم تتحرك بذات القوة في اتجاه مااتخذته محكمة مصرية في ايلول العام الفائت حينما قضت بالسجن سنة مع الشغل وتغريم اربعة رؤوساء تحرير صحف مصرية وهم ابراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة الدستور وعادل حمودة رئيس تحرير الفجر ووائل الابراشي رئيس تحرير صوت الامة وعبد الحليم قنديل رئيس تحرير الكرامة مبلغ 20 ألف جنيه مصري (3540 دولارا) لكل منهم في وقت قالت المحكمة ان رؤساء التحرير قد ألحقوا بكتاباتهم “ضررا مباشرا” بالمدعين لان “الاعتداء على الحزب الحاكم ورموزه يقلل من شأن الحزب ومكانته وقدره”! فهل بعد هذه الديباجة بقي شئ يُقال؟! سجن اربعة رؤوساء تحرير صحف لها وزنها في المجتمع المصري وتغريمهم لمجرد نقد الحزب الحاكم! ديمقراطية عربية لامزايدة عليها مطلقا.

ليس هذا كل شئ في ام الدنيا بل حكمت “محكمة محرم بك” بالإسكندرية في فبراير 2007 قرارا بحبس المدون المصري “عبد الكريم نبيل سليمان” المعروف باسم (كريم عامر) لمدة أربعة سنوات بدعوى “إهانة الرئيس مبارك”! الأغرب أن كريم قد ارتكب تلك “الجريمة المزعومة” على مدونته بالإنترنت وليس وجها لوجه كما فعل منتظر الزيدي وهو يهوي بحذاءه على الرئيس الامريكي بحضور رئيس الوزراء العراقي. فلماذا لم تشكّلوا فريق دفاع أيتها النقابة لانقاذ هذا المسكين من قبضة الجلادين؟!



الأردن:

المضحك المبكي هنا دعوة صالح العرموطي نقيب المحامين الاردنيين الى تشكيل فريق للدفاع عن “البطل الزيدي” على حد وصف العرموطي وهو مايذكّرنا بجوفة الدفاع عن صدام لتمر الايام وينتهي برئيس الفريق بوّابا عند احدى العمارات المتواضعة في عمّان! في هذا السياق لايسعني الا ان اذكّر العرموطي بقضايا اقل شأنا حدثت في الاردن ونال اصحابها عقوبات مجحفة ولم تحرّك نقابته ساكنا او يرف له جفن. هنا نذكّر الاخ نقيب المحامين بقضية الدكتورة “زهرية إبراهيم عبد الحق” نائب عميد كلية التربية في جامعة الإسراء الخاصة، التي اتهمتها محكمة اردنية بــ “التقليل من مقام وهيبة الملك” وذلك وفقا لما جاء في قرار الظن وذلك على خلفية رفضها تعليق صورة الملك على حائط مكتبها! بينما صدرت ملاحقة قانونية بحقها لانها عللت رفضها وضع الصورة بالقول:”عادة وضع صور الملوك والرؤساء خلف المكاتب عادة عربية بالية ومنافقة، يجب التخلص منها، والتخلص منها لا يجب أن يشكل أي جريمة”!

هذا الحدث ياسيد عرموطي في بلدك الذي يردد فيه المليك عبارة (حرية التعبير في الأردن سقفها السماء)! وهي مقولة سقطت عند اول اختبار ميداني لها! فأين كانت نقابة المحامين الاردنيين وقتها واين كان النقيب وأين حرية التعبير التي ينادون بها اليوم؟! نقول ذلك ونحن متاكدون ان الزيدي لو كان مواطنا اردنيا ولو قام بما قام به في حضرة الملك الاردني لنادى العرموطي نفسه باعدام الزيدي!



ليبيا:

المثير للضحك حقا في هذا السياق ان “الجماهيرية العظمى” التي شرعت الابواب لامريكا على كل الصعد الاقتصادية والامنية والسياسية فضلا عن غلق الملف النووي في غمضة عين وقد هدرت عليه بلايين الدولارات من خزينة الشعب الليبي وقوت الليبيين البسطاء. هذه الدولة منحت الزيدي “نوط الشجاعة” على غرار ماكان يفعله صدام في وقت تمتلأ فيه السجون الليبية بسجناء الرأي!

“فتحي الجهمي” الذي لم يشفع له عمره البالغ 64 عاما يعتبر اليوم أشهر السجناء السياسيين في ليبيا، فقد واجه هذا الرجل حكم بالإعدام بتهمة القذف بحق الزعيم الليبي معمّر القذافي والتحدث إلى دبلوماسي أمريكي! في “بلد نوط الشجاعة” يُعدم من يتحدث الى دبلوماسي اميركي في حضرة القذافي ولنا ان نتصوّر عقوبة من يرمي بحذائه على الرئيس الامريكي؟!

في قضية مماثلة فان الجهمي هذا قد اعتقل من قبل قوى الأمن الليبية في منتصف اكتوبر من عام 2002 وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات لمجرد دعوته “الغاء الكتاب الاخضر”! لم تكتف قوات الامن بهذا الفعل او الحكم بل داهمت في اليوم التالي منزل الجهمي بطرابلس واعتقلوا زوجته وابنه واحتجزتهم في مكان مجهول مدة ستة أشهر دون أي اتصال بأقاربهم أو محاميهم! نكتفي بهذا القدر من بلد الانواط!



المعاهدة العراقية-الامريكية:

رغم اننا من الذين دعوا الى تعديل الاتفاقية وبما يتناسب مع الوضع العراقي الا اننا نحترم تلك الاتفاقية لانها قد استنفذت الطرق القانونية والدستورية لاقرارها. وطالما اننا قد احتكمنا للمسالك الديمقراطية وارتضينا افرازاتها فلابد ان نتمتع بروح وطنية عالية ونتقبل تلك المعاهدة خصوصا بعد اقرارها من قبل البرلمان العراقي ومن قبله الحكومة العراقية والا فاننا سنظهر كمن يأخذ من الديمقراطية مايناسب هواه!

وفقا لما تقدم فان الرئيس الامريكي لا ينطبق عليه وصف “رئيس دولة محتلة” بقدر مالدولة هذا الرئيس من معاهدة مع العراق مشابهة لمعاهدات كل الدول العربية والاقليمية التي تربطها معاهدات مع الولايات المتحدة الامريكية وبالتالي فان الاعتداء عليه بالضرورة هو اعتداء على ضيف فضلا على الحكومة المضيفة وعلى راسها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كان واقفا الى جنب الرئيس الامريكي.



شخصيا لدي تساؤل الى كل الذين ساندوا فعل منتظر الزيدي ووصفوه بـ “البطل” وأقول ماذا سيكون ردة فعل اتحاد الصحفيين المصريين لو ان من قام بهذا الفعل مواطن مصري في حضرة الرئيس مبارك؟! ماذا سيكون ردة فعل نقابة المحامين الاردنيين لو ان مواطنا اردنيا قد سب ولانقول ضرب بحذاءه دبلوماسيا اميركيا ولانقول الرئيس الامريكي في مؤتمر صحفي يحضره الملك عبدالله؟! ماذا سيكون ردة فعل ليبيا لو ان مواطنا ليبيا قد اعتدى على احد المسؤولين الحكوميين الامريكيين، هل ستقلّده قيادته “نوط الشجاعة” كما فعلت مع الزيدي ام ان مكانه سيكون وراء الشمس؟!

اخيرا وبما ان العراق دولة عربية فليس من الاخلاق ولا المنطقي ان يشذ عن قاعدة اتفق عليها القادة العرب وارتضتها شعوبهم ومابين تهم السب والقذف والاهانة فليس هناك من يختلف على ان ماقام به منتظر الزيدي هو اهانة علنية بحق رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ولابد للقضاء العراقي ان يقول كلمة الفصل فلنترك الشعارات جانبا وان كنت شخصيا اتمنى اطلاق سراحه لسبب بسيط هو لكي لانجعل منه “بطلا” حقيقيا و “سجين رأي قندرة”! كما لايسعنا الا ان نقول للمطبّلين والمزايدين “خيرها بغيرها” واحسن الله عزاؤكم فقد اثبتم كما هو المعهود من المثل العراقي الشهير (في كل عزا لطّامة)!