الرئيسية » مقالات » حوار ودي مع الأستاذ رزاق عبود

حوار ودي مع الأستاذ رزاق عبود

قبل سنتين أو أكثر كتبت مقالاً تحت عنوان “هل الشعب العراقي عظيم؟ نشر في الحوار المتمدن. وكان هدفي من هذا المقال ليس إهانة الشعب العراقي الذي أنا منه وإليه أعود , بل أردت منه تأشير ثلاث قضايا جوهرية , وهي:
1 . أن الشعوب كلها متماثلة من حيث المبدأ وليس هناك من شعوب عظيمة وأخرى غير عظيمة , إذ أن التمييز بين الشعوب يجرنا , شئنا أم أبينا , إلى الرؤية العنصرية أو العرقية للشعوب. , فأذا كان هناك شعب عظيم فلا بد أن يكون هناك شعب غير عظيم , وهو أمر غير معقول.
2 . لا تجوز مجاملة شعب ما بمثل هذا القول , أنه يجافي الحقيقة الراهنة التي يعاني فيها شعبنا من الفقر والفاقة والجهل والمرض واستمرت الدكتاتورية تحكمه 35 سنة عدا الدكتاتوريات السابقة. وأن هذا الشعب بحاجة إلى معرفة الحقيقة عن نفسه ووضعه والمأساة التي عاش ولا يزال يعيش فيها.
3. والناس الطيبون وغير الطيبين نجدهم في صفوف كل الشعوب , وكذا الثورات تقوم بها كل الشعوب , ولم يمارسها الشعب العراقي وحده , كما لم يفتقد ثورته وحده , بل الكثير من الشعوب الأخرى.
وحين كتبت في العام 1995 في كتابي الموسوم “ساعة الحقيقة – مسقبل العراق بين النظام والمعارضة – وأرجو أن يكون الزميل قد قرأه , ويمكن السيد أبو اسكندر أن يهديه نسخة منه , كنت أتوقع وبكل وضوح وصراحة أن في قوى المعارضة العراقية سمات معينة لا تختلف كثيراً عن سمات صدام حسين. ,ايامنا هذه تشير إلى ذلك. وحين أقول أن شيئاً من سمات صدام حسين فينا ليس في هذا شتيمة , بل يعبر عن طبيعة التربية الاجتماعية والسياسية والثقافة الموروثة عن الحكام منذ مئات السنين هي التي جعلت تلك السمات فينا , الاستبداد والقسوة والموقف من المرأة في التربية البيتية والمدرسة والعنف والتوتر والثقافة العامة , إنها نتاج غياب الحرية والديمقراطية وسيادة الاستبداد في المجتمع وليست جزءاً من جيناتنا نحن العراقيين.
والسنوات المنصرمة تبرهن على واقع التركة الثقيلة للنظام الصدامي في العراق. ومن زار العراق وعاش فيه يدرك حقيقة هذا الأمر وويدرك حجم التغيرات التي طرأت على العراقيين خلال السنوات المنصرمة. هذه السمات لا تقتصر على العراقيين , بل نجدها في كل المجتمعات التي مرت بظروف مماثلة للظروف التي مر بها الشعب العراقي على امتداد 1400 سنة , بل على امتداد ألاف السنين.
وحين طرحت هذه الموضوعة في الندوة الخاصة بثورة تموز 1958 في استوكهولم وصفق الحاضرون ليس لأني كنت خطيباً يستجدي عطف الحضور أو لأني حاولت إثارتهم حيث يقول الزميل الفاضل ” وطبعا صفق له البعض بحماسة البلاغة التي تعود خطبائنا على خداعنا بها كما يفعل سياسيو الغرب، وكنت اظنها بدعة عربية قبل ذلك”. (راجع المقال المنشور في الحوار المتمدن بتاريخ 31/7/2008 , والذي أعيد نشره في نهاية هذا المقال لاطلاع من لم يطلع عليه لكي يعرف اسباب هذا النقاش). ليس في مقدور صراحتي أن تخدع أحداً , بل يمكن أن تثير انزعاجاً , كما اثارته في الزميل الفاضل , إذ أننا لا نتحمل النقد عموماً ولا نريد الحقيقة أن تقال في وجوهنا صراحة.
إن إشكالية الشعوب النامية , ورغم الحضارة القديمة التي أنتجتها , أنها قد تعرضت لانقطاع حضاري طويل الأمد , ثم تعرضت للهيمنة الاستعمارية والنهب , والكثير منها لا يزال يعاني من الحالتين حتى الآن. وهذا الواقع ترك تخلفاً فكراً وسياسياً واجتماعيا وثقافيا وغياباً لأي تنوير ديني يخرج الإنسان من ظلمات التخلف إلى نور الحياة الفعلية والتقدم الحضاري.
العلاقات الاجتماعية , وفي مقدمتها طبيعة العلاقات الإنتاجية , تخلق تلك السمات السلبية التي نجدها في الشعب العراقي وفي شعوب كثيرة أخرى. والشعب العراقي لا يتميز عن الشعوب الأخرى في المنطقة بأي سمات تجعله أفضل من غيره من الشعوب, واستخدام العظيم ليس سوى استخفافاً بالناس الذين يعيشون مأساة حياتهم ولا نقول لهم استفيقوا أيها الناس الشرفاء و أستفيقوا لتدركوا ماذا يراد لكم واين يدفعون بكم وما هي عواقب “صم بكم عمي فهم لا يفقهون”.
خلال خمس سنوات قتل في العراق ما لا يقل عن نصف مليون إنسان , وقبل ذاك تسبب نظام صدام حسين بموت ما لا يقل عن مليون ونصف المليون إنسان من أهل العراق , ومع ذلك لم يستطع الشعب الخلاص من الدكتاتور الأهوج إلا عبر قوى خارجية اسقطت النظام , وبالكاد استطاع تقليص الإرهاب الذي سلط عليه وتقليل عدد الموتى والجرحى والمعوقين اليومي.
أنا أحب شعبي كما يحبه السيد عبد الرزاق عبود , لا أزيد ولا أقل , ولكني بنهجي الفكري والسياسي صريح مع نفسي ومع أهلي , وأقصد هنا الشعب كله , في العراق , وأريدهم أن يعووا واقعهم المؤلم ولا أخدعهم بكلمات العظيم أياً كان قائلها. وأن كان الأخ عبود يسمى صراحتي شتما للناس فهذا شأنه , ولكن أعتذر له لأنه أحس بأنها شتيمة , ولكني لم اشتم الشعب ولم أشتم الحضور في استوكهولم ولم اشتمه ايضاً , بل صارحتهم والبعض الكثير ربما لا يحب الصراحة , ولكن الحضور المثقف في استوكهولم صفق للصراحة وليس لأن كاظم حبيب استخدم البلاغة في الخطابة!
ليست الشعوب الأوروبية عظيمة , فهي كباقي الشعوب , وليس الناس في أوروبا كلهم مسئولون عن الاستعمار وعن الهيمنة الأجنبية , بل أن العلاقات الإنتاجية التي سادت في دولهم هي التي تسببت في الهيمنة الاستعمارية. ولم يكن الفتح الإسلامي يختلف عن الاستعمار والهيمنة الأوروبية واستخدام مصطلح الفتح لا يخفف من الهيمنة على الشعوب والدول الأخرى. ليس هناك من يصفق لأوروبا , بل التاريخ هو الذي يتحدث عن جوانب أوروبا المشرقة والمظلمة. وإذ نؤيد الجوانب المشرقة ونبتناها , نشجب الجوانب السلبية وننتقدها ونكافح ضدها , ولكن ايها الأخ الفاضل قطعت الشعوب الأوروبية شوطاً بعيداً في التطور الحضاري , العلمي والتقني وحقوق الإنسان , وبالتالي فهي أكثر تقدماً منا حيث نعيش في وسطهم انتم وأنا وغيرنا , ولكن رأسمالييها والنظام الاقتصادي الاجتماعي الذي ساد ولا يزال سائداً هو الذي تسبب في الهيمنة الاستعمارية السابقة أو في استخدام أساليب وأدوات جديدة من أجل الهيمنة واستعمار ذات المناطق وفق أسس وقواعد أخرى.
كم كنت أتمنى أن يفكر الزميل عبد الرزاق عبود معي بالروحية التي طرحت فيها الموضوع , وليس من خلال الشعور بالإساءة للكرامة حين قلت أن “كلاً منا فيه شيء من صدام حسين”. أرجو وأتمنى أن أكون مخطئاً! ولكن كل يوم نعيش في العراق ونجد أمامنا ما يبرهن على صواب ما أشرت إليه , ولكن أكرر واقول بأن هذا ليس من جيناتنا الخاصة , بل بفعل التربية والاستبداد الطويلين وسياسات النظم التي عاش تحت وطأتها الشعب العراقي على مدى مئات بل الاف السنين.
اعتذر عن التأخير في الحوار , إذ لم أطلع على مقال السيد عبد الرزاق عبود إلا هذا اليوم , والحوار معه ومناقشة الفكار الواردة في مقاله مفيدة حتى لو تأخر الوقت.
16/12/2008 كاظم حبيب

رزاق عبود
razakaboud@hotmail.com
الحوار المتمدن – العدد: 2359 – 2008 / 7 / 31
بصراحة ابن عبود
قبل فترة كتب البعض، وتندرعلى، وعارض، واستكبر مقولة الشعب العراقي “العظيم”. ومنهم استاذنا الدكتور كاظم حبيب. كما كررالكثير من الكتاب، والمتحثين، للاسف، ان “في كل عراقي يسكن صدام حسين”. ويقصدون العنف، والوحشية، والقمع، والغدر، والخيانة، والسادية، والتسلط، والتعنت، والقتل، والفردية، والديكتاتورية، والدموية، والسادية، والتعطش للدم، و.. و.. وغيرها من الصفات الهمجية التي ميزت شخصية الفاشي صدام حسين.
فهل هذه فعلا سمات كل عراقي؟؟؟!!
في اليوم الاخير لايام الثقافة العراقية. التقليد السنوي الجميل لنادي 14 تموز في ستوكهولم، و المخصصة هذا العام لتمجيد اليوبيل الذهبي لثورة 14 تموز المجيدة. كان المحاضر يوم 14 تموز 2008 هو الكاتب المعروف الدكتور كاظم حبيب، الذي شتم الحاضرين(عن غير قصد) بهذه الفرضية الظالمة مرة اخرى. وطبعا صفق له البعض بحماسة البلاغة التي تعود خطبائنا على خداعنا بها كما يفعل سياسيو الغرب، وكنت اظنها بدعة عربية قبل ذلك. نسي الكتاب، والمتحدثين الذين يكررون هذه العبارة الظالمة، بحق العراقيين. ان الامور لا تعمم، واننا عندما نقول “العراق العظيم” لا نقصد “عراق صدام” كما كان يردد الديكتاتور المقبور. والشعب العراقي العظيم. لانقصد به الثلة المجرمة التي تحكمت برقاب العراقيين منذ 8شباط 1963 حتى 9نيسان 2003 وبعدها باشكال، وصور مختلفة، وبمسميات اخرى، وبدرجات اقل، وغير مباشرة.
نحن نقصدالشعب العراقي العظيم الوريث لاقدم، واعظم الحضارات البشرية. وقاهر الطوفان، والطاعون، والغزوات، والاحتلالات المتعاقبة. نقصد الفلاحين الذين فرضوا على الانكليز حكما وطنيا بقوة المگوار الذي انتصر على المدفع( الطوب احسن لو مگواري). نقصد الشعب العراقي الذي خرج صباح الرابع عشر من تموز ليحمي ثورته، ويشل تحرك القطعات المعادية للثورة وكانت اكبر بكثير من امكانيات الثوار. الشعب الذي شل الاسطول الامريكي السادس، الذي نزل في لبنان، وقوات الليفي البريطانية التي نزلت في الاردن لاجهاض الثورة، واعادة العراق (الحصان الجامح) الى اسطبل النفوذ الانكلو امريكي، وحلف بغداد، وحكم نوري السعيد. الشعب الذي اسقط قبل ذلك معاهدة بورتسموث، وفرض انتخابات ديمقراطية نسبيا عام 1954 وتضامن مع مصر ضد العدوان الثلاثي، ومنع نوري السعيد من اين يكون العراق الطرف الرابع في العدوان، كما تسعى امريكا الان، ليكون العراق منطلق عدوانها وتأمرها على دول الجوار وقوى التحرر في المنطقة. الشعب الذي فرض مجلس الاعمار، و”خبز الاعاشة”. الشعب الذي خرج عام 1961 يطالب بالسلم في كردستان. الشعب الذى حمى التاميم عام 1972. الشعب، الذي لم يحم صدام، وساهم فعليا بسقوطه. عندما نقول الشعب العراقي العظيم نقصد مهدي الخالصي، وعبدالجبارعبدالله ، ومحمد سلمان حسن، وعبدالفتاح ابراهيم، ويوسف سلمان، والاب انستاس الكرملي، وعزيز شريف، والرصافي، ومظفر النواب، والجواهري الكبير، نقصد بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وسعدي يوسف، ومحمد سعيد الصكار، وعبدالوهاب البياتي، ورشدي العامل، ومصطفى جمال الدين، وهادي العلوي، وغالب طعمة فرمان، وزينب، وناظم الغزالي، ومحمد الكبنجي، ويوسف العاني، وقاسم محمد، وجواد سليم، وفائق حسن، وفؤادالتكرلي، وخضير عبدالامير، وعبدالله كوران، وبي كه س، ومهدي المخزومي، وابراهيم السامرائي، والاف مؤلفة من المبدعين، والمناضلين، والشهداء في سبيل عراق خال من العنف، والاقتتال من كل مكونات الشعب العراقي.هذا الشعب الذي يرفض ان يموت، يرفض ان يستسلم، يرفض ان يشوه تاريخه. فتصدى للطائفية، والطائفيين، مؤخرا، وافشل مخططاتهم لرسم العراق بخارطة طائفية، بغيضة.

ان شخصية صدام حسين ليست عراقية، ولا تميزالعراقيين. انها فريدة في اجرامها مثل ناظم كزار. تلتقي في همجيتها، مع عصابة تاريخية من القتلة، والمجرمين من الحجاج، وهولاكو حتى عيدي امين مرورا بستالين، وبول بوت، وهتلر، وموسيليني، وفرانكو، وباتيستا، وبينوشيت، وغيرهم ممن غرقوا بدماء شعوبهم. في مسيرة التاريخ العالمي يغافل هؤلاء المجرمين التاريخ، ويعتلوا سدة السلطة ليرتكبوا المجازر بما تسوله لهم نفسياتهم المريضة، وعقدهم البائسة. وانت تعيش في المانيا يا استاذنا، لا يمكن ان نحرم الشعب الالماني مثلا من صفة العظمة، وهو يفتخر بماركس، وبريخت، ونيتشة، وغيرهم. لايمنعهم ان النمساوي المعقد هتلر قادهم، وقاد العالم الى دمار الحرب العالمية الثانية، ولا يتحمل الشعب الجيورجي جرائم ستالين بحق رفاقه، وشعوب الاتحاد السوفياتي، والعالم باسره. والحديث يشمل موسوليني ايطاليا، وفرانكو اسبانيا. وغيرهم ممن تحتقرهم شعوبهم، وتنظر اليهم كلطخة عار كريهة تشوه تاريخهم. انا اعرف انك تقصد النزعة التهميشية، والفردية، والقسوة، وغيرها من صفات العنف الفردي. وهذه لا يختص بها الشعب العراقي. بل ان مراحل التطور الاجتماعي هي التي تفرض نمطا من التعامل، والسلوك البشري. ففي الوقت الذي يصفق فيه مثقفونا لاوربا متناسين تاريخها الاستعماري، يقوم مثقفوا اوربا بتعرية التاريخ الدموي الاستعماري المخزي لبلدانهم. اوالمديح المج، والاشادة النشاز الان لامريكا، ومشروعها “الديمقراطي” المحمول على دبابات الاحتلال العسكري، وهم يعرفون جيدا تاريخها الدموي، واهدافها في غزو العراق، واحتلاله، الامرالذي يصرح به حتى مرشح الرئاسة الديمقراطي، ومسؤولين سابقين، وحاليين كبار في المؤسسة الامريكية ومن الحزبين.
العراق، والعراقي فيه قيم انسانية رائعة كثيرة تطغي على مايشذ احيانا. فصفات،الطيبة، والنخوة، والكرم، وحسن الضيافة، واحترام الغريب، وعزة النفس، وتقدير المبدع. هذه القيم الجميلة هي ما مايميز، ويجمع العراقيين، وما يتفاخرون به، وليس جرائم صدام. ان سرسري مثل صدام لا يمكن ان يكون صورة لكل عراقي. فكثيرا ما نسي العراقيون جراحهم في سبيل المصلحة العامة. وكثيرا ما هبوا لنجدة بعضهم رغم كل الفوارق، والاختلافات. ومن المؤسف ان تخرج هذه الشتيمة من الشخص الذي شاهد، وعاش، وخبر الكثير، وهو يتحدث عن شخص عراقي (عبدالكريم قاسم) عرف بالتسامح حد السذاجة. بل ادى به مبدأ “عفا الله عما سلف” ان يكون صدام حاكما للعراق، وعلى مدى سنوات اذاق فيها العراقيون الذل والهوان.

مع كل الاحترام والتقدير للمحاضر كاظم حبيب، وكل العظمة لشعب تموز، وثورته العظيمة!!