الرئيسية » مقالات » هولوكوست عامودا والقانون الدولي 4-2

هولوكوست عامودا والقانون الدولي 4-2

لايخالجنا أدنى شك أن مجزرة عامودا الوحشية ليست وليدة فكرة أو نتيجة عمل سواء شخص بمفرده أو مجموعة أشخاص أو جهة معينة دون غيرها،بل نعتقد انه جرى التخطيط لها في أقبية استخبارات نظام دولة الوحدة العنصري والحاقد على الشعب الكردي بصورة سافرة.و شارك في التحضير والتجهيز والاستعداد لها مسؤولين وقياديين من أعلى المستويات،بما فيها كوادر ومسؤولين من حزب البعث السوري-تيار أكرم الحوراني،بالرغم من صدور قرار رسمي بحل جميع الأحزاب ولكنه رفض حل نفسه. ومن المعروف انهم كانوا متغلغلين في صفوف جهاز الاستخبارات والأمن وإدارات الدولة، فضلا عن عناصر وقياديي الحزب القومي المعروف بمواقفه المعادية للكرد ومن خلال معرفتنا بتاريخ الحرب العالمية الثانية ولاسيما أساليب وطرق النازيين في ارتكاب المجازر الوحشية واحراق مناطق وقرى بكاملها في عدة دول من شرق وغرب أوربا،توصلنا إلى استنتاج مفاده تعاون هذه الأطراف الاجرامية الثلاثة في تنفيذ المحرقة،حيث ستكون موضع البحث في الحلقات الثلاثة المتبقية من هذا البحث.لقد أشرنا في الحلقة الأولى إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار وتحليل الأوضاع الدولية والإقليمية والداخلية في سورية ابان حكم الوحدة الأسود بهدف فهم خلفيات واستيعاب دواعي وأسباب تلك الجريمة البشعة،وتناولنا بشكل أساسي الوضع الداخلي السوري وها اننا نتابع هذه الفكرة.
– منعت حكومة الوحدة التحدث باللغة الكردية وأقامت رقابة صارمة وكانت تقمع كافة مظاهر التعبير السياسي والثقافي والاجتماعي الكردي.
– – وليس من الصعوبة أبدا ادراك الدواعي التكتيكية لفتح إذاعة كردية في القاهرة وفي الوقت نفسه منع الكرد من الاستماع إلى إذاعة يريفان باللغة الكردية واعتقال قيادات البارتي ومصادرة كافة انواع المواشي لدى الكرد ومنع تجارة الحبوب.بل ذهبت تلك الحكومة العنصرية إلى حد بعيد في تجويع الكرد وتضييق الخناق عليهم وشكلت لجان من قوى الأمن والشرطة خصيصا لهذا الغرض،تجوب المناطق الكردية جميعها،بحثا عن الحبوب أو رؤوس الماشية المخبأة بعناية لغرض مصادرتها والاستيلاء عليها.واتذكر أيضا أن المصريين كانوا يأخذون البطاطا السورية ذات النوعية الجيدة إلى مصر ،بينما كانت الأسواق السورية مليئة بالبطاطا المصرية الرديئة جدا،ناهيك عن غيرها من البضائع المصرية التي لم تجد طريقها إلى المستهلك المصري. وامتلأت المدارس في غربي كردستان بالمعلمين المصرين،بينما غالبية المعلمين الكرد أصبحوا بدون عمل.
– على الرغم من صغر سن كاتب هذه الأسطر في ذلك الوقت[ مواليد عامودا] وهي سبع سنوات ولكنني أتذكر كيف كان والدي يستلم حصتنا من الطحين وبعض المواد التموينية الأخرى.فالأوضاع المعيشية كانت سيئة للغاية وعلى وجه خاص تضييق الخناق في ظروف الحصار والتجويع القاسي.
– واتذكر أيضا صعود شعبية الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في غربي كردستان بما فيها مدينة عامودا بالذات،حيث عندما كنت أزور أقراني شاهدت صوره معلقة في عدة بيوت و كان البعض يحتفظون بها سرا،وسمحوا لي بمشاهدتها في غرف مغلقة مع الرجاء بالتكتم على ذلك ولدى سؤالي عن صاحب الصورة وسبب الخوف أجابوني:انه رئيس العراق عبد الكريم قاسم،الذي سمح بعودة البارزاني إلى العراق واعترف بحقوق الكرد،وحكومة الوحدة تمنع القيام بالدعاية له ولا تريد تعليق صوره أو الاحتفاظ بها.
– على هذا النحو و كما يتضح من هذه الحقائق،استجد في ذلك الوقت صراع قوي وحاد بين جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم على زعامة حركة التحرر العربية،سيما إذا أخذنا بالحسبان أن الكرد في غربي كردستان بغالبيتهم العظمى كانوا يميلون إلى تأييد عبد الكريم قاسم لأسباب واضحة لا تخفى على أحد بما فيها:
– 1- سماح الحكومة العراقية في العام 1959 وبأمر مباشر من رئيس الدولة عبد الكريم قاسم بعودة الزعيم التاريخي لشعب كردستان ملا مصطفى بارزاني مع العديد من البيشمركة الأبطال الذين رافقوه في مسيرته البطولية عبر جبال كردستان الشامخة إلى الاتحاد السوفياتي
– 2- الاعتراف الدستوري بشعب كردستان واعتبار الشعبين العربي والكردي شريكين متساويين في البلاد،مما كان له صدى إيجابي لدى شعبنا في غربي كردستان لاسيما في ظروف مظالم واضطهاد حكم الوحدة العسكري والديكتاتوري.
– 3-تنفيذ العديد من الخطوات التقدمية داخليا لاسيما التأميم وتطبيق الاصلاح الزراعي جزئيا،اطلاق حرية الصحافة وتأسيس الأحزاب وإلخ وسياسة خارجية معادية للتحالفات والكتل الرجعية والاستعمارية.
تحولت عامودا بصورة خاصة ونظرا لتركيبها الكردي التام وتحت تأثير المستجدات والتحولات العميقة في العراق وجنوب كردستان إلى مركز ثقل للفكر القومي الكردي التحرري في غربي كردستان إلى جانب قامشلي حيث رفدت الحركة المسلحة لشعبنا في جنوب كردستان بالمئات من المتطوعين والمناضلين، فضلا عن الكوادر العلمية والحزبية ولم يكن ذلك بخاف على أعين وجواسيس نظام الوحدة أبدا.لذا فأن توجيه ضربة إلى الشعب الكردي وبواسطة مجزرة جماعية ضد التلاميذ الكرد وفي وسط مدينة كردية، شهدت نهوض وعي قومي ملحوظ من شأنها إحداث ليس حالة شاملة من اليأس والإحباط والقنوط فحسب،بل التشرذم والانكفاء والتشاؤم وامتداد هذا الشعور العام من انهيار المعنويات وكسوف الروح إلى خارج حدود مدينة عامودا المناضلة وانتشارها في كافة انحاء غربي كردستان.استهدفت تلك المؤامرة المدبرة بعناية الشعب الكردي بأكمله لتحطيم إرادته ونزوعه إلى التحرر من الاستعباد القومي والاضهاد الاستعماري البربري.فالآثار المعنوية والسيكولوجية من جراء وقع تلك الصدمة التي انحفرت عميقا في الذاكرة الجماعية للكرد سواء في عامودا أوغيرها من المناطق،أحدثت أثرا بالغا يستحيل نسيانها.وفي الوقت ذاته خلقت جيلا مناضلا متسلحا بالكوردايتي الذي حول وبكل فخر غربي كردستان إلى نافذة لجنوب كردستان وثورته على العالم الخارجي، تلك الانتفاضة الميدية العظيمة التي التهبت في الستينات بقيادة الخالد بارزاني ولم تستطع قنابل النابالم ولا السلاح الكيماوي ولا الانفالات العديدة التي استخدمها ونظمها الاستعمار العراقي من اخمادها وخنقها وانتهت في نهاية المطاف بقيام الفيدرالية في القرن الواحد والعشرين.وعلى هذا النحو انتصرت الإرادة الكردية على قوى البغي والبطش والعدوان ولم تذهب دماء أطفال عامودا وأجسادهم المتفحمة هباء.
الوضع الاقليمي السائد أنذاك
لعب حلف بغداد في تلك الحقبة دورا رجعيا وعلى كافة الأصعدة ضد حركات التحرر الوطني والقومي في المنطقة وبصورة خاصة حركة التحرر الوطني الكردستاني،لاسيما اذا أخذنا بعين الاعتبار أن جنوب كردستان تحول وبقيادة البارزانيين الأبطال إلى مركز ثقل وبؤرة العمل الثوري الكردي،بعد سقوط جمهورية مهاباد، للخلاص من الاستعباد والاضطهاد القوميين. لذا كانت مشاركة الضباط الكرد مثل فؤاد عارف وغيره في ثورة تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم واتخاذ الحزب الديمقراطي الكردستاني قراره التاريخي بدعم النظام الجديد وتعبئة الجماهير الكردستانية في هذا الاتجاه،أكبر الأثر في انتعاش القوى اليسارية والثورية في المنطقة.أصدرت حكومة قاسم قرار العفو عن البارزانيين وبقية البيشمركة المناضلين والسماح بعودتهم في نيسان 1950[ أثيرت في الصحافة العربية ولاسيما السورية بوجه خاص حملة صاخبة ومعادية لعودة البارزاني والبيشمركة الشجعان إلى العراق وكردستان،التي دأبت وبصورة مصطنعة للغاية على تأجيج نار الدعاية المزعومة والكاذبة حول خطر الانفصال الكردي]،انسحاب العراق من هذا الحلف العدواني، دخول وزيرين كرديين إلى الحكومة العراقية الجديدة وانضمام الشخصية الكردية المرموقة خالد النقشبندي إلى المجلس الأعلى للدولة والاعتراف بالشخصية القومية للشعب الكردي وحقوقه على قدم المساواة مع الشعب العربي تأثير بالغ على الحركة القومية الكردية في عموم كردستان ولاسيما الجزء الغربي بسبب الظلم والقمع الوحشي للكرد من قبل النظام القائم. ولم يكن من قبيل الصدفة إشارة الكاتب الانكليزي ديرك كينين أنذاك وفي كتابه الشهير الكرد وكردستان:إن خروج العراق من حلف بغداد شجع الأكراد وعزز من ثقتهم بالنظام الجديد**. بدأت حكومة الوحدة وعلى أعلى المستويات في معاداة حكومة قاسم الثورية وتأجيج حملة ظالمة ضده شخصيا ولاسيما في الصحافة المصرية واتهامه بأن قاسم هو ” قاسم للعراق” وزعمت أن حكومة قاسم قسمت العراق إلى قسمين عربي وكردي في إشارة إلى اعتراف قاسم وحكومته بحقوق الشعب الكردي العادلة.ولهذا السبب بالذات دعمت حكومة الوحدة الديكتاتورية القوى الرجعية والمتأمرة ضد حكومة عبد الكريم قاسم ولاسيما جماعة عبد السلام عارف اليمينية والمحافظة والتي بلغت ذروتها في تدبير المؤامرة القذرة في مدينة الموصل بقيادة الشواف في العام 1959، وحظيت بتأييد دول الجوار مثل تركيا التي حركت القوى الطورانية العميلة في كركوك لتحقيق مطامعها التوسعية من جهة وضرب مكتسبات الشعبين العربي والكردي في العراق من جهة أخرى.أصدرت الحكومة التركية بيانا خاصا بهذا الصدد أعلنت فيها أن: تركيا مستعدةلانتهاج سياسة أكثر نشاطا للدفاع عن مصالحها في كركوك.***وقامت إيران هي الأخرى بتقديم شتى أشكال العون لحركة التمرد الرجعية بقيادة رشيد لولان الذي لم يتم القضاء عليه إلا بعد تدخل فصائل البيشمركة بقيادة الزعيم ملا مصطفى البارزاني.ويسجل التاريخ للمناضلين الكرد الأشاوس بدور بطولي وهام في سحق كافة حركات التمرد الرجعية والعميلة التي هدفت إلى الإطاحة بنظام الحكم التقدمي بقيادة عبد الكريم قاسم في العراق.لقد خلق تطور الأحداث في العراق واشتداد ساعد الحركة الكردية في جنوب كردستان إلى قلق كبير في أوساط حلف السنتو في تركيا وإيران،بما فيها حكام نظام الوحدة العسكري وادى إلى تصاعد وتيرة القمع والإضطهاد في غربي كردستان لعزله عن التحولات الإيجابية في جنوب كردستان والحد من تأثيرها على الجماهير الكردية هنا.وانعكس هذا الموقف الشوفيني والمعادي لتطلعات الشعب الكردي في جنوب كردستان في موقف الحكومة السورية من النضال التحرري لشعبنا حتى بعد سقوط حكومة الوحدة وحدوث الانقلاب البعثي الأسود في أذار 1963،عندما أرسلت لواء من الجيش السوري بقيادة فهد الشاعر لضرب مؤخرة الثورة الكردية،وكان مصير اللواء المذكور سحق وتدمير شبه كامل على أيدي البيشمركة البواسل.ومن المفيد جدا تذكر موقف الحكومة السورية الرسمي الذي أذيع في بيان خاص حول تلك الأحداث في اذاعة دمشق،حيث جاء فيه:بالرغم من أن الحكومة السورية لاتعارض الاعتراف ببعض الحقوق للأقليات القومية في البلاد العربية،ولكنها لاتسمح أبدا الاعتراف بقومية أخرى في البلدان العربية ماعدا القومية العربية****.وكما نرى أن جوهر البعث العنصري والمعادي للكرد ظل كما هو لم يتغير،بل ازدادا أكثر عدوانية ازاء شعبنا في غربي كردستان بعد قيام الفيدرالية في جنوب كردستان واحتمال قيام دولة كردية مستقلة.فالأحداث الواردة أعلاه في جنوب كردستان والجوار هي التي أملت على حكومة الوحدة اتخاذ موقف معين ضد الكرد في غربي كردستان وتوجيه ضربة استباقية لشعبنا قبل استفحال الأمور ونمو المد الثوري،مما عجل في تدبير الإبادة الجماعية في عامودة.
الوضع الدولي.
اتسم الوضع الدولي آنذاك بالتطورات السياسية والاجتماعية العاصفة ولاسيما ضمن سياق الصراع والمنافسة الشديدة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي،حيث كانت حركة التحرر الكردية شأنها شأن حركة أي شعب مضطهد حينئذ وكما هي عليه اليوم،ذات مضمون ديمقراطي وتقدمي ومعادي للأحلاف الاستعمارية وعلى رأسها السنتو والدول الغربية التي كانت تتربص بحركة شعبنا معتبرة إياها جزء من الحركة الشيوعية والتقدمية،لذا كانت تقف بالضد من آمال وتطلعات شعب كردستان في التحرر والانعتاق.
و بهدف القاء مزيد من الضوء وكشف الحقائق عن حريق عامودا البربري، سوف نتطرق في الحلقة الثالثة إلى أحداث دموية ومجازر جماعية ارتكبها النازيون البرابرة اثناء الحرب العالمية الثانية في فرنسا وجمهورية التشيك ومقارنتها مع جريمة عامودة،وعلاقة مجرمي الحرب النازيين والمجرمين ضد الانسانية الذين وجدوا الأمان والرعاية الكاملة سواء لدى الأنظمة القومية التي حكمت سوريا بعد الاستقلال أو من سلطة البعث السوري بعد انتهاء الحرب، بهدف الخروج باستنتاجات معينة تساعدنا في كشف بعض الحقائق التي ظلت خافية علينا إلى يومنا هذا.وفي مجال تقييم الجريمة النكراء من وجهة نظر القانون الدولي العام سوف نعالج في الحلقة الرابعةعمليات التطهير العرقي في عامودا والحسكة وقامشلي من وجهة نظر المعاهدات الدولية المعقودة بهذا الشأن ومسؤولية الدولة السورية عن تلك المجازر والإبادات الجماعية التي ارتكبتها بحق الكرد والمسائلة الجنائية الدولية المترتبة عليها،كونها تعبير عن الجوهر العدواني و العنصري الحاقد لهذه السلطةعلى الكرد وكردستان.
يتبع

*د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا- تشرين الثاني 2008

Derk Kinnane, The Kurds and Kurdistan 1964, P.65**
*** مارونوف وبوتيومكين العلاقات العربية-التركية في المرحلة المعاصرة،موسكو 1961
****Neue Züricher Zeitung.23.02.1964 ( Die Einigung mit den Kurden) im Irak)