الرئيسية » مقالات » هل تتحول الدول العربية لأوربا

هل تتحول الدول العربية لأوربا

من البديهي أن نجد أصوات كثيرة ومثيرة للدهشة تعلو أن العرب والمسلمين لا يردون أن يكونوا مثل الأوروبيين في نواحي كثيرة، وبالتأكيد هناك العديد من المثقفين والمفكرين حاولوا ويحاولون التأثير على واقع الشعوب العربية والأنظمة المتسلطة أن تحذوا حذو الأوروبيين.

تارةً نلجئ للثقافة والأعراف ونضعها حائلاً ومرات نرفع شعار الدين والأخلاق بأن همها يرفضان الطريقة الأوروبية في الحياة، ولا نتمكن من أخذ الصالح وما يدفع عجلة التقدم وترك الطالح إن وجدناه غير ملائم ومضر.

قوى عالمية سياسية واقتصادية راهنت على أنها قادرة لتغيير الواقع المزري لشعوب العربية نحو التطور الإنساني والعمراني والصناعي، لكنها تصطدم في كل مرة بحجاب حاجز عبروا عنه بالجهل المقصود. وهذه المرة كان للحذاء الذي صنع من أجل حماية قدمي الإنسان لكي لا يتضرر عند المشي والعمل حيث سيكون هذا الحذاء (القندرة) أثراً فعالاً لأمرين مهمين:

أولاً: بيان أهمية الرمز وحاجة قسم لا يستهان به من الجماهير لشخصية تقودهم وإن كان نحو الهاوية.
ثانياً: بيان أن الكثيرين من الشعب العراقي خاصةً والشعوب العربية لا تريد العيش مع العالم المتحضر والمتطور وراضون بالعيش تحت رحمة سياط الدكتاتوريات المتنوعة.

الكثير من العرب والعراقيين يتبادلون التهاني بمناسبة قذف الحذاء بوجه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية التي وقفت مع إسرائيل طيلة تاريخ وجودها وكالت بمكيالين أو أكثر، وأنه من خلال هذا العمل الذي قام به (صحفي) وليس مواطن أثبتوا للعالم أنه رمز رفض السياسة الأمريكية مهما فعلت وإن أنجت العراقيين من أشر دكتاتورية في التاريخ المعاصر مع أن ذلك الدكتاتور كان رمزاً للعروبة في نظر الكثيرين ومازالوا متمسكين به وإن أعدم وصب عليه لعنات أهالي الشهداء وأهالي المقابر الجماعية وأهل حلبجة والأهوار والجنوب والوسط وما أدى به الحروب الداخلية والخارجية ولم يكن يتجرأ على كل أفعاله إن لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية من ورائه داعما بكل الطرق المباشرة وغير المباشرة…وكان العرب في نومةٍ عميقة مما يجري على الشعب العراقي من مصائب وويلات. فلم يحركوا ساكناً بل العكس قد زادوا النار زيتاً ومدوه بالمال والسلاح والخبرات والكثيرين شاركوه قولاً وفعلا. وبعد أن رأت الولايات المتحدة الأمريكية أن عنجهية النظام التفرد قد زاد من خطورته وخرج عن الخط المرسوم له وتحول من نتاج خاص لعدو خطر انقلبوا عليه وأزاله بعد دخول الجيوش المتحالفة لبغداد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

العراقيين توقعوا الخير من الوجود الأمريكي، وتوقع الأمريكان استقبالهم بالورود والحلوى ولكن خاب ضن الطرفين…وتصارعت الأحزاب على السلطة والثروات ودخلت جميع الدول القريبة والبعيدة في الشأن العراقي طبقاً لترابط القوى المشاركة في العملية السياسية بتلك الدول والعمل على ضمان مصالح ليست وطنية. مع أن الجميع رفع شعار الوطنية تارةً بأسماء طائفية دينية ومذهبية وأخرى بمسميات قومية وليس فيها من الصحة ذرة إلا تغرير بالمواطن البسيط ليقع في فخ القوى التي لا يهمها إلا مصالحها وإن كان على حساب أجساد العراقيين…وأعداد الضحايا والشهداء والمهجرين والمهاجرين فاق أعداد ما حصده النظام البائد طيلة أكثر من ثلاثون عاماً في خمسة أعوام…ومن كان وراء كل ذلك؟ جميع الأطراف تتهم بعضها ومجموعها تتهم الدول المجاورة والدول المجاورة تتهم الولايات المتحدة الأمريكية…وبات سعر رأس العراقي أرخص من رأس الخروف مع أن كثير من المواشي هربت للبيع خارج الحدود ليقع الاقتصاد العراقي في مأزق، ولكن ليس فقط المواشي هربت…فساهم العراقي ببيع جميع ممتلكات العراق من حديد والنفط والزئبق والشرف العراقي والأرض بما فيها والنظام والقانون والأعراف والتقاليد.
وصبر العراقي البسيط طيلة هذه الفترة يعيش في حالة يرثى لها وهو يشاهد ويسمع أن الحفاة أصبحوا أصحاب الملايين، والذين لم يعرفهم أحد صاروا أصحاب أعلى المناصب وباعوا العراق بثمن بخس لا يذكر. فأين يتجه المواطن ومن يختار ليكون له قائد ورمز. فجاء الفرج المنتظر فكان للحذاء أثر فعال في تفعيل الشارع العراقي الرافض للظلم والجور من أقرب الناس إليه من الذين كانوا مظلومين بالأمس من الذين هجروا وشردوا في بقاع الأرض وعوض أن يكونوا عوناً أصبحوا عبئاً وأكثر ظلماً وجوراً من السابقين.

لو نبرر جميع المآسي بأن العملية السياسية جديدة وتتحمل الأخطاء، لكن الجوع والفقر والنقص في كل شيء حتى الماء والكهرباء لا يمكن أن يتحمله الذي ضحى بكل ما يملك من أجل يوم تسترد له حقوقه المسلوبة والمغتصبة، فالمهجر والمبعد أصبح من المنسيين وأهالي المقابر الجماعية ازدادوا فقراً وظلماً، وأهالي الأنفال وحلبجة لم يروا النور ورد الجميل بل تكالبت القوى ليعيدوا الكرة تارةً أخرى فأهالي كردستان يتخوفون من أن الجيش العراقي يتسلح ويصبح قوياً ثم تباد حلبجة ومناطق أخرى مرة ثانية…والقصف مستمر عليهم من دولتين جارتين لهما أثر واضح في كل مجريات الأمور في داخل العراق…والدول العربية تسهل دخول البغال المفخخة والجيش الأمريكي يحصد الأرواح ويعذب السجناء ولم يجني العراقي من (الاحتلال) إلا القتل والتشريد والتهجير، ولم يرى من القيادات السياسية الجديدة إلا ظلم أضيف لظلم الطاغية…أين يتجهون ومن هو المنقذ…فتأسس جيش (المهدي المنتظر عج) ولكن عبر عنه بأنهم بقايا عصابات البعث وفدائيون (صدام) ومدلو إيران…والأقوال كثرت. وتصادم هذا الجيش العشوائي مع أول رئيس وزراء العراق (د. أياد علاوي) بقيادة القوات الأمريكية، ووقفت أكثر القوى المشاركة في العملية السياسية ضد رئيس الوزراء حتى العلمانيين والليبراليين…ورفعوا من صيت جيش المهدي ومستواه بحيث دخل في صفوفه بعد أن أعدت العمليات في الفلوجة والنجف انتصار كبير على أقوى قوة في العالم. وغنى لها العرب ومازالوا يتغنون بتلك الانتصارات. هو ذات الجيش وقياداته أوصلوا السيد إبراهيم الجعفري لرئاسة الوزراء لكن بشروط نفذها خصوصا في وقفته ضد حقوق الكرد فأسقط وأستبدل…وهو ذات الجيش الذي أصر على أن يكون المالكي رئيس الوزراء ونجحوا في اختياره لكنه أنقلب عليهم ليمحوا هذا الجيش عن بكرة أبيه بفعل الصولات والجولات وسماهم بالخارجين عن القانون لأنه غير قادر من القول بأنه يحارب جيش المهدي فهذا الأمر لا يوافق مبادئه. ووقفت أمريكا معه وهي تدعمه للحظة (القندرة) بوجه رئيسها المنتهي ولايته…فكيف سيفكر أوباما؟؟

هل يبدأ بالبحث والحوار مع مساعديه – ويطرح الأمر التالي:

– إذا كان بوش الذي أنقذهم من الدكتاتورية ودع بحذاء…فكيف يستقبلونني.
– هل أبدأ بالتعاون لتطوير العراق سياسياً واقتصاديا و عمرانياً وصناعياً…أم أنسحب حفاظاً لماء الوجه.
– أم أثأر لرمز أمريكا السابق وهي أمانة لكي أثبت للشعب الأمريكي مهما كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مخطئاً في تقديراته واتخاذه للقرارات يبقى هو ممثل الشعب ورمزه.
– بأي طريقة أخذ الثأر…(إن كان في تصور البعض أن الغرب ليس مثل العرب بأنهم لا يؤمنون بالثأر فليتذكروا أن البريطانيين لم ينسوا ما لقوه من خسارة لمرتين في العراق وهي خسارتهم الوحيدة خلال فترة الإمبراطورية البريطانية) أو على الأقل لم يخسروا في دولة واحدة مرتين، وصبروا سبعون عاماً.
– هل سترك العراق ليلحق به الدمار والخراب ويجعله شعب لا ذكر له إلا الأمراض والصراعات والحروب الداخلية…فجميع الأجواء مهيأة لذلك. (الفوضى)، ولكن ليست الخلاقة لأن الوزيرة البديلة لرايس معرفة توجهاتها وغضبها على العرب والمسلمين.
– الاستراتيجية الأمريكية نحو العراق ستتبدل رأساً على عقب…ولا أتصور بأن أمريكا تترك هذا الأمر وكأنه حادث عرضي..فهم لا يستعجلون في اتخاذ القرارات.
– أم سيصب غضبهم نحو جميع مجتمعات شرق الأوسط لتغيره جذرياً وبالقوة، ويجعلهم أكثر متمسكين بالتغيير القسري.

قذف الحذاء بوجه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كان له صدى كبير في العالم بأسره وليس فقط في العراق والدول العربية والدول التي تعادي أمريكا. لكن ما هو أثره المستقبلي على الشعب العراقي أولاً قبل أن يكون له أثر على شعوب المنطقة. وما سوف يجنوه الذين صفقوا وهتفوا لهذه الفعلة التي هي لا تليق بالأخلاق العربية والإسلامية…ولا الدبلوماسية…ففي صدر الإسلام كان السفراء يحترمون ويكرمون ويؤمنون على حياتهم وإن كانوا من الأعداء…نعم في نظر الكثير أن الولايات المتحدة عدو ومحتل وفي نظر الكثير أن الولايات المتحدة أنقذت العراقيين من ظلم وجور نظام أذاق الشعب العراقي الويلات وإن لم تتدخل أمريكا لحكم العراق أولاد وأحفاد الطاغية…وعاش العراقيين في خوف وكذلك الدول المجاورة.

المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء نوري المالكي والرئيس الأمريكي بوش كان بعد التوقيع على اتفاقية إنهاء الاحتلال…وتوديع الرئيس الأمريكي الذي يتمنى كثير من العراقيين الذين ذاقوا طعم ويلات النظام السابق أن يكرموه وكثير منهم يتمنى أن يجعل له تمثالاً له في بغداد تعبيراً لحبهم للذي أنقذهم من السلطة الدكتاتورية ورداً لجميل وما تحملته أمريكا من أعداد الجنود الذين قتلوا في العراق والأموال التي صرفت أو التي سرقت…لكن رد كل ذلك الجميل بقذف حذاء في وجهه. هل كان معبراً عن وجهة نظر جميع العراقيين…هل الديمقراطية العراقية الجديدة أنتجت أن يتجرأ شخص كان من المفروض أن يلتزم بأخلاق الصحفي حتى وإن قابل عدوه اللدود. وكم من الصحفيين الفلسطينيين يقابلون أكبر المسؤولين الإسرائيليين وغزة محاصرة والقتال مستمر والقصف دائم والحرب قائم…مع هذا يشارك الإسرائيليون في برامج الجزيرة بكل احترام ويزورون البلدان العربية ويتجولون في أسواقها وشوارعها…أين هذا من ذاك.

أتصور أن وراء هذه الفعلة التي لا تليق لا بأخلاق عربي أصيل ولا بأخلاق مسلم ولا بأخلاق صحفي إلا أن يكون ورائه قوة لا تريد للعراق الخير بل خططت لهذه الفعلة وأنها متفقة مع قوى داخل العملية السياسية, ولم يكن ردت فعل الحكومة العراقية بحجم الحدث وأتاحت الفرصة للشارع العراقي أن ينقسم على نفسه أكثر مما كان عليه. والشعب العراقي الذي لم يلمس من الوجود الأمريكي على أرض الواقع إلا الدمار وسجل أخطاء وتجاوزات الجيش الأمريكي والقيادات الأمريكية كثيرة وكبيرة وأثرت في نفوس الكثير من العراقيين سلباً عوض أن يكون له أثر إيجابي يضاف لما أنتج من القضاء على الدكتاتورية. كانت لي كلمة في قصر المؤتمرات يتذكره الكثيرين ممن كانوا حاضرين في حينه وقلتها في بداية 2003 مخاطباً الأمريكان…نتمنى بعد أن خلصتمونا من دكتاتور أن لا تكونا سبباً في خلق عدد من الدكتاتوريين…خلصتمونا من (صدام) نتمنى أن لا تخلقوا لنا مئات الصداميين.

سوف يبقى هذا الجدال بين الأطراف العراقية، وسوف تبقى القوى المشاركة في العملية السياسية تتصارع فيما بينها على من هو الوطني الأكثر إخلاصاً من الباقين وكيف توجه التهم لقوى أخرى على أنها مرتبطة بالأجنبي وهذا الأجنبي إن كان عربي أو غير عربي. ويبقى العراقي البسيط يعيش في دوامة البحث عن الرمز…وهل وجدهُ في حذاء منتظر.

وختاماً هل الأمة العربية متهيئة لكي تتحول لأوروبا …من يريد ذلك ومن يرفض؟

المخلص
عباس النوري