الرئيسية » مقالات » {الحذاء} وبناء الرأي العام

{الحذاء} وبناء الرأي العام

منذ ان علمنا اساتذنا في الاعلام وأساطين الفن الصحفي من سنوات طوال ابجدية العمل الصحفي والاعلامي، ورسخوا في اذهاننا قدسية الرسالة الاعلامية التي ينهض بها من يتصدى لمهنة المتاعب ويروم الولوج الى عالم صاحبة الجلالة، زرعوا فينا احترام تقاليد وارث العمل الصحفي الذي يعتمد على المصداقية و الاخلاص و المهنية واحترام الرأي الآخر و الحيادية.
واذكر عندما كنا طلابا، كان اساتذنا- ومنهم من رحل الى دار الحق و آخرين لازالوا يواصلون العطاء- يرون في تمسك الصحفي باخلاق المهنه وقدسيتها اهم من ابداعه في كتابة خبر او مقالة او تحقيق صحفي لانهم يرون انه لاقيمة لفن صحفي راق يعتمد على اخلاقيات كاذبة او يبتعد عن المصداقية و الحيادية و يسعى لنيل مكاسب وارباح على حساب المهنية.
سقت هذه المقدمة و انا اتابع منذ يومين تهافت بعض الصحفيين العرب و العراقيين على تمجيد ما فعله الصحفي منتظر الزيدي وكأنه انقذ العراقيين من براثن الاحتلال او بنى مجدا لهم هم بأمس الحاجة له، ولست هنا بصدد ما كان يبغيه الزيدي بعمله هذا و الاهداف التي يريد تحقيقها له او لقناته التي مع الاسف تغرد -بعض الاحيان- خارج السرب الوطني العراقي، كان آخرها دعوتها لمقاطعة الانتخابات المحلية.
اقول لا يهمني طموحات الزيدي و لا افكار البغدادية الا ما يحز في النفس- كصحفي- ابتعاد زملاء لنا بالمهنة عن مناقشة الموضوع بعيدا عن العاطفية والميول السياسية للبعض في عدائهم تجاه ما يجري في العراق من تغييرات ويكونوا اكثر مهنية في تفسير الذي جرى وهل يحق للصحفي أياً كان وفي أي بلد ان يبتعد عن مهنيته واخلاقياته الصحفية ليعبر بتلك الطريقة التي تدل على همجية الشخص؟
لو فعل الذي فعله الزيدي اي صحفي عربي آخر، في مصر أو الأردن او الخليج هل سيبارك هؤلاء المزايدون و المتابكون على العراق هذا الفعل؟
هل ستنبري قناة الجزيرة و غيرها لتقيم الدنيا ولا تقعدها لو تجرأ صحفي من اي بلد عربي وفعل ذلك في قطر؟ أم ستجد ان ذلك خروجا عن المهنية الاعلامية و دساتير صاحبة الجلالة و يجب على الاعلامي احترام اخلاقيات العمل الاعلامي؟
لماذا لم يسألوا الذين جعلوا من الزيدي بطلا قويا ومحررا للعراقيين، لماذا لم يستغل الزيدي الفرصة وبمهنية عالية و يفهم بوش واركان الاحتلال الامريكي ان وجودهم في العراق هو سبب مآسيه وكوارثه، وان الجنود الامريكان كانوا ولازالوا اساس بلاء العراقيين؟
لماذا لم يستغل الزيدي والعالم جميعه يشاهد المؤتمر الصحفي ليكيل التهم و بمنتهى الحجج و المنطقية- ودون المساس باخلاقيات مهنته او الاساءة لدوره وسلطاته- ليفهم بوش وغيره ان العراق لم ينل من الاحتلال الامريكي سوى فقدان الأمن و التفرقة الطائفية و التهجير و الخراب وتدمير البنى التحتية و بالتالي يكون ادى دورا بطوليا يتمناه اي عراقي بايصال رسالة واضحة للدنيا كلها ان الاحتلال مقيت، وفي ذات الوقت حافظ على المهنية و المصداقية و احترم التقاليد العربية العراقية باحترام الضيف –حتى ولو كان عدواً – وحفظ للمكان الذي تواجد فيه و الذي يمثل الدولة العراقية وعلمها ورئيس وزراءها- وأوصل بصوت مسموع افكاره التي هي بالتأكيد تمثل افكار كل العراقيين الى قاصي وداني.
اما اخوتنا في امة العرب المتباكين على العراق في كل صغيرة وكبيرة عليهم ان يمدوا ايديهم لانتشاله من محنته لا صب الزيت على النار و ان يدركوا حقيقة- حتى و ان كانت مرة- ان العراقيين بدؤوا صفحة جديدة رغم الكثير من المآسي و الكوارث التي يعانون منها لكن يقينا ان المستقبل واعد و يحمل في خباياه الكثير لنا.
اخيرا اتمنى على زملائي من الاعلاميين العرب وهم اصحاب باع طويل في العمل الصحفي الحر، وليس مثلنا الذين لم نتنفس حرية الاعلام الا مؤخرا_ ان يتحلوا بالمهنية التي اتصفوا بها قبل سنوات طويلة و ارتسمت في كل كتاباتهم الا في الحديث عن العراق و تناول موضوعة العراق.
اقول للأسف ان المهنية و الحيادية تبتعد كثيرا عن وسائل الاعلام العربية وكتابها عندما يأتي ذكر العراق فاما مديح الفترة السابقة او ذم الفترة الحالية و الانتقاص من الموجودين الان دون السعي الى تحليل ما جرى ويجري وبمهنية عالية و حيادية .
الاّ تتفقون معي ان للصحافة والاعلام قدسية اشبه بقدسية الطب و القضاء و علينا ان نتمسك بهذه القدسية ونسمو على الطموحات الشخصية المرضية و بما يجعل من دورنا دورا بناءا مثمرا لا تهافتيا مطبلا لكل شيء.