الرئيسية » مقالات » المالكي حفر قبر حكومته بيده

المالكي حفر قبر حكومته بيده

لقد سبق لنا وأشدنا بشخصية السيد نوري كامل المالكي في مقالاتنا المنشورة في جريدة التآخي لسان الحزب الديمقراطي الكوردستاني التي تصدر في بغداد باللغة العربية أستناداً الى مواقفه آبان مرحلة النضال ضد النظام البعثي الدكتاتوري في العراق.
وبعد تسلمه رئاسة الحكومة من سلفه الدكتور ابراهيم الجعفري أتخذ العديد من الخطوات والأجراءات العسكرية والأدارة الناجحة وتمكن الى حدّ كبيرا مكافحة الأرهاب وعصابات القتل والسلب والنهب لاسيما في بعض المحافظات الجنوبية الشيعية وبخاصة في البصرة حيث كانت العصابات المنظمة تسرق وتهرب زهاء ثلث البترول المصدر الى الخارج على مرأى ومسمع القوات الأمنية وكل عصابة من عصابات التهريب تقف وراءها جهة كبيرة متنفذة والخ. من الأجراءات الأيجابية التي أتخذها الدكتور المالكي في السنتين الماضيتين بعد تسلمه رئاسة الوزراة العراقية.
إلا أن ممارساته وأجرءاته تلك آخذت تبهره وتؤثر على تفكيره وتشعره بالكبرياء حتى أصيب بداء الغرور والعظمة ويتصرف وكأنه جاء هبة من السماء للعراقيين في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ العراق ومن واجبه بناء دولة مركزية قوية دولة القانون ((تحت قيادته)) وآخذ يؤكد على ذلك في كلماته وخطاباته في كل مناسبة وهي آراء قد لايختلف عليها أي مواطن عراقي يرى بأن القوانين هي بوابة الحكم والدستور هو الشريعة التي تستند عليها القوانين ولايمكن لأي شعب أن يحكم نفسه بنفسه دون أن يكون له دستور وقوانين التي يجب أن تسود المجتمع والتمسك بها وأحترامها…
أما آراؤه بضرورة ايجاد حكومة مركزية قوية فهذا مالا يقبل به شعب العراق كورداً وعرباً وتركماناً ومسيحيين وغيرهم. لأن العراق قد عانى من الحكم المركزي الدكتاتوري الشمولي . الى جانب كونه يخالف بنود الدستور العراقي الذي يؤكد بأن العراق دولة أتحادية تعددية ديمقراطية وكان السيد المالكي أحد المساهمين في صياغة الدستور وقال بأن الدستور العراقي أفضل الدساتير العالمية وها هو يطعن بالدستور ويطالب بتعديله…
أن آراء السيد نوري المالكي بخصوص ايجاد حكومة مركزية قوية في بغداد . تتناقض والدستور العراقي كما هو معروف. إلا أنه أصر ويصر على موقفه هذا ويقدم على أتخاذ الأجراءات العملية بهذا الأتجاه وفي مقدمتها تشكيل قوة شبه عسكرية بأسم قوات الأسناد ترتبط به شخصياً من خلال مكتبه وهذا يعني أستغلال مركزه ومنصبه كرئيس للوزراء لتقوية نفوذه الشخصي ونفوذ حزبه حزب الدعوة الأسلامية الذي يرأسه بعد أزاحة زميله ورفيق درّب نضاله الدكتور ابراهيم الجعفري . وعلى حساب القوى والأحزاب الشيعية الأخرى وفي المقدمة المجلس الأسلامي الأعلى في العراق بقيادة آل الحكيم الكرام ذوي التاريخ الوطني المشرف في الساحة الشيعية في العراق منذ عقود طويلة إن لم نقل منذ قرون عديدة وهم الذين ساندوا وقدموا الدعم لحزب الدعوة الأسلامية الذي قام بتأسيسه أية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر . وها هو السيد نوري المالكي يسعى لتهميش دور آل الحكيم في الساحة السياسية الشيعية. حقاً أنه قمة الغرور والسير في طريق الدكتاتورية…
أما علاقاته مع بقية الأحزاب والتنظيمات الشيعية مثل التيار الصدري وحزب الفضيلة وغيرهم . فهي على أسوء ما تكون وحاول ويحاول فرض نفوذ حزبه على الجميع وتهميش الأخرين ويكون هو(( الصدر الأعظم)) في العراق ويصبح دكتاتوراً من خلال ايجاد حكومة مركزية قوية برئاسته تحت أسم دولة القانون والمؤسسات في العراق…
وبخصوص علاقاته مع الأحزاب والقوى السياسية العربية السنية فهي معروفة ولا نحتاج للشرح والخوض في التفاصيل…
أما مواقفه الفعلية والعملية من القضية الكوردية والتاكتيكات السياسية التي أتبعها حيال هذه القضية المهمة التي عان الكورد من عدم ايجاد الحلول الجذرية العادلة لها منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 وتعرض شعب كوردستان الى الخراب والدمار والقتل والأرهاب مثل جرائم الأنفال أكثر من مرة وقصف مدن وقرى كوردستان بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة مثل حلبجة والعشرات من القرى الكوردية والخ…
أن مواقف السيد نوري المالكي الحقيقية من المسألة الكوردية لا تختلف في جوهرها عن مواقف أية حكومة عراقية سابقة أعتباراً من الحكم الملكي وأنتهاءً بحكم حزب البعث حيث كانت جميع الحكومات العراقية تتظاهر بالتعامل الأيجابي مع المشكلة الكوردية في بداية تسلمها السلطة وعندما تكون في موقع الضعف. ولكن بعد أن يشتد ساعدها تنقض على شعب كوردستان كالوحوش الكاسرة… وقد سقطت جميع الحكومات العراقية وبقيت المشكلة الكوردية دون حّل وكانت من أهم أسباب سقوط تلك الحكومات وبقي شعب كوردستان صامداً وشامخاً صمود وشموخ جباله الشماء…
ونذكر هنا على سبيل المثال مايأتي عن مواقفه من القضية الكوردية:-
1ـ لم يقدم على تفعيل وتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي بخصوص كركوك والمناطق المستقطعة والمستعربة من كوردستان والتي هي موضع الخلاف بين حكومة أقليم كوردستان العراق والحكومة الأتحادية في بغداد. والتلكؤ عن قصد لتخصيص المبالغ المطلوبة الى اللجنة المختصة لتنفيذ المادة 140 كي يمضي الوقت للأدعاء بأن المادة 140 قد ماتت لأنها لم تنفذ في الوقت المحدد لها في الوقت الذي ليس هناك قانون يحدد المدة الزمنية لتنفيذ تلك المادة.
2ـ تأخير حسم النسبة المخصصة لأقليم كوردستان في سنوات 2006 و 2007 في الميزانية السنوية للحكومة الأتحادية بحجة عدم وجود أحصائية دقيقة لعدد سكان الأقليم . مما ألحق أضراراً مادية كبيرة بمواطني الأقليم.
3ـ عدم حسم ميزانية قوات حرس الأقليم بحجة زيادة العدد في الوقت الذي يقدم على تشكيل مجالس الأسناد ليصبح عددهم أضعاف أضعاف حرس الأقليم.
4ـ منع تقديم قانون النفط والغاز الى مجلس النواب العراقي لمناقشته وأقراره . لأعطاء المبررات غير القانونية لوزير النفط العراقي بأن العقود النفطية التي أبرمتها حكومة أقليم كوردستان مع بعض الشركات العالمية لأستخراج البترول من أرض كوردستان غير قانونية كي يبقى البترول الكوردستاني مطموراً في باطن الأرض الى مالا نهاية ولكي لا يستفيد مواطنو كوردستان من خيرات وطنهم للأعمار والبناء والتقدم والأزدهار وهي سياسة استعمارية خبيثة لجأت اليها كل الحكومات العراقية سابقاً…
5ـ لم يتم أية تخصيصات مالية تذكر من قبل الحكومة الأتحادية لأعادة بناء المدن والقرى الكوردية المدمرة منذ عهد حكومة عبدالكريم قاسم وحتى سقوط حكم البعث حيث تم حرق وتدمير زهاء خمسة ألاف قرية ومدينة كوردية ولم يتم تعويض سكان تلك القرى المدمرة وإعادة بنائها أسوة بسكان الأهوار في الجنوب…
6ـ أرسال الجيش العراقي الى خانقين دون مبرر ولغرض أستفزاز قوات البيشمه ركة وجس النبض… وأصدار القرارات السياسية بنقل الضباط الكورد من القطعات العسكرية حول مدينة الموصل وأماكن آخرى تعرضت للتعريب أستجابة لطلب بعض نواب الموصل المعروفين بمعادات الكورد وكوردستان وتشكيل وحدات عسكرية من العرب فقط في المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور وبخاصة داخل مدينة كركوك لغرض أستفزاز الكورد…
7ـ أصدار قرار تشكيل ما يسمى بمجالس الأسناد في المناطق الكوردية المتنازع عليها خارج أقليم كوردستان لأحياء تشكيلات ((الجحوش)) من الكورد الخونة الذين كانوا يشاركون قوات البعث وغيره من الأنظمة الشوفينية في العراق في القتال ضد شعب كوردستان تحت أسماء عديدة الهدف منها ضرب الكورد ببعضهم البعض وفق سياسة (( فرق تسد)) الأستعمارية المعروفة.
8ـ معاداته للفدرالية كما صرح بذلك مراراً في مجالسه الخاصة وبضمنها فدرالية أقليم كوردستان . حيث قال يجب الغاء الفدرالية الكوردية وأبدالها بنوع من الحكم الذاتي … هكذا يحاول السيد نوري المالكي وبكل بساطة تجريد شعب كوردستان العراق من حصيلة نضال تسعة عقود من الزمن قدم الكورد خلالها دماء نصف مليون كوردي وكوردستاني وقرر بمحض أرادته القبول بالأتحاد مع العرب العراقيين ضمن نظام أتحادي فدرالي في الوقت الذي من حق الكورد أن تكون لهم دولتهم المستقلة أسوة ببقية شعوب المعمورة وفق مبادئ الأمم المتحدة وشرائع حقوق الأنسان…
أن مواقف وأفكار السيد المالكي بخصوص حقوق الكورد والتمتع بالفدرالية أكثر شوفينية وتطرفاً من قادة حزب البعث العربي الأشتراكي ومن أفكار وتوجهات المشير عبدالسلام عارف الذي كان معروفاً بمواقفه المعادية للشعب الكوردي حتى العظم…
وبناءً على ما تقدم فأن السيد نوري كامل المالكي رئيس وزراء العراق الأتحادي الفدرالي قد نسف جميع جسور الثقة بينه وبين جميع المكونات السياسية الرئيسية التي يستند عليها في إدارة شؤون الدولة العراقية وفي المقدمة التحالف الكوردستاني وليس بأمكانه أعادة بناء الثقة بينه وبين الأخرين مهما حاول ترميم الجسور . لأن الثقة المتبادلة بين البشر كالزجاجة الشفافة عندما تتعرض للكسر والتفتت لا يمكن جمع قطعها المتناثرة واصلاحها بحيث تعود كما كانت سابقاً. وقد فقد مقومات بقائه رئيساً للوزراة. هذه هي الحقيقة الساطعة دون مجاملة حيث قال ((لقد أنتهى عهد المجاملات)) وكان يقصد التحالف الكوردستاني.
أن من مصلحة السيد المالكي شخصياً أن يبادر لتقديم أستقالته بنفسه قبل أن يتم سحب الثقة من حكومته في مجلس النواب العراقي وهو بات يدرك بأن هناك بوادر واضحة بهذا الأتجاه وفي المقدمة طلب السيد طارق الهاشمي رئيس الحزب الأسلامي العراقي نائب رئيس جمهورية العراق الأتحادي حول تغير الحكومة الحالية برئاسة نوري المالكي والسيد الهاشمي لم ينطق عن الهوى إن لم يكن هناك وحي سياسي… كما أن أجتماع مجلس الرئاسة وبحضور السيد مسعود البارزاني رئيس أقليم كوردستان أيام العيد في سدّ دوكان . مؤشر أكثر وضوحاً بهذا الخصوص. أن تلك المؤشرات والبوادر السياسية ما هي إلا بمثابة المسامير الكبيرة في نعش حكومة الدكتور نوري المالكي الذي حفر قبر حكومته . وما عليه إلا دفن النعش بيده…
وغد لناظره قريب.
Taakhi