الرئيسية » مقالات » التكامل في تفسير الفكر و السلوك الإنساني الجزء الثالث

التكامل في تفسير الفكر و السلوك الإنساني الجزء الثالث

في الجزء الثاني من هذا البحث ألمحنا إلى الظاهرة الجديدة , فكريا و اقتصاديا و اجتماعيا , و المنبثقة بشكل متدرج ـ خلال ما حمل المجتمع الإنساني من تناقضات و صراعات ـ من أعماق التحول المفترض للسلوك الإنساني و تراكماته التاريخية ، و ما حمل من تعقيدات في عملية المواجهة الجديدة ، في المجتمعات الصناعية المدنية , حيث تتجلى الدولة في مسارها التاريخي المتماسك في طابعها الفردي و التي تقترب كثيرا من نظرة الفيلسوف الألماني هيغل , حيث يرى( تطورا متناسقا للمجتمعات البشرية , منذ الأنظمة القبلية القائمة على العبودية و التعددية الثقافية , و حتى الديمقراطية الليبرالية الحديثة و الرأسمالية المحكومة بالتكنولوجيا , مرورا بأنواع مختلفة من التيوقراطيات و الأنظمة الملكية و الأروستقراطيات الأخرى …”نهاية التاريخ , فوكو ياما , ص24″..) حيث أن التفسير الهيغلي للديمقراطية الليبرالية المعاصرة (يختلف إلى حد بعيد عن التفسير الأنغلو ـ ساكسوني الذي استخدم كركيزة نظرية للليبرالية في بلدان مثل إنكلترا و الولايات المتحدة الأمريكية .. لاعتماده إلى حد كبير على مفهوم الاعتراف بالذات المضاف إلى الرغبة و العقل (وفق التعابير الأفلاطونية و خاصة رغبة بقاء الذات و الجسد , حيث كان هوبز و لوك و جيفرسون و ماديسون يعتقدون أن الحقوق “الشخصية وجدت كوسائل للمحافظة على غنى الناس إشباع الجزء الراغب من أنفسهم أما هيغل فيعتبر أن الحقوق غايات بحد ذاتها , لأن ما يرضي الكائنات الإنسانية كليا ليست الرفاهية المادية بقدر ما هو الاعتراف بمقامهم و كرامتهم .. المصدر ذاته ص 28 ـ 29” ) وهي النقطة الهامة التي اعتمدها هيغل في التفسير السلوكي و السيرورة التاريخية و تفسيره , والتي يمكن فهم نمط العلاقات في ظل التفكير الفلسفي المميز للرؤية اتجاه الحرية الفردية و ما يتعلق بها من مؤسسات اجتماعية , وإنسانية تجاوزت حدودها في نظرية الاعتراف المضافة إلى الرغبة و العقل , في ظل المجتمعات الديمقراطية المستقرة , و المفرطة في استخدام الحرية الفردية , في الاختيار, والإدارة و الإنشاء و التشريع , و بخاصة في مجال الاستثمارات و الصناعات الكبرى ,وما رافق ذلك من تقدم علمي هائل مستندة في ذلك إلى الثورة الصناعية التي انطلقت منذ القرنين الخامس عشر و السادس عشر مع بداية البحث التجريبي و منطلقاته , و الأسس الفلسفية المتبعة بدءا من فرانسيس و روجر بيكون إلى كلود برنار الذي أراد رد المناهج المختلفة “مناهج البحث العلمي ـ د . عبد الرحمن بدوي ـ ص13” , مما شكل قفزة نوعية في المجتمع الغربي الجديد , وكون بداية نقلة نوعية في التقدم العلمي و التكنولوجي , و قفزاته المنهجية التي تجاوزت إلى سائر المعارف الإنسانية , لتكون بدية تكون نوعي اقتصاديا و اجتماعيا , لينتقل المجتمع الحر و بالتدرج إلى رؤية و ما جرت إليه من اكتناز و تجميع ثروة هائلة , و التي عمدت إلى اقتطاع جزء هام من كدّ العامل و جهده , لتتراكم الأرباح و الفوائد , إلى جانب المعترك الهائل الذي خاضته المصارف و البنوك الربوية , و التي كانت وراء التمويل و الإسناد المادي , حيث نجد هذا التراكم بفعل ذينك العاملين يدفعان إلى مزيد من التناقض و الصراع بين العمال و أرباب العمل , و بخاصة في مجال الفوائد الربوية المضافة إلى أصل التكاليف التي تثقل التجارة , و تفرض أعباء إضافية إلى الصناعة , بحيث تثقل كاهل الجماهير المستهلكة , بالوفاء بالقروض الصناعية و فوائدها , و ما ينجم عن ذلك من ارتفاع في الأسعار يتحملها المستهلكون , في الوقت الذي ينمو فيه رأس المال الربوي و يتراكم بلا حدود , وما ينتج عن كل ذلك من تناقض الإرادات , و تعقد المسالك , وضعف الوارد العام , و ما يخلفه من خسائر باهظة في الناتج القومي العام , و بالتالي تراكم المفاسد و الشرور و ما ينجم عنهما من تعقيد الحياة الاقتصادية , و خلق حالة من عدم الاستقرار , تتمثل في الهوة الشاسعة بين طبقة مالكة لكبريات الشركات و المجمعات الصناعية الكبرى , و سواد عام يندرج في قائمة الطبقة المستهلكة و المتلظية بنار الحاجة , و التهالك على الفتات و اليسير من النظام الاستهلاكي الذي يوفر لها الضرورات الأساسية , مقابل جهد مبذول مضاعف , دون أن يكون هناك نظام تكافلي يحمي من السرف و التبذير و الرخاء المادي الواسع في جانب الطبقة المترفة و ما يتعلق بحياتها من هدر واسع و تخمة ووسائل مفرطة في توفير الكماليات في شطط مبالغ فيه , يترافق مع التطور الواسع في الامتلاك و أدواته , و السرف المدمن في الحاجات المستجدة و ما يحيط بها من تفنن في مظاهر تقود إلى الفساد و البذخ المفرط .
كل ذلك يدفع إلى مراجعة قواعد السلوك الإنساني و قيمه , بعد بروز الحاجة إلى رفض التفاوت المذهل في امتلاك الثروة ووسائلها , و طرق امتلاكها , و آثار ذلك في بروز ظاهرة الترف المفرط من جهة , و الحاجة إلى الأوليات الأساسية في القطاع الأوسع من الشعب من جهة أخرى , ليبرز الجانب الواضح من التناقض بين التوجه السلوكي و دوافعه و آثاره و نتائجه الكارثية , و الرؤية و التصور إلى العلاقة بين المنتج و المستهلك و الوسيط ( العامل ) , و ما يجر ذلك من مواقف تقود بالضرورة إلى رفع الحيف و تصحيح المسار باتجاه تعديل المعادلة , ووضعها في إطارها الطبيعي , وهو ما قاد إلى ثورات العمال و المنتجين , و إلى صراعات دامية , و حروب طاحنة كلفت البشرية ملايين القتلى و الجرحى و المشردين , كما خلفت دمارا و خرابا هائلين في بلدان و أصقاع و قارات , دعتنا إلى مراجعة لقيم و تصورات و موازين السلوك الإنساني و خلفياته , و التي بدأت تتجه اتجاها آخر نحو تغليب الجانب الجماعي و الانتصار للسلوك الجماعي , و تأميم المصانع و المنشآت و المعامل و المؤسسات و المصارف الكبرى و جعلها تحت أنظار الدولة في النظام الاشتراكي الذي طرح نفسه بديلا للنظام الفردي الرأسمالي , محاولا تصحيح المعادلة بطريقة أخرى في التصور و السلوك و الفكر و الممارسة في إبعاد للنزعة الفردية , ووضع وسائل الإنتاج و أدواته تحت تصرف النظام الجديد القائم على (دكتاتورية البروليتارية ) , وما يتبع ذلك من نظام ديمقراطي شعبي يتجلى في التشريع و الإدارة و التخطيط و القضاء , بما يحقق ـ في رأي هذا النظام ـ من عدالة في التوزيع , و إعادة للتوازن , و لجم للنزعات الفردية , و الطموحات غير المشروعة للطبقة الرأسمالية , مؤمنة بالحتميات الجدلية القائمة على (تناقض المحتوى) , و حتمية انتقال المجتمع الإنساني من طوره البدائي الرعوي إلى المجتمع الإقطاعي فالرأسمالي فالاشتراكي فالشيوعي , في آلية تعتمد المطلق و الحتمي في الانتقال و التطور مع إيمان الماركسية بالنسبية التطورية حيث (أن صلاحية أية نظرية و مدى نفعها يحددان فقط بواسطة التطبيق و التجربة التاريخية و لا بد أن يؤدي إحتقار التطبيق و الابتعاد عنه إلى ركود نظري… , لأن الأسس الفلسفية و الاقتصادية و السياسية للماركسية اللينينية تغتني على الدوام باستنتاجات جديدة متجاوبة مع الظروف التاريخية الجديدية…” الفلسفة الماركسية اللينينية , بودو ستينيك ـ ص14 “) مما يدل بصورة واضحة على المنحى التطوري الذي تقر به الماركسية و مدى وضع النظرية على المحك في التطبيق , و رفضها المطلق الاحتكام إلى المنطق الصوري , و اعتمادها المنطق الجدلي في التصور(النفي , نفي النفي ,الإثبات ) من خلال تراكم الأخطاء , و العثرات و المتناقضات و التي تعد مقدمة لنفيها و رفضها , بحكم اهترائها , لتحدث هزة نوعية تقود بالضرورة إلى حالة جماعية سلوكية تحدث رفضا و انقلابا و تحولا جديدا , باتجاه استقرار يحمل نقيضه في أعماقه ليكون هذا النقيض أدالة التغير الحقيقية كحامل موضوعي يقود بالتراكم إلى تحول جديد و هكذا دواليك … ليأتي السكون و الاستقرار النهائي في المجتمع المنشود (حيث تهدأ الصراعات بعد تملك وسائل الإنتاج , و حصول كل فرد على حاجته , بعد بذل ما يمكن من طاقة و جهد في ظل المجتمع الشيوعي المرتقب ), وهي الآمال التي عقدتها النظرية في فهمها الديالكتي (الجدلي الحركي للحياة بكل شعبها و أبعادها الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية ) , مما عرضها في الامتحان العملي و ممارسة السلطة , و المماحكة السلوكية الإنسانية و التصورات و القيم و المعايير إلى كثير من العثرات و النقد , مما سوف نتناوله في الجزء الرابع من البحث , دون إغفال لمجمل المؤثرات المتكاملة للتفسير السلوكي و السيرورة التاريخية كما سيتبين لاحقاً …