الرئيسية » مقالات » الخيارات الكردية وعقدة الاضطهاد ..

الخيارات الكردية وعقدة الاضطهاد ..

أجمل الحوارات، تلك التي نتبادل من خلالها وجهات النظر عن بلاد الواق الواق. وأمتع الأحاديث، تلك التي نغمز عبرها من قناة الغائب عنا، أو نضعه على مشرحة التقييم بكل ما أوتينا به من مفردات ومصطلحات. كون ما تعلمناه عن الشفافية والديمقراطية من مناهجنا التربوية وثقافتنا الشمولية – الشعبوية والفئوية والطائفية – ومن نبض مجتمعاتنا المغلوبة على أمرها وإرادة أنظمتنا الحاكمة، تفرض علينا أن نكون بمنأى عن مدارات الوقوف على الذات وحقائق الأمور، حتى لا نصيب (ديمقراطيتنا) التي هي ملك صناعتنا بالخدش، ونقود ذواتنا إلى مواجهة حتمية مع عناصر التهلكة، إذا ما حاولنا الإشارة بالإصبع إلى مكامن الخلل والخطل، أو القيام ببعض عمليات المقاربة بين النقاط والحروف المتباعدة بفعل السلطة والسلطان، وإن كنا نوهم أنفسنا والغير – أحياناَ – بأننا نواكب الركب ونجاري ما هو من ضرورات التعامل في الحقلين السياسي والثقافي، من جهة البحث عن الحقيقة والكشف عما هو مستور ..
فحمولة الموروث الثقافي الذي أسس لمنظومات القمع في مجتمعاتنا وفرخ فيها الكثير من الأحقاد والضغائن، بحيث جعلها تنقسم فيما بينها وعلى نفسها بالقدر الذي تشتغل عليها آلة القمع والقسر، من تفتيت للبنى الاجتماعية وترسيخ لنزعة العنصر والفئة والطائفة، فضلاً عن التشوه الحاصل لتاريخ المنطقة بفعل القوة، جعلت من القضية الكردية أن تكون في موضع الشبهة من لدن طائفة لا تستهان بها من النخب السياسية ومثقفي القومية العربية، المصابة -على ما يبدو- بفيروسات الثقافة الحاملة للأنظمة القمعية التي حاولت عبر عقود من الزمن، واعتماداً على لغة الحديد والنار، لأن تجعل من الكردي والأمازيغي والشركسي والآشوري والسرياني… إلخ، عروبي الهوى والانتماء، حتى تكون الجغرافيا الممتدة من البحر إلى الخليج ناطقةً بلغة الضاد، والحناجر تهتف مرغمة على ترديد “بلاد العرب أوطاني”، دون أن تتحمل هذه الطائفة عناء البحث في جداول ضحايا الجينوسايد في العراق وحدها- (182000) مواطن كردي في حملات الأنفال و(5000) مواطن في الضربة الكيماوية التي استهدف منطقة حلبجة وقصباتها- فضلاً عن مشاريع التعريب وإزالة الآلاف من القرى الكردية عن الخارطة، والتي لم تغير من الواقع بشيء، سوى زرع المزيد من الكراهية بين أبناء الشعبين العربي والكردي، اللذين من مصلحتهما التعايش جنباً إلى جنب، بحكم التاريخ المشترك والأواصر المشتركة والمصير الذي لا يمكن له أن يستقر إلا إذا كان مبنياً على مفهوم الشراكة والاحترام المتبادل .
ويبدو أن هذه الطائفة التي جعلت من الأكراد، مراراً وتكراراً، شماعة لإخفاقات الأنظمة الديكتاتورية، وترى فيهم مواطني الواجبات دون الحقوق، تحاول الآن التسويق لخطاب جديد، من خلال إلحاق كل ما يطرحه الكرد، من حقوق أو التزامات، بفكرة التعصب القومي وإخضاعه إلى عقدة الاضطهاد، بعد أن تبلور في العراق (رسمياً) توجه الدولة التعددية، وأقر دستوره مبدأ الفيدرالية، وكأن هذه العقدة هي التي ترسم الخيارات الكردية وتحدد مسارات الفعل السياسي، بعد أن كانت تبث في وجدان المواطن العربي، بأن الكردي هو من جلب الأجنبي إلى العراق، وأنه جزء من مشروع صهيوني في خاصرة الأمة العربية ونعتهم بـ “إسرائيل ثانية”، دون أن تقف على حقيقة أن القوات الأمريكية دخلت العراق من قاعدة السيلية بعد أن اجتازت قناة السويس والحدود الجغرافية لدول عربية، وأن العلم الإسرائيلي لا وجود له في إقليم كردستان، على غرار ما هو موجود في بعض العواصم العربية.. فضلاً عن أنها لم تقدم إلى المتلقي العربي عدد الشهداء الكرد الذين سقطوا في سبيل القضايا العربية، تحديداً في لبنان وفلسطين، ولم تحاول يوماً أن ترفع صوتها في وجه جلادي الشعب الكردي وهو يتعرض إلى الإبادة الجماعية، أو تدعوا إلى مؤتمرات عربية بهدف الوقوف على حقيقة القضية الكردية، على غرار ما تم في بعض الدول الغربية التي تفصلنا عنها آلاف الكيلومترات ..!.
لعل من حق المثقف العربي، بل من واجبه، إذا ما كان صاحب رسالة، أن يقف إلى جانب قضايا شعبه والدفاع عن هويته، إلا أن هذا الواجب يفرض عليه في الوقت نفسه، أن يمد بجسور التواصل بين أبناء قوميته وتلك التي تشترك معها في العيش والتاريخ، بدلاً من زرعه للفرقة والشقاق، وأن يساهم في تعريف مواطنيه بمزايا الدولة المتعددة القوميات والأديان، ويطلعه على تجارب الشعوب التي ارتكنت إلى لغة الحوار بدلاً من لغة الدم في بناء أوطانها، لأن في القفز من فوق الحقائق والانصياع إلى ثقافة العنصر والمذهب، ضخ للدماء في شرايين النعرات، وإنتاج لدورات العنف والعنف المضاد، سواء بين أبناء القوميات المختلفة أو حتى بين القومية الواحدة. وعليه نتساءل هل حاول المثقف العربي الذي ينعت الكردي بالمتعصب قومياً أن يفتش عن أسباب التعصب ليجدها في الشوفينية وما حل به من قتل وتشريد وترحيل، وهل حاول الانخراط في التاريخ كي يرى بأن ما يعتبره مكتسب قومي، هو ليس سوى من إفرازات المعادلات السياسية الدولية التي رسمت خارطة المنطقة وجزأت شعوبها بمعزل عن إرادتها، ليتوصل فيما بعد بأن ما يقف وراء الخيارات الكردية هو ليس عقدة الاضطهاد بقدر أنه الخوف من الاضطهاد، وإن كنا ندرك بأن “من يأكل العصي ليس كمن يحصيه” ..؟!.
لقد آن الأوان كي تتفهم نخبنا الثقافية والسياسية، ومن كافة القوميات والأديان والطوائف والمذاهب، أن لا خيار لنا سوى امتلاك ثقافة الانفتاح واحترام الآخر، إذا ما أردنا البقاء كشعوب تحترم رسالة وجودها، وكذوات تحترم إنسانيتها. وآن لها أن تقرأ مفاهيم العصر وفق مفرداته وليس من باب الخضوع إلى مراكز القوة والقرار، سواء الزمنية منها أو الروحية، وأن تضع شعوبها في صورة الحقائق التاريخية دون تشويه أو ابتذال، حتى لا تشكل حقول تجارب لذهنية التفرد والإقصاء، ولا يكون المواطن، بطاقاته وإمكاناته، في حالة الاغتراب عن بلده. فباعتماد معايير القوة في توزيع صكوك المواطنة على الآخر المختلف، والإشارة إليه بحسنه للمواطنة، إذا ما كان خانعاً ومنقاداً، وبالتمرد والخروج على الطاعة، إذا ما جاهر بحقوقه، وأيضاً بالاستناد إلى ثقافة الجنس واللون والعنصر، تحميل للمستقبل بمزيد من الويلات والانكسار.