الرئيسية » مقالات » العراق هو الذي أهين، لا شخص بوش ..

العراق هو الذي أهين، لا شخص بوش ..

يخطئ الشامتون بما وقع في المؤتمر الصفي بين بوش والمالكي ببغداد. يخطئ من يتوهم أن صحافة الحذاء تنال قيد شعرة من مكانة رجل عظيم، ارتبط باسمه تحرير العراقيين من الفاشية ونظام المقابر الجماعية. بوش أرفع قدرا من كل أعدائه رغم أن هناك ما عليه مثلما هناك الكثير الذي يحسب له.

الصحفي، الذي قال تعليق بالشرق الأوسط إنه من الصدريين، لم يشرف الصحافة العراقية بفعلته، ولا برسالة الصحافة، وقد أساء استعمال الحرية، التي وفرها له ولأمثاله بوش، استخداما مدانا، كما تدان الجهة التي دفعته وشجعته، ولا نعرف كيف أمكن له الحضور.
لقد نشر أزنارن رئيس الوزراء الإسباني السابق، مقالا في الصحف الفرنسية عنوانه: “ما ندين به لبوش”، قاصدا بضمير “نحن” العالم المتحضر وأمن الشعوب. أزنار يشيد بشجاعة بوش في المواقف الحرجة والأزمات الكبرى، وبدفاعه المستمر عن الحرية في كل مكان. أقول إن الأحرى بنا نحن العراقيين أن نكون أول من يعلن: ما نحن مدينون به لبوش وإسقاطه لنظام المقابر الجماعية، وتوفير أوسع حرية صحفية حتى نمت الصحف والقنوات العراقية كالفطر، واندس فيها من اندس، لم نعد نعرف لأي اتجاه ينتمي هذا، ومن الممول!

لو قمنا بتفكيك موجة كراهية بوش لوجدنا أن محور الكراهية ومدارها هو حرب تحرير العراق؛ يستوي في الكراهية بن لادن والملا عمر وخامنئي وأحمدي نجاد ومقتدى الصدر والإخوان المسلمون والأسد وفلول صدام، جنبا لجنب مع غلاة التطرف اليساري واليميني في الغرب، وحكام فنزويلا وزميباوبوي ومن لف لفهم.

بوش أصبح شماعة لأخطاء كل من هب ودب، وإذا كانت إدارة بوش تتحمل جزءً من مسئولية أخطاء ما بعد سقوط صدام، فإن المسئولية الكبرى تقع على القيادات العراقية وإيران وسوريا والقاعدة وفلول صدام وبعض دوائر الخليج. هذا ما يتعمدون محاولة طمسه وإلقاء كل التبعات على الولايات المتحدة وبوش؛ ولو فككنا هذه الكراهية أكثر، لوجدنا جذرها في هوس العداء للولايات المتحدة كدولة ومجتمع وحضارة.

لقد غضبت حقا لوقاحة الحدث وابتذاله، كما أقول أما كان على السيد المالكي نفسه أن يعلق فيدين الفعل فورا وأن يعتذر لبوش باسم شعبنا، وهو ما تستدعيه على الأقل أصول الضيافة، فضلا عن أن رئيس الوزراء كان هو الآخر مستهدفا بالإهانة التي جرت بحضوره.
أقف من جديد لاستعراض مدى الخراب الأخلاقي والاجتماعي الذي قام به النظام المنهار، حتى تصبح لغة القنادر لغة شبه مستساغة في العمل السياسي، لغة يجرؤ اليوم على استخدامها من كانوا يرتجفون كالفئران أيام صدام!. كم من العظام من حوربوا وشتموا، ولكن أقدارهم ظلت عالية، والتاريخ أنصفهم أو في طريق الإنصاف.

وأخيرا، لا أدري لماذا يحضرني مشهد آخر لا علاقة له بالحادث، ولا شبيه، ومع ذلك فإن القاسم المشترك هو مدى هبوط أخلاق البعثيين وكل أعداء الشعب. منظر أمس هو اغتيال الزعيم قاسم في قاعة التلفزيون، والبصقة الوقحة على وجهه العطر وهو ميت. ترى لأي درك يمكن لإنسان أن يصل، ولأي مستوى من الانحطاط الخلقي! تلك الإهانة لجثة الزعيم لم تنزل من قدره، بل ظل خالدا في قلوب العراقيين، فيما بصق التاريخ على القتلة الأوغاد.
15 ديسمبر 2008