الرئيسية » مقالات » لغة النعال

لغة النعال

يبدوا إن ما نحتذي في الأرجل سيكون له أثره الكبير في مجريات السياسة العراقية ‘فقد لاحظنا عبر تاريخنا المعاصر أن لغة الحذاء هي السائدة في الشارع السياسي ولغة المتحاورين،وكم أتمنى لو تقوم هيئة تحرير الحوار المتمدن بفتح ملف (النعال) ليطرح فيه الأخوة الباحثين ما صادفهم من خلال قراءاتهم التاريخية ومشاهداتهم اليومية من تأثير هذا الحذاء اللعين في جوانب الحياة المختلفة،حيث يمكن تأليف موسوعة بمئات الصفحات عنه باستعراض ما دارت حوله من حكايات ،وما قيل فيه من أشعار ،وما أشتهر عنه من أشخاص يكون (النمرود) أولهم والطنبوري أوسطهم أن لم يكن لهم سابقا في المراحل التاريخية المختلفة ،فقد ورد في الموروث الشعبي العراقي أن (النمرود) صاحب قلعة (برس) الشهيرة التي لا زالت أثارها ماثلة للعيان جنوب مدينة الحلة على يمين الذاهب إلى مدينة النجف،وكان هذا النمرود من أشهر الدكتاتوريين في العالم القديم ومن أكثرهم بطشا واستعلاء ،وبلغ به التجبر أن أصبح اله وحاول قتل الآلهة الأخرى فأبتني له بناءا شامخا ناطح السحاب،واخذ يرمي بالسهام باتجاه السماء لقتل الإله القابع فيها على رأي الشعوب القديمة ،وتقول جدتي أنه كان يصبغ السهام ليوحي لأتباعه أنه قد أصاب من الإله مقتلا ليصبح رب الأرباب،ولكن الخيال الشعبي أوجد لهذا الجبار علة في أنفه إذ دخلت حشرة صغيرة في خياشيمه كان دائم الهرش بسببها حتى أدما أنفه وكان لا يرتاح إلا أذا قام خدمه بهرش أنفه وعندما أصبح الهرش غير مجديا قاموا بضربه ب(النعال )ليرتاح من حركتها التي تسبب له الكثير من الإزعاج،حتى مات وهو تحت ضرب الأحذية ،والعبرة في الحكاية أن الظالم المتجبر لابد له أن يلقى نتيجة ظلمه وأن طال الزمن ،ويموت ميتة شنيعة وجاء في أهازيجهم الشعبية عندما خاطبوا الوصي على ملك العراق:

عتبي عليك غيرك ما عليه عتاب حاربت العمام وما عرفت أصحاب

صرت نمرود بيده يصبغ النشاب دميناه يكول أمصوّب

أي أنك مثل النمرود الذي حارب الآلهة فكان يصبغ النبال ليوحي للبسطاء أنه قتل الآلهة وكان مصيره الموت بحذاء العراقيين.

وبعيدا عن التاريخ المدون سأتناول بعض ما سمعت وشاهدت وعرفت من مواقف (حذائية) كان لها دورها المميز في السياسة العراقية ،فقد كان للجواهري الكبير قصيدته الرائعة الذائعة التي يقول فيها:

ونعلك من خدهم أشرف

في أشارة لشرف الحذاء الذي يحتذيه العراقيون وتمايزه عن خدود خونة الشعب وعملاء الاستعمار.

وفي طائية الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في هجاء العهد الصدامي والبعث المقبور التي نظمها قبيل استشهاده بشهور:

تعادوا عليهم بالنعال فأنها لأشرف منهم إذ تجوس وإذ تسطوا

وفي هذا المجال لابد من أيراد الأهزوجة الشعبية الشهيرة التي قيلت في خونة الشعب وصنمي الاستعمار البريطاني نوري السعيد وصالح جبر التي جاءت في أعقاب المعاهدة الأسترقاقية التي وقعها صالح جبر في بورتسموث(نوري سعيد القندرة وصالح جبر قيطانها)وكان لهذه الأهزوجة أثرها في إسقاط حكومات عاملة العراقيين بمنتهى الإذلال والقسوة ،فذهبت الحكومات إلى مزبلة التاريخ وظل الحذاء العراقي شامخا يرسم للأجيال مكانة الخونة والعملاء،ولا زالت هذه الأهزوجة طرية على الألسن تداولها الناس في استذكار ما كان عليه العراقيين في مواجهة الحكام المستبدين.

ويبدوا أن شهرة الحذاء العراقي تعدت الحدود وتجاوزت القارات فقد أندفع الرئيس السوفيتي نيكتا خروشيف عندما لم يفسح له في المجال لإلقاء كلمته فانتزع حذائه وطرق على مائدة مجلس الأمن ليوقف الصخب ويلقي كلمته ويخرج من المجلس ظافرا منتصرا على عتاة الامبرياليين،لأنه وجد الأنسب أن يعاملهم بالحذاء الروسي العملاق لتناسبه مع تصرفاتهم الخبيثة.

وفي مولد الأمام علي كان ممثل البعث يلقي كلمة السلطة في الحفل وقد حضر الكثيرون إلى قاعة الاحتفال ،وفجأة أنفجر مصباح كهربائي أثار فزع الحضور ودفع بممثل السلطة وكان حينها صالح مهدي عماش فأختبأ خلف المنصة،وقام الأطفال بدفع من المعارضين لسلطة البعث بالعبث في أبواب المحلات(الكبنكات) فكان الصوت الخارج منها أشبه بصوت الرمي السريع للرشاشة كلاشنكوف مما جعل الحاضرين يهربون مذعورين،وانهالت الأحذية على رأسه ورأس المسئولين الحاضرين وعندما هرب الناس تركوا أحذيتهم وفروا حفاة ،وقد تجمعت مئات الأحذية المتروكة و(العكل )العربية و(اليشماغات) التي كان يرتديها الحاضرين،وكانت مهزلة أرعبت البعث وجعلته مضغة في الأفواه.

وفي كربلاء عندما ألقى عزت الدوري كلمة في مولد الأمام علي هوجم من قبل الجماهير بالرمانات اليدوية وعندما اختلطت الأمور كان النعال العراقي حاضرا ليشكل دوامة كبيرة أصبحت هاجسا للبعثيين حتى أصبح مدار نكات العراقيين فقد قيل أنه سمع عند تجواله في بغداد أحد باعة الفواكه ينادي على بضاعته(رمان كربلا عسل) فقال (حتى أبغداد ما خلصت من رمان كربلا).

وصدام الراعي أبن العوجة كان يعير العراقيين دائما ويصفهم بالحفاة وكان يردد بمناسبة وبدونها أن هؤلاء (لبسوا النعال بفضلي فقد كانوا حفاة الأقدام)،وإذا غضب على شخص وأراد إذلاله يقول لجلاوزته (أضربوه بالنعال على راسوا).

أما خدينه البكر الذي مات بسيف ربيبه صدام فقد ذكر عنه أنه قال مخاطبا أحد القادة البعثيين (تره إذا ما تمشون عدل يطلعونه العراقيين من القصر الجمهوري بالقنادر) ولك أن تتصور رهبة الحذاء العراقي الذي يخشاه البكر المعروف بقسوته وشدته وبطشه.

وفي إيران عندما أقيمت الفاتحة بعد استشهاد الصدر الثاني قام أنصاره بضرب أحد رجال الدين بالأحذية ،مما دفع الحكومة الإيرانية لاعتقالهم كما أوردتها الصحف في حينه.

وبعد سقوط النظام الصدامي واحتلال العراق قام العراقي الشهم (أبو تحسين) بضرب صورة الطاغية بالحذاء وهو يردد (ولك أشسويت بينه) ولعله من أشرف النعل التي خاضت المعترك السياسي في العراق.

وفي انتخابات البرلمان العراقي كان النعال العراقي سيد الموقف فقد أستقبل رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي في الصحن الحيدري بكمية كبيرة من الأحذية عندما هوجم من قبل أنصار الصدر الذين كانوا يكنون له العداء.

و(قندرة) المشهداني رئيس مجلس النواب العراقي أصبحت بين ليلة وضحاها الحارس الأمين لتطلعات العراقيين عندما جعلها الفيصل في أقرار القوانين التي لا تتعارض مع مبادئ الإسلام فخاطب النائبة صفية السهيل عندما طالبت بالاحتكام إلى المرجعية الديمقراطية أسوة بالمرجعية الإسلامية لإصدار القوانين فقال لها (إن إي قانون لا يتوافق مع الإسلام اضربه بالقندرة) فكان حذاء المشهداني القول الفصل في شرعية القوانين.

وفي مدينة الثورة كانت الأحذية خير ما أستقبل به أحد المسئولين العراقيين عندما زار المدينة فتلقته بالأحذية وقشور الطماطم.

وآخر الأحذية وليس خاتمتها (قندرتي) الصحفي العراقي منتظر الزيدي مندوب قناة البغدادية الناصرية البعثية التي يديرها السيد عبد الحسين شعبان، فخلال المؤتمر الصحافي الذي جمع بوش مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، خلع منتظر الزيدي مراسل قناة البغداديَّة حذاءه ليقذفه باتجاه بوش الذي نجح في تفادي الضربة الأولى، قبل أن يعاجله الزيدي بالفردة الثانية من الحذاء .

ولم يصب الرئيس الأميركي بأذى. وحاول المالكي حجب بوش لكن الحذاء لم يبلغ أي منهما. وابتسم بوش قائلا “لقد قام بذلك من اجل لفت الانتباه إليه، هذا الأمر لم يقلقني ولم يزعجني. اعتقد إن هذا الشخص أراد أن يقوم بعمل يسألني الصحافيون عنه. لم اشعر بأي تهديد”.

فنهض صحافي عراقي قائلا “إنني اعتذر باسم الصحافيين العراقيين”. وأجاب بوش “أشكركم على ذلك فانا مقتنع بان العراقيين ليسوا كذلك. هذه أمور تحدث عندما يكون هناك حرية”. وأضاف ساخرا إن “مقاس الحذاء 10اذا أردتم أن تعرفوا أكثر”.

وقد أثار هذا الفعل ردود أفعال مختلفة بين مؤيد ومندد ولا أود الخوض في تداعيات الموضوع لأن في ذلك إغضاب لجميع الأطراف ولكن أقول ،هذا هو ديدننا في التعامل السياسي ولابد للحذاء العراقي أن يأخذ دوره في مسيرتنا السياسية ،لأنه الفيصل في حسم النزاعات وبناء الثقافة السياسية لشعب يحب التعامل بالأحذية وعلى الحاكمين قبول هذا الحكم الذي كان المعول عليه منذ نشوء الدولة العراقية .