الرئيسية » مقالات » كركوك وجرائم الانتحاريين ومن يقف خلفهم !

كركوك وجرائم الانتحاريين ومن يقف خلفهم !

كانت جريمة مروعة … نفذها انتحاري في مدينة كركوك .. هكذا وببساطة نقلت لنا الأخبار هذا النبأ , وكأن شيئاً عادياً قد حصل في يوم 13/12/2008 , إذ أصبح الموت في العراق وبهذه الأساليب مسألة اعتيادية يومية تقع في مكان ما من العراق , رغم التقلص الكبير في عدد هذه العمليات وتراجع عدد الشهداء الذين يسقطون بسببها. لكن الموت لا يزال يحصد عشرات الشهداء من النساء والرجال والأطفال. فقد اسشهد في هذه العملية الإجرامية 60 شخصاً وجرح حوالي 100 شخصاً من الناس الأبرياء .. وقبل ذاك وفي الشهر السابع من هذا العام نلقت الأنباء عن هجوم انتحاري استهدف بلدة في ناحية “امرلي” الواقعة قرب كركوك حيث بلغ عدد الضحايا فيها نحو 150 قتيلاً وأكثر من 270 جريحاً. خبر مرَّ كبقية الأخبار اليومية .. حزن يعم العائلات لا غير .. ونتائج الحقيق غير معروفة!
حادثان مروعان استهدفا المواطنين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب , قتل فيها الكردي بجوار التركماني والشيعي بجوار السني , والمسيحي بجوار المسلم دون وجه حق. جرائم بشعة حقاً , ولكن لم يكن هؤلاء الناس هم المقصودون بعينهم عبر هذه العمليات الدموية , وتلك التي تقع في ديالى وبغداد أو في غيرها من مدن العراق , بل المقصود هو العراق كله , هو الاستقرار والأمن والسلام , هو الحل السلمي والديمقراطي لمشكلة كركوك على اساس المادة 140 من الدستور العراقي ووفق توافقات القوميات المختلفة في هذه المدينة المتعددة القوميات التي تسبح في بحيرة من النفط ويراد لها أن تسبح في بحر من دماء أبناء وبنات هذه المدينة المعطاءة , المقصود هو التضامن والتفاهم والعيش المشترك بين اتباع مختلف القوميات والأديان والمذاهب في هذه المدينة التاريخية. إن أعداء العراق يشعرون بعجزهم عن تحقيق النتائج المرجوة لهم ولفعالياتهم الدموية في العراق. وبالتالي يسعون أكثر فأكثر للغوص بدماء الناس الأبرياء ودموع الثكالى وآنين الجرحى والمعوقين بسبب تلك العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة. وعلى عاتق الحكومة تقع مسئولية التحري عن الفاعلين أولاً , ولكن بشكل خاص على من يقف وراء هذه العمليات ويمولها ويعطي القرار بتنفيذها , سواء أكان المقرر يقطن العراق أم يعيش في بعض دول الجوار.
كان للزيارة الأخيرة التي قام بها السيد رئيس الجمهورية إلى كركوك ولقائه بالقوى والأحزاب والشخضيات التركمانية السياسية والاجتماعية والثقافية أثرها الإيجابي على التركمان وعلى بقية القوميات في المدينة , كما كانت لتصريحاته أثرها في تهدئة الخواطر ومن أجل التفاهم والحرص على إيجاد حل يرضي الجميع ويسهم في تعزيز الأخوة والصداقة بين أتباع جميع القوميات في العراق.
ومثل هذه الزيارة على أهميتها وعلى أهمية اللقاء المباشر مع أبناء القومية التركمانية والأجواء الإيجابية التي خلقتها , فإنها غير كافية لتأمين التفاهم بين سكان هذه المدينة , بل يفترض تنشيط العمل الفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي في المدينة وبمشاركة الجميع بما يساعد على خلق التناغم وإبعاد القوى المتطرفة عن التأثير المباشر على مزاج وتأجيج سلوك قومي متطرف في صفوف الناس. كما يفترض أن يزداد خلال الفترة القادمة عقد المؤتمرات السياسية والثقافية التضامنية بين الأطراف المختلفة في كركوك والاتفاق على شعارات مشتركة والعمل من أجل تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية والمجتمع , وبذل أقصى الجهود من أجل إبعاد القوى المتطرفة والعدوانية من أجواء العمل على تحقيق التعاون والتضامن وإعادة الثقة إلى النفوس. وهنا لا أقصد قوى القاعدة وحدها , بل أيضاً ميليشيات جيش المهدي الفاعلة بين القوى الشيعية العربية والتركمانية , وهي التي تساهم أيضاً في تأجيج الأوضاع لأنها لا تريد الاستقرار للعراق حالياً , وهو أمر مرتبط بدول الجوار وما تريده حالياً في العراق.
لا شك في وجود بعثيين صداميين عرب من أتباع النظام الساقط السابق يؤججون الصراع بين الكرد والتركمان ويسعون إلى استثمار ذلك لأغراضهم الدنيئة , كما يؤججون الصراع بين الكرد والعرب لنفس الغرض , وهم الذين يفترض التصدى لهم من قبل الجميع , إذ أنهم يمارسون هذا الأسلوب المعوج لتعميق الخلاف وضرب الوحدة الوطنية المنشودة في هذه المدينة وتعقيد الوصول إلى حل لمشكلة كركوك وفق الدستور.
يتمنى الإنسان على المسئولين في المدينة والدولة العاقية وإقليم كردستان أن يساهمةا في تطوير جهد القوى الديمقراطية الكردية والتركمانية والعربية والكلدانية الآشورية لتحقيق الوفاق الوطني والتعاون والتضامن ورفض العنف بكل أشكاله والسهر على تنظيم حوارات ونقاشات بناءة وإيجابية لصالح هذه المدينة التي يفترض أن تتحول إلى رمز للتآخي ونموذج يحتذى به على مستوى العراق كله. وكل الإمكانيات متاحة لتصبح هذه المدينة قدوة في التنمية الاقتصادية والبشرية لما فيها من موارد أولية ومن طاقات بشرية وإمكانيات كبيرة , ونموذجاً في العيش الرغيد لسكانها من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية الديمقراطية.

15/12/2008 كاظم حبيب