الرئيسية » مقالات » الإمارات في ذكرى تأسيسها السابعة والثلاثين

الإمارات في ذكرى تأسيسها السابعة والثلاثين

لا شك أن مدة سبعة وثلاثين عاما فترة قصيرة في تاريخ الأوطان والشعوب، لكنها في دولة الإمارات العربية المتحدة شكلت فترة كافية لتحقيق نهضة حضارية وإنسانية متقدمة. فعلى عكس ما يقال من أن الاتحاد الإماراتي نجح فقط في إقامة حضارة إسمنتية، كما يحلو القول لبعضهم من منظري العروبة السياسية ومثقفيها، فان واقع الحال يشير إلى أن دولة الإمارات، فضلا عن نجاحها في ثورتها العمرانية أو الإسمنتية إن شئت، نجحت أيضا وقبل كل شيء في بناء الإنسان الإماراتي وتطوير ملكاته وقدراته الإبداعية، عبر توفير سبل ومتطلبات قيام مجتمع حيوي ودينامي منفتح متصالح مع نفسه ومع العالم من حوله، جاذب للاستثمارات الدولية الضخمة. حتى أنها وهي البلد الصحراوي، فرضت نفسها كقبلة سياحية تستقطب ملايين السواح والزوار من مشارق الأرض ومغاربها، وهي نجحت إلى حد كبير في ترسيخ الانطباع بكونها بلدا كوسموبوليتي الهوى والتوجه يحتفي بالتعدد والتنوع الثقافي الإنساني.
ولعل الطابع الكوسموبوليتي التعددي يمكن تلمس مظاهره ببساطة في أي من مدنها الكبيرة. وهي لئن تميزت خصوصا في البنية التحتية و العمرانية الباهرة والمتطورة، اقله بمقاييس منطقتنا، فليس في ذلك بتاتا ما يدعو للإدانة والشجب ولعن الاسمنت وشتمه، بل بالعكس: فالمدن العامرة بمبانيها وأبراجها الشاهقة ومعالمها هي وحدها القادرة على محاكاة العصر وتمثله وإنتاج أنماط وعي حضارية خلاقة تنسحب على مختلف نواحي الحياة وأوجه النشاط في المجتمعات الطامحة للحداثة. ولعل هؤلاء ممن يستهزئون بحضارة الاسمنت يعبرون لاشعوريا عن حقد ريفي بدائي على كل ما هو مدني وحضاري وشاهق، كما هي الحال مع الأبراج والمباني التي تعيد تذكيرهم بعجزهم وفشلهم الحضاريين. وليس بلا دلالة هنا أن جل رموز الايديولوجيات العروبية المتعالية على الخليج العربي وشعويه ممن كانوا ولا زالوا اسرى نظريات عنصرية سقيمة كنظرية المركز والأطراف الآفلة، ينحدرون من بيئات ريفية.
ولعل نظرة خاطفة الى حجم التطور والرخاء والاستقرار في الإمارات، لاسيما على صعيد التنمية البشرية وارتفاع نسب التعليم وانتشار أنماط العيش والسلوك الغربيين الحديثة المترافق مع هامش واسع من الانفتاح والحريات الاجتماعية والسياسية والإعلامية، فضلا عن الاقتصاد المفتوح الذي هو عصب نجاح تجربة الإمارات وتميزها…، لعلها تقدم خير دليل على مدى نجاعة هذه التجربة الفيدرالية الرصينة القائمة على احترام التعدد بين الإمارات السبع وتنظيمه في اطر اتحادية تكافلية وتكاملية، ما حقق هذا البنيان الكبير والفاعل إقليميا ودوليا. فالتجربة الإماراتية تثبت مجددا في ذكراها السابعة والثلاثين أن الوحدة والاتحاد والعزة والسؤدد والكرامة لا تتحقق ولا تستمر ولا تترسخ بالشعارات الفارغة والممارسات الاستبدادية القامعة، بل تقوم بالتراضي والحكمة وقبول التعدد والاستثمار في بناء الإنسان المواطن (الذي يجد حينها ألف سبب وسبب ملموس للافتخار بوطنه والتغني بوحدته وترابه) لما فيه مصلحة الكل، حتى أن مدينة دبي غدت مضرب المثل على مستوى منطقتنا في كونها تقدم نموذجا حضاريا واعدا يثبت حجم وعظم ما يمكن تحقيقه وانجازه حال توفر الرؤية والإرادة الصادقتين للتميز والارتقاء.
الحياة – 15/12/08//

* كاتب كردي.