الرئيسية » مقالات » قرارات المجلس المركزي الفلسطيني..ما لها .. وما عليها..

قرارات المجلس المركزي الفلسطيني..ما لها .. وما عليها..

لا زالت الأراء متباينة إزاء نتائج أعمال المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (23- 24/11/2008). فبعضها يرفض هذه النتائج جملة وتفصيلاًً انطلاقاً من رفضه الاعتراف، بما يسميه شرعية المجلس المركزي، ويحصر “الشرعية”، بالمقابل، بعدد من نواب حركة حماس في المجلس التشريعي، يجتمعون بين فترة وأخرى، في مدينة غزة، بمعزل عن باقي نواب المجلس، ويتخذون قرارات، يدعون أنها تمثل المجلس بكل فئاته، واتجاهاته السياسية. علماً أن عددهم لا يتجاوز 29 نائباً من أصل 132!
والبعض الآخر، يضع قرارات المجلس المركزي في سلة واحدة، ويعتبر أنه فشل في أداء المطلوب منه، بل يتهمه هذا البعض بأن قراراته، كاختيار الأخ محمود عباس رئيساً لدولة فلسطين، أسهمت في تعميق الانقسام، وجاءت في غير أوانها وأنه كان يفترض تأجيل هذه القرارات، إلى حين الوصول إلى مصالحة مع حركة حماس. وكأن أصحاب هذا الرأي يحاولون أن يرهنوا تحرك المؤسسات الفلسطينية بمدى تجاوب حركة حماس وعودتها عن الانقسام، وهو ما يعطي حماس، شئناً، أم أبينا، حق النقض (الفيتو) على أي قرار قد تتخذه هيئات م.ت.ف. بدعوى أنها قرارات ولدت في أجواء من الانقسام وتفتقر إلى التوافق بشأنها.
البعض الثالث يمتدح ما جاء في المجلس وما اسفر عنه من قرارات ويراها كلها ايجابية. ولا ينطوي هذا الموقف على تفاؤل بالحالة الفلسطينية بقدر ما يمثل تياراً سياسياً، مؤيداً لكامل أوجه سياسة السلطة ووفدها المفاوض. ولكن، هناك خارج هذه الاتجاهات ثمة موقف ينظر إلى قرارات المجلس المركزي نظرة أكثر موضوعية فيميز، بالتالي، بين ما هو ايجابي وبين ما هو سلبي ويرى، في الخلاصة، أن المجلس نجح في مجال، وفشل في مجال آخر وهو ما يستدعي تعميق اتجاهات النجاح في قراراته ومواقفه، ومواصلة نقد ما هو سلبي والضغط لأجل تصويبها، أو تغييرها، حسب متطلبات الأوضاع المستجدة.
.
أين أصاب المجلس المركزي؟

أولاً) الانقسام والحوار الوطني: في هذا الجانب، وإذا ما انطلقنا من الخطاب الافتتاحي لرئيس اللجنة التنفيذية، ومن البيان الختامي لأعمال المجلس، نلاحظ أن المجلس أتخذ موقفاً ايجابياً، وخطا إلى الأمام خطوات حقيقية في إنجاز توافقات واسعة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بالنسبة لهذه القضية المهمة والرئيسية في الملف السياسي الفلسطيني. فقد تبنى الرئيس عباس، في ختام كلمته الافتتاحية “وثيقة عهد الوحدة والشراكة الوطنية” التي كانت ولا تزال تستدعي اهتماما اكبر من قبل المعنيين في دوائر القرار السياسي والاعلامي الفلسطيني. فمن حيث تكامل عناصرها الرئيسية ودقة مضامينها، فهي تبدو أكثر تقدما وملموسية من البيان الختامي الذي حظي باجماع المجلس مع تسجيل بعض التحفظات المبررة على الفقرة المتعلقة بالمفاوضات مع الجانب الاسرائيلي. اكدت تلك الوثيقة على التمسك بخيار الحوار والمصالحة الوطنية وعلى تبنيها للعناصر الاربعة الرئيسية التي حددتها اكثر من مبادرة فلسطينية وعربية “باعتبارها رزمة متكاملة والجلوس إلى طاولة الحوار الشامل لبحث سبل تنفيذها”، أي وضع آلية تطبيقها وليس المساومة عليها. وتنص هذه العناصر الاربعة كما هو معروف على تشكيل حكومة توافق وطني انتقالية تتفق على تكوينها الفصائل الفلسطينية تعنى بمعالجة الشأن الداخلي والاعداد للانتخابات أولا، وعلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة وفق التمثيل النسبي الكامل ثانيا، وعلى إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية غير فصائلية ثالثا، وعلى تطبيق ما جاء في إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني لتفعيل مؤسسات م.ت.ف. وتطويرها على أسس ديمقراطية رابعا.. والى جانب تأكيد الوثيقة باننا شعب لا يزال يرزح تحت الاحتلال وما يترتب على ذلك من حق مشروع في مقاومته، فهي تحدد اتجاهات التصويب للخلل القائم في مؤسسات م.ت.ف. ولمجالات التطوير المطلوبة على أكثر من صعيد.
اما البيان الختامي للمجلس، فقد أكد، في السياق نفسه، على العناصر الاربعة الوارد ذكرها في “الوثيقة”، وذلك من خلال ” تمسكه بالمبادرة المصرية كأساس للحوار وبما يؤدي إلى قيام حكومة توافق وطني ذات مهام محددة تتمثل في رفع الحصار وتسيير الحياة اليومية والاعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية غير فصائيلية”. كما أكد البيان على دعوة اللجنة التنفيذية ” لاقرار نظام الانتخابات للمجلس الوطني على أساس التمثيل النسبي الكامل”، وعلى وجوب العمل الفوري “لتطوير وتفعيل اللجنة التنفيذية ودوائر ومؤسسات م.ت.ف. وخاصة الصندوق القومي الفلسطيني”. واعتمد المجلس الاتجاهات الرئيسية الواردة في مذكرة هيئة العمل الوطني في غزة، مؤكدا على اعتبارها بمثابة المرجعية الوطنية المعتمدة.

تعزيز الشرعية الفلسطينية:

ثانيا) إضافة إلى ما ذكر أعلاه، انتخب المجلس المركزي، بما يشبه الاجماع، الأخ محمود عباس رئيسا لدولة فلسطين (اعتراض عضو واحد)، وهو المنصب الذي كان يتقلده الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ انتخابه اليه من قبل المجلس المركزي في نيسان (ابريل) 1989، بناء على تفويض من المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر في 15/11/1988. وهذه الخطوة تنطوي على بعد سياسي وعملي، يجب الا نقلل من أهميته في الظرف الذي تجتازه القضية الوطنية. يتجسد هذا البعد في كونه يعيد ترسيم مرجعية الاعترافات الواسعة دوليا بإعلان دولة فلسطين والتي تمثلت باعتراف أكثر من مائة دولة عربية وصديقة بالدولة (أو بإعلان الدولة) بطرق مختلفة. في هذا السياق ، يفترض إعادة التأكيد ان إعلان دولة فلسطين ليس ” إعلانا في الهواء”، بل هو إعلان سياسي وقانوني ينطوي على بعد السيادة المعلقة، أي الدولة المعترف بها من المجتمع الدولي، لكنها دولة لا تستطيع ممارسة سيادتها بفعل الاحتلال كحال العديد من دول العالم في تجارب مختلفة.
ومن جهة أخرى، وفي الوقت الذي تفتعل فيه بعض القوى معركة قانونية دستورية حول انقضاء ولاية رئيس السلطة الوطنية ، هناك ضرورة وطنية لتعزيز شرعية هذين الموقعين: موقع رئاسة الدولة بالاعترافات الواسعة بها وباعلانها، على مختلف الصعد العربية والدولية، ورئاسة السلطة الفلسطينية، بانتظار الانتخابات القادمة التي ستنبثق عنها الشرعية الفلسطينية المتجددة ديمقراطيا من خلال صندوق الاقتراع.. وهكذا، فان انتخاب رئيس دولة فلسطين يعبر عن موقف مبدأي يقضي بالدفاع عن شرعية م.ت.ف. ومؤسساتها. فالاعتراف بوحدانية التمثيل القانوني والسياسي شرط أساسي، لا بد منه، ولا غنى عنه، للاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولا اعتراف بهذا الحق في ظل ضياع شرعية التمثيل والطعن بقانونيته.
المفاوضات .. نتائج سلبية وغير مرضية ..

مقابل الخطوات الايجابية التي خطاها المجلس المركزي، في اتجاه إعادة التأكيد على الحوار الوطني طريقا لانهاء الانقسام، ورسم خطوات تفعيل م.ت.ف. ومؤسساتها، نسجل بان أعمال المجلس سلطت الضوء على طبيعة الخلاف الدائر بين القوى الفلسطينية المؤتلفة في م.ت.ف. بشأن العملية التفاوضية الراهنة. فالمفاوضات لا تزال تدور في حلقة مفرغة منذ قبل انابوليس وفي جميع الملفات. والمطالبة بوقف المفاوضات، إلى ان يتوقف العدوان الاسرائيلي بكافة أشكاله، لم تجد طريقها إلى القرارات الصادرة عن المجلس المركزي، وهو ما يندرج بإطار السلبيات حسب رأينا ورأي آخرين ممن لا يوافقون على السياسة التفاوضية المنتهجة.

العبرة بالتنفيذ:
في العودة إلى المحصلة الايجابية لاعمال دورة المجلس المركزي، لا تعني، ولا يمكن ان تعني، انها ستنتقل تلقائيا إلى حيز التطبيق العملي. فقد علمتنا تجارب العمل في المؤسسات الرسمية الفلسطينية وهيئاتها، ان أفضل القرارات وأكثرها صلاحية لخدمة العملية الوطنية، تموت أحيانا طيا في الادراج. من هنا، فان واجب جميع الحريصين على تطوير م.ت.ف. وتفعيل هيئاتها ومؤسساتها عدم الاكتفاء بتبني القرارات، والدفاع عنها، فحسب، بل وكذلك الضغط من اجل انتقالها السريع إلى فضاء الحياة السياسية العملية، سبيلا لتطوير النضال الوطني، دفاعا عن الحقوق المقدسة، ودفاعا عن الوحدة الوطنية، ضد الانقسام بمختلف مظاهره، وتعبيراته، وبما يخدم الجهد الرامي إلى تعبئة كل طاقات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومشروعه الصهيوني على التراب الوطني الفلسطيني.

هشام ابو غوش
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين