الرئيسية » التاريخ » قيام النظام الاماراتي في كوردستان وسقوطه – الحلقة الاولى

قيام النظام الاماراتي في كوردستان وسقوطه – الحلقة الاولى

جاء في كتاب(قيام النظام الاماراتي في كوردستان وسقوطه ما بين منتصف القرن العاشر ومنتصف القرن التاسع عشر) لمؤلفة الدكتور سعد بشير اسكندر شهدت كوردستان نظامين اماراتيين وفي ظل هذين النظامين حكمت العديد من السلالات الاميرية وكانت الامارات الكردية ولحد النصف الثاني من القرن التاسع عشر مستقلة استقلالا تاماَ او شبه مستقلة خاضعة رسميا الى الامبراطورية العثمانية.
ان أهمية كوردستان في اعين الغزاة الاجانب يرجع الى موقعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الاوسط، وكونها مصدراَ لمقاتلين ماهرين من الممكن استخدامهم في غزواتهم الخارجية المستمرة لبسط نفوذهم وسيطرتهم على مناطق خارج حدود امبراطوريتهم، وعلى سبيل اسهام فرسان امراء بتليس وهكاري وخيزان في غزوات التتار في عهد شاهروخ وفي أعقاب بروز امبراطوريتين في المنطقة المتمثلة بالامبراطورية الصفوية والعثمانية، لقد مارس السلطان سليم العثماني سياسة خادعة موفقة لجلب الكورد الى صفه مستفيداَ من الشعور الديني المذهبي ومن جهود العالم الديني الملا ادريس الذي ارسله يتجول بين الكورد ويتصل بأمرائهم ورجالاتهم نافخا فيهم الشعور المذهبي الديني. وداعياَ اياهم الى الانضواء تحت راية الخليفة العثماني الذي اعترف باستقلال الامارات الكوردية الداخلي بموجب الفرمان السلطاني الصادر في اواسط شهر شوال المبارك عام 921هـ الموافق اوائل شهر نوفمبر 1515م.
ولعبوا الكورد دور مهم في انتصار الطرف الذي كانوا يميلون اليه ضد الطرف الاخر وكان لمسألة ضمان تعاون الامراء الكورد مع الاطراف المتحاربة دور مباشر في سير المعارك فبمساعدة الكورد وامرائهم تمكن السلطان سليم الاول(1470ـ1520م) من ان يلحق هزيمة بقوات الشاه اسماعيل الاول الصفوي في موقعة جالديران(1514ـ1515م).((وشجعت السلطات العثمانية قبائل بدوية ذات اصول تركية على استقرار في القرى والمدن الكردية، فمثلاَ حثت السلطات العثمانية قبائل القرقوينلو البدو على الاستقرار قرب الحدود التركية الايرانية في كوردستان، ومقابل انخراطهم في الوحدات العسكرية غير النظامية تعهدت السلطات المركزية باعفاء القرقوينلو جزئياَ من دفع الضرائب.كما ان دوافع سياسية وعسكرية مشابهة دفعت بالسلطان الصفوي الى اسكان قبائل اذربيجانية تركية في مدينة اورمية والمناطق المحيطة بها عن طريق ترحيل القبائل الكردية.كما اسكن الفرس عدداَ من القبائل الاذربيجانية عندما كانت خاضعة لسيطرتهم كخانقين وطوزخورماتو. برغم كل هذه التغييرات الديموغرافية ظل الكورد يشكلون غالبية سكان تلك المدن في منتصف القرن السابع.
وفي الربع الثاني من القرن التاسع عشر اخذت الدول الاوربية وعلى راسها بريطانيا العظمى رغبتها بالتدخل في الشؤون الداخلية للامبراطورية العثمانية، وهي التي اجبرت السلطان محمود الثاني على إصدار(خطي شريف) في عام1839فهذا المرسوم كان من صنع رشيد باشا وزير الخارجية التركي المدعوم من قبل البريطانيين، الذي أراد من ورائه نيل مساعدات مادية من بريطانيا ان أقدم على هذه الاصلاحات برغم من ان رجال الدولة العثمانية لم يكونوا صادقين في نواياهم بتطبيق الاصلاحات وتحسين أوضاع رعاياهم.
وفي عام1850تم اصدار قانون زراعي يمنح حقوقاَ محدودة بالنسبة الى ورثة الارض الذين يسلغلونها أو يملكونها. لكن ظلت الملكية الاخيرة للاراضي الزراعية والمراعي وحق التصرف بها بيد الدولة العثمانية وفي قانون موسوم بـ(اصلاحاتي فرماني) في عام1856وعد فيه بتوفير الحماية الدينية والمساواة القانونية. عاش الشعب الكوردي في ظل السيطرة العثمانية في اوضاع اقتصادية سيئة جداَ حيث كان هناك تذمر اقتصادي واسع النطاق بين سكان مدن كوردستان وأريافها سواء بسبب النزاعات الداخلية من اجل السلطة او بسبب الحملات العسكرية المتواصلة التي كان يقوم بها ممثلو السلطان من حكام الولايات ضد الامارات الكردية والمناطق المحيطة بها.
لقد عانى الاهالي من تدمير الحقول والمزارع ومن تخريب الجسور وقنوات الري ومن عرقلة النشاط التجاري ومن ظاهرة عدم استقرار حيازة الاراضي الزراعية ومن دفع الضرائب الباهظة. خلق كل هذا حالة توتر مستمر بين الحكام والرعية، بين السيد والفلاح بين القبائل المستقرة والمتنقلة ويعتقد لايارد بان الولاة العثمانيين قاموا باستخدام أساليب غاية في القسوة عندما كانوا يقومون بجمع الضرائب.
ومن ألاساليب العثمانية التي مارست اثناء سيطرتها على المنطقة قيامها في ضرب رئيس قبيلة بأخر او قبيلة بأخرى. وتم اللجوء الى هذا الاسلوب خاصة في المقاطعات الجبلية.
اما حول طريقة جمع الضرائب والتي كانت معروفة بـ(الالتزام) حيث كان والي شهرزور المقيم في الموصل نعمت اغا رئيس قبيلة زيبار مهمته جبي الضرائب المختلفة الخاصة بالزراعة او الحيوانات من القبائل الكردية.في المقاطعات المجاورة كبرادوست وشيروان وكه ردي وشمدينان فاذا لم يتمكن او لم يقدر نعمت اغا او رفض القيام بعملهفكان مصيره هو قتل وتهجيز الجيوش لضرب معاقلهم وتدميرها. وتعرضت مقاطعة زيبار الى الغزو العثماني رافقته الكثير من اعمال القتل والنهب المألوفة. وفي حالة رفض القبائل تأدية وتسليم الضرائب الى نعمت آغا لاي سبب من الأسباب، كان عليه ان يرغمها بالقوة على تسديد الضرائب كي يمنع غزواَ عسكرياَ عثمانياَ لقرى الزيباريين.
ويذكر(أر. اي. ميغنان) بان الفلاحين في منطقة كفري كانوا محتقرين من وجهة نظر رؤساء القبائل قائلاَ:((وبرغم احتقارهم من قبل رجال قبائلهم الاحرار)). ويضيف قائلاَ:((نزل شأن الفلاحين الكورد الى ادنى مستوى ممكن. فهم يعيشون في ظل هيمنة غير انسانية…)).
ويدون الرحالة فريزر في مذكراته عن رحلة الطبيب روص الذي ذهب من بغداد الى المناطق الكردية وهو يصف كره الكورد للعثمانيين قائلاَ((قارن الطبيب روص بشكل كبير بين الاقاليم الكردية والعثمانية من حيث الوضع الزراعي والسكاني. ففي الاخيرة(السكاني) كانت القرى مهجورة لان سكانها هربوا من رجال الحكومة وكل من بقي منهم في الخلف اشتكى بشدة من علي باشا(والي) بغداد، وحالما ظهر رجل يمثل الحكومة العثمانية توارى هؤلاء عن الانظار. ومن ناحية ثانية، حالما دخلت مجموعتنا(اي روص والوفد الكردي الذي رافقه من بغداد) التون كوبري خرج الاهالي كلهم للقاء بايزيد بيك(عم الامير محمد رواندوزي) واضعين على رؤوسهم اطواق الزهور، كما لو كانوا في عطلة متجهين نحو يديه لتقبيلها، هاتفين ومحيين)).
ويسخر روص من الدعايات العثمانية المنتشرة آنذاك والتي ادعت ان الامير محمد قد سمل عيني والده بقضيب حديد ساخن من اجل ان يتسلم هو السلطة. فالمعروف ان الامير محمد هو الذي بادر بارسال رسول اي عمه بايزيد الى الطبيب روص في بغداد يدعوه فيه لزيارة المنطقة الكردية لمعالجة عيني والده الذي فقد البصر وبعد اجراء الفحوص على عيني والد الامير، ذكر روص في ملاحظاته بأن سبب فقدان بصر والد الامير يعود الى مرض طبيعي، وانه لم يكن في مقدوره شفاوه.
حول الأوضاع المزرية للفلاحين يقول ريج الذي زار السليمانية حيث كان مندهشاَ من اختفاء المباني والبيوت الجميلة من هذه المدينة(السليمانية)، حيث تم اخباره من قبل احد سكانها قائلاَ ان السبب في ذلك هو غياب الامن الاقتصادي والاستقرار السياسي، مما اجبر العديد من الفلاحين على ترك قراهم واراضيهم وهذا بدوره كان له اثراَ سلبياَ على الزراعة في المنطقة، وعرقل عملية التحول من حياة البداوة الى الاستقرار لدى القبائل الرحل الكردية، ولم يعرقل غياب ضمان الملكية وخسارة الاهالي وسائل معيشتهم عملية تحول المجتمعات الكوردية من البداوة الى الاستيطان فحسب، وانما ايضاَ قلب مسار التحضر. وكان ريج شاهدا على حادثة طالب فيها ولي العهد القاجاري(الفارسي) بإتاوه ضخمة (000ر30) تومان من محمود باشا امير بابان.
ويذكر جيمس . ب . فريزر حادثة أخرى قام الفرس فيها بانتزاع اتاوات كبيرة من امارة بابان عقب احتلالهم السليمانية، برغم ان المدينة كانت في حالة خراب . وغالباَ ما أدت الحروب ما بين الجيوش الفارسية والعثمانية والتدخل في الشؤون الداخلية لولاية شهرزور ولجؤئهم الى اخذ اتاوات ضخمة من سكان شهرزور واجبارهم على تزويد تلك الجيوش بالمواد الغذائية وحيوانات النقل كل هذا ادى الى تقليل الراسمال لدى المواطنين.
اما جيمس فيلكس جونز، العضو البارز في اللجنة البريطانية ـ الروسية التي سعت الى حل الخلاف الحدودي بين الدولتين العثمانية والقاجارية(الفارسية) في عام 1844م، كان شاهداَ على كيفية فرض السلطات العثمانية الضرائب على الفلاحين في منطقتي كركوك وخانقين.
ان مشكلة عدم وجود ضمان بالنسبة الى حيازة الاراضي وهذا مما اثرت على الفلاحين وحصول الاغاوات واصحاب الاراضي على الارباح.
التآخي