الرئيسية » مقالات » من قتل نوري سعيد ؟

من قتل نوري سعيد ؟

لم يكن نوري سعيد باشا غير حافظاً اميناً لسياسة الانكليز في العراق . فقد تعين في اول حكومه عراقيه إبان حكم الملك فيصل الاول عام 1920 كأول مدير شرطه لمدينة بغداد بعد ان كان احد ضباط الجيش العثماني . كان من دهاءه المفرط ان امتلك قابليه ممتازه للتحاور مع الانكليز وتسخير تلك الامكانات لخدمة البلاد . فعلا تمكن نوري باشا من ادخال تطورات كبيره في البنيه التحتيه العراقيه الموروثه من الانظمه الباليه والمتهرئه التي تخلفت من الحكم العثماني . فكان صعبا جدا ان يفلح السياسي في تغيير تلك الانظمه المتخلفه وعليه ان يتحمل اعباءً ضخمه . فلو كان نوري باشا متعاطفا مع القوى الدينيه مثلا لكان الانكليز قد دبروا له مخطط تصفيه ليلتحق بمن سبقوه عند عدم الحاجه اليهم . وان تعاطف مع القوى اليساريه او القوميه لكان مصيره ايضا مماثلا . فقد لعب دور محاور تارة في ارضاء الانكليز وتارة اخرى في تمشية دفة الحكم مع مختلف الطوائف والاعراق .. من طرائفه انه ذات يوم كان ماراً في ساحة الميدان قد اعترضه احد اشقياء بغداد متهجما عليه بالسب والشتم .. كل ما فعله الباشا ان طلب من سائق سيارته التوقف قليلا ليمد رأسه من شباك السياره .. قائلا : ولك تريدني اسجنك ويا السياسيين واسووي براسك خير يا اثول ؟؟
وموقف آخر انه تبلغ من مدير امن بغداد بهجت العطيه ان للشيوعيين مظاهره قد تشكل خطوره على الوضع العام . رده الباشا على التلفون : خليك ويا المظاهره وما عليك بيهم هذوله بس حچي .. بدأت المظاهره من باب المعظم وتطورت على غير احتساب الباشا وحين بلغت باب الاغا والشورجه تضاعفت اعداد الملتحقين بها لتشكل ازعاجا للباشا . فحين بلغوا حافظ القاضي كانت المظاهره اضعاف اضعاف ما بدأت من باب المعظم . اضطر الباشا بنفسه ان يتدخل وتقدم من الباب الشرقي باتجاه النخبه التي كانت تتقدم المظاهره سائلا احد الافنديه من الشيوعيين .. ولك ما تكّولوا لي شبيكم ؟؟ صرخ الافندي بوجه الباشا ومد يده الى ياخة سترة الباشا ليهزها بقوه : نريد حكم ديمقراطي نريد حرية رأي …. اجابه الباشا : ئي مو آني رئيس وزراء ودتهز بياخة سترتي ، بعد شلون تريد شكل الديمقراطيه ؟؟
نعم لقد انتحر الباشا . وكان آخر ما تلفظه هو : سووها بي الانكليز . نعم هناك شهود عيان كانوا اطفال ذلك الزمان كما كنا . فالاحداث مستنسخه في الدماغ لا تنمحي لا بمضي الزمن ولا بمحاولات امثال صدام لتشويه الحقائق . نوري باشا حتى لو تمكن من الفرار لكان يلقى مصرعه في ايران او غير ايران . لان ورقته انتهت وعليه المغادره وان الانكليز استفادوا من دهاءه في تسيير دفة الحكم بارضاء الفرقاء مسترخصين له وفاءه للعراق في بناء ما يتمكن لبناء شيئ للبلاد وكان في حسابات الانكليز بناء مخطط لهدم ما بناه الباشا ، هكذا كان نفس المصير لشاه ايران والسادات وحتى صدام حسين . فقد انتعشت انظمة الحكم في التعليم والتربيه والطب والهندسه والتجاره والصناعه والزراعه واستطاع الباشا ارساء ركائز ثابته للقضاء والاداره . والى آخره من مكتسبات ربما كان ابرزها على الاطلاق هيئة الاعمار بانشاء السدود والخزانات وطرق المواصلات والوزارات وما شاكل .
انتهى دور نوري باشا ولكنه لم يكن ضعيفا لما انفجرت ثورة تموز 1958 ولا شاه ايران كان ضعيفا لما استلم الخميني سلطته ولا صدام كان ضعيفا في 2003 ليسلم ابو عدي بغداد على امل ان تقوم امريكا بتكرار سيناريو قمع انتفاضة 1992 فلو كانت انتفاضه مماثله قد قامت في نيسان 2003 لما ترددت امريكا من اطلاق صدام ليحصد الملايين مرة اخرى . هناك حديث قد يكون حقيقه بين صدام واحد كبار الضباط الامريكان . سئله الضابط الامريكي : هل بامكانك الان وانت في المعتقل من اعادة الامن للعراق ؟؟ اجابه صدام : نعم واحتاج فقط لساعه و10 دقائق فقط .. الضابط : وكيف ؟ صدام : ساعه لأذهب الى البيت لأرتب نفسي ومكياجاتي و 10 دقائق فقط احول لكم العراق الى بلد خرفان كما كان سابقا ..
لا تزال هناك اصوات كثيره لا تؤمن بنظرية المؤامره وهي تحلم بعراق ديمقراطي وحر وفيدرالي وانتخابات ودستور واخيرا انتخابات مجالس المحافظات التي تعتبر من اكبرالنكات التي تضحك المرء . هناك من يحلم بقانون النفط والغاز وكأن الشرق الاوسط مليانه حكومات ديمقراطيه فيدراليه تنعم بالبرلمانات الحقيقيه ..
كاد ان ينهض نوري باشا من نومه الابدي بظهور الدكتور عبدالرحمن البزاز في 1966 الا انه اخطأ لما ظهر على الشاشه علنا بأنه يتشرف ان يكون عميلا ويؤمن خدمة بلده ، لان الدول الكبرى قادره على التخلص من اي شخص يعيق سياستها ولهذا السبب فاني ، لسان حاله ، فاني اتشرف بالعماله لخدمة بلادي .. يمكن امريكا والانكليز قالوا : احنا ما صدكّنا تخلصنا من نوري باشا ، هذا من اين جاءنا ؟؟ ولم يتردد ابو عدي من التخلص منه وكان البزاز في رأس قائمه التي استلمها صدام من المخابرات الامريكيه للتصفيه .. نعم
نوري باشا خدم العراق وانتحر وعبدالكريم قاسم خدم وحكم وتقدم هو للمقصله بنفسه وايضا يعتبر انتحار ولم يستطيع شعب العراق من صد بضعة سرسريه من البعث المجرم في 1963 ليحولوا العراق الى حمام دم ولن يتمكن من صد اي تحول في غير صالحه لان هذا الشعب يعتمد الجهالة كدستور .. اما صدام فتملّكه حب الذات متشبثا بالعوده ، فدفع الثمن غالياً ، هناك مقوله لهتلر .. اذا كنت تدري بانك تقع في الأسر عليك بالانتحار كي لا تعيش لتبرر هزيمتك فالموت اشرف . وهناك واقعه اخرى للقائد الشيشاني اصلان مسخادوف لما وقع في كمين روسي ، فقد اوصى رفاقه ان يقتلوه باطلاقه واحده حين يشعرون بالوقوع في الأسر ففعلوا ..
وهناك واقعه لنابليون . فأنه كان يفشل دائما في احتلال النمسا وذات يوم افاده احد قادته الميدانيين بانه استحصل ضابطا يافعا نمساويا مستعد لبيع اسرار دفاعات جيشه مقابل ثمن . لم يتردد نابليون وحصل على تلك الاسرار وتمكن من احتلال فينا ولما جاء القائد الفرنسي بالضابط النمساوي لينال تكريمه من نابليون تقدم ليصافحه فرفض نابليون من مصافحته ورمى بكيس النقود على الارض قائلا : نحن لا نصافح الخونه !!