الرئيسية » مقالات » ثقافة القنادر انقذت الاتفاقية

ثقافة القنادر انقذت الاتفاقية

كنت اعتقد ان توقيع الاتفاقية الامنية سيثير ضجة اعلامية، وارتفاع غير مسبوق بمعدل العمليات الارهابية، كما سيرافق ذلك حتما خروج المظاهرات المنددة، في ايران وسوريا وغيرها، فهذه الدول قد اعتادت على سوق بسطائها من المدارس والاسواق في مظاهرات التأييد للباطل والتنديد بالحق دائما، ولكن تصرف المراسل الزيدي حرف الانظار عنها فمرت، الاتفاقية، بعد شهور من الانتظار، بصمت، وانشغل الاعلام المعادي لها بـ “قندرة طائشة” اكثر مما شغله هذا التحول التاريخي الكبير، الذي يرسم مصير العراق ومستقبل الشرق الاوسط برمته، بل ويلقي تبعات لا يمكن تجاهلها على العالم اجمع.

اثار حادث “القندرة الطائشة” ما يشبه الثورة من النشوة والفخر الوطني لدى البعض، وانعكس على الفور كانجاز بطولي في قنوات الاعلام العربي، حتى بدأ ان قلوب المؤسسات الاعلامية تحركت مع رفة الحذاء، اكثر من بوش، أو المالكي، ونسى هذا الاعلام كليا ان وجود الرئيس الامريكي في بغداد هو لتوقيع الاتفاقية، طويلة الامد، وانها قد وقعت بالفعل ايضا.

قد يكون مرد الاهتمام بحادث “القندرة” اكثر من توقيع الاتفاقية هو العطش الغريزي لعمل جرئ يحرك كوامن الاعلاميين مهما كان هذا الحدث سطحيا وساذجا، ودون الاخذ بنظر الاعتبار اذا كان هذا العمل مجديا ام لا، واعلام كهذا تستطيع قندرة تائهة ان تحرف انتباهه بحيث تمرر من خرم ابرته فيل الاتفاقية الامنية دون ان يشعر.

اعتقد ان المالكي صلى ركعتين لشكر الله، وقد يطير للتبرك بكرامات السيد السيستاني، واحتفل جورج بوش بكأس شمبانيا، وسيعود الى منتجع كامب ديفيد غدا، فما حصل اليوم، الاحد 14-12-2008 هو اكمال اكبر اتفاقية بين امريكا، وبلد اخر.
واهمية الاتفاقية للمالكي انها تمنحه التأييد الامريكي للبقاء في الحكم، وجمع رصيد جماهيري عن طريق مجالس الاسناد، واهميتها لامريكا هي امكانية استنساخها في افغانستان وغيرها من الدول المدرجة على قائمة التغيير.

المنغص الوحيد الذي كان بامكانه ان يفسد احتفال المالكي هو توجيه الاعلام على تبعيته، وذيليته لامريكا، مما يضعف اقبال العراقيين على مجالس الاسناد. وما ينغص احتفال بوش هو تسليط الضوء على سلبيات الاتفاقية لافشالها في الاستفتاء الشعبي في حزيران القادم.

ترى ما الذي كان سيشغل الاعلام العربي هذا اليوم، لو لم يهزه حادث “منتظر الزيدي”، هل كانت ستسلم الاتفاقية من التشنيع، والمالكي من التخوين، وبوش من الغطرسه؟ ابدا، لكن التهور و”ثقافة العلاج بالقندرة” الذي تميز المثقف العربي “الرسمي” هو الذي سمح للاتفاقية بالمرور خلسة من الزقاق الخلفي، وانقذها من التشريح على مسطبة الاعلام، وليشكر الرئيس بوش، والمالكي التفاتة الزيدي بالقندرة.