الرئيسية » مقالات » المجتمع العراقي تحت وطأة الاحتلال والواقع البائس للمرأة

المجتمع العراقي تحت وطأة الاحتلال والواقع البائس للمرأة

لم يكن يدور في خلد الشعب العراقي الذي كان تواقاً للخلاص من حكم البعث والطاغية صدام وما جره على العراق من كوارث تقشعر من هولها الأبدان جراء حروبه الكارثية التي أزهقت أرواح أكثر من مليون مواطن من شباب العراق، وجراء قمعه للحريات العامة، والتنكيل بكل القوى السياسية، وفرض الانتماء لحزب البعث، حزباً أوحداً، بوسائل قسرية أو إغراءات، وتسببه في فرض الحصار الجائر من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ذلك الحصار الذي امتد ثلاثة عشر عاماً عجافا، والذي يعتبر أشنع أنواع الحروب قسوة ووحشية، انه يمثل حرب التجويع والفقر والأمراض، وتدمير البنية الاجتماعية للشعب العراقي، ليجد الشعب نفسه أمام ظروف أشد قسوة وأعظم أذى.

لقد بات المجتمع العراقي تحت هيمنة المحتلين وسلطة الأحزاب الدينية وميليشياتها التي باتت تسيطر على كل صغيرة وكبيرة، وتتدخل في حياة المواطنين ونمط حياتهم ومأكلهم وملبسهم، وقد كان نصيب المرأة العراقية التي تشكل نصف المجتمع العراقي تحمل العبء الأثقل الذي وقع على الشعب العراقي، فقد سلبت منها حريتها وإعادتها إلى عصر الحريم، وتم فرض الحجاب عليها، بل لقد وصل الاضطهاد بحقها إلى القتل، وكل ذلك جرى باسم الدين والشريعة.
وبسبب الوضع الأمني المتدهور الذي حل بعد اسقاط نظام صدام، واندلاع النشاط الإرهابي في مختلف المدن العراقي، وعلى أوسع نطاق، فقد تعرضت المرأة العراقية إلى الخطف والقتل أو الابتزاز على أيدي العصابات الإرهابية المختلفة لقاء طلب الفدية، وفي كثير من الأحيان تتعرض للاغتصاب والقتل على الرغم من استلام الفدية.
ونتيجة للحرب الأهلية التي حلت بالبلاد، فقد أزهقت أرواح مئات الألوف من المواطنين، واتساع عدد الأرامل في البلاد حتى تجاوز المليون امرأة ناهيك عن ملايين الأطفال الأيتام، وبات على المرأة أن تتحمل مسؤولية تربيتهم، وتدبير معيشتهم، وكافة شؤون الحياة الأخرى، في ظل الأوضاع الكارثية التي حلت بالبلاد حيث البطالة والجوع والفقر وانتشار الأمراض، وضعف الخدمات الصحية والاجتماعية، فقد تدنت مستوى حياة الأسرة العراقية في كافة مجالات الحياة إلى الحضيض، وهذا ما أكدته وزارة الصحة العراقية في تقريرها الموسع، والذي ضم النتائج التفصيلية لمسح صحة الأسرة العراقية على مدى العامين السابقين، والذي نفذته بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط وبدعم من قبل منظمة الصحة العالمية.

لقد تضمن المسح الذي يعد الأول من نوعه في العراق مؤشرات ومعلومات وبيانات مهمة عن معدلات وفيات البالغين وأسبابها، ووفيات الأمهات ونسبها، كما وفر المسح بيانات عن صحة المرأة والأسرة والعنف الأسري.

وكشف التقرير أن 10 % من النساء يترأسن أسرهن، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 14% في إقليم كردستان، وتتضاعف نسبة الإناث اللائي لم يحصلن على التعليم مرة واحدة قياسا إلى نسبة الذكور، فالإناث يشكلن 27% في حين تبلغ نسبة الذكور 15%.

كما ركز المسح كثيرا على واقع حال المرأة العراقية فيما يخص التعليم والعمل والحالة الاجتماعية والصحة والحمل والولادة، ففيما يتعلق بالتعليم هناك 17% من النساء من اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 ـ 49 سنة لم يحصلن على التعليم أبدا، وهناك 22% من النساء لا يمكنهن القراءة مطلقا، فيما بلغت نسبة النساء اللائي ليس لديهن عمل 87%.

ويرتبط التعليم بنحو وثيق الصلة بالحالة الزوجية، إذ تزداد نسبة النساء العازبات مع ازدياد مستوى التعليم، وتقل نسبة النساء الأرامل كلما ارتفع مستوى التعليم من 6% لغير المتعلمات الى 1% للنساء الحاصلات على التعليم الجامعي.
.
وترتبط نسبة الزواج في الأعمار المختلفة بصورة كبيرة بمراحل التعليم، فالمتعلمات يتزوجن في سن متأخرة، وقد لا يتزوجن، وهناك 12% من النساء لديهن ضرة، وزواج المرأة لأكثر من مرة يكون أعلى بين النساء الأقل تعليما وتصبح الحالة أكثر شيوعا بين الأعمار الكبيرة.
ولأول مرة في العراق وفر مسح صحة الأسرة مؤشرات خطيرة عن العنف المنزلي ضد المرأة بعد أن ازداد الاهتمام العالمي في السنوات الأخيرة بهذه القضية، وكيفية إيقاف ظاهرة العنف الذي تتعرض له المرأة من قبل المجتمع. ويشمل العنف الأسري والإساءة الجسدية والنفسية من قبل الزوج، والعنف أثناء الحمل.

فقد أظهرت النتائج أن 83% من النساء قد تعرضن لشكل واحد من أشكال سيطرة الزوج، وأعلى النسب المسجلة في هذا المجال هي الغيرة والغضب، وبدا واضحا أن النساء الأصغر سنا هن أكثر عرضة لسيطرة الزوج، فهناك 74 % من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين [15 ـ 24] سنة عليهن طلب الإذن قبل الذهاب الى المؤسسات الصحية، كما أن لتعليم المرأة أثرا كبيرا في تحكم الزوج، فهناك 33% من النساء يتعرضن للعنف النفسي مثل التقليل من شأنهن وإهانتهن. وسجلت أقل نسبة للعنف النفسي في إقليم كردستان، إذ بلغت 18% مقارنة بـ 36% في الجنوب والوسط، وهناك 21% من النساء المتزوجات قد تعرضن للعنف الجسدي.

إن ظاهرة العنف ضد المرأة لا تتحدد في بلد أو مجتمع أو ثقافة معينة، بل هي تشمل كافة بلدان العالم بما في ذلك المتقدمة، كما أنه لا يقتصر على فئات نسائية معينة داخل المجتمع، وهذا يعود إلى هيمنة المجتمع الذكوري وسيطرة الرجل على المرأة مدعومة بقوانين الأحوال الشخصية لتلك الدول على الرغم من تفاوت الحال بين المجتمعات الغربية والشرقية، ورغم أن معظم المجتمعات تحظر هذا العنف إلا انه في واقع الأمر يتم التستر عليه أو التغاضي عنه ضمنيا في أكثر الأحيان.

فالنساء العراقيات يتعرضن لشتى أنواع العنف بشكل يومي بسبب الأوضاع السياسية وارتفاع وتيرة العنف العام، ومن المعروف انه كلما ازدادت الصراعات في الدولة فانه يزداد معها العنف الأسري ضد المرأة، ويأتي ذلك نتيجة لما يتعرض له الرجل يوميا من صنوف من الإرهاب النفسي، والقلق الشديد من التفجيرات والعبوات الناسفة التي يجري تفجيرها في الشوارع والطرق، والتي يذهب ضحيتها المواطنون الأبرياء وهم في طريقهم إلى عملهم أو مدارسهم وكلياتهم، مما يجعلهم دائمي التوتر والقلق والانفعال الذي يؤثر بالغ التأثير على تصرفات الإنسان ولهذا الوضع نتائجه السلبية التي تنعكس على تصرفاته اليومية فيعاد إنتاج العنف الذي تتعرض له المرأة والأطفال في البيت، ومن جانب آخر فلا وجود لنصوص قانونية تحمي المرأة من الضرب والتجاوز في المحيط الأسري، حيث أخذ عدد النساء اللاتي يتعرضن.
للضرب والهجر في تزايد مستمر، وارتفعت حالات الطلاق بنسبة تتراوح ما بين 50 الى 60 % من الزيجات أي ما يقارب أكثر من 5 ملايين امرأة مطلقة.
ولا شك أن التشدد الديني يساهم بشكل كبير في ازدياد نسبة العنف، خصوصا انه أصبح ظاهرة منتشرة بشكل كبير في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 ليكون بالتالي عائقا كبيرا أمام تحرك المرأة، وتقييد حريتها، خصوصا فيما يتعلق بمسألة الحجاب الذي أصبح إجباريا وليس اختياريا. .
كما أن ظاهرة اختطاف النساء أصبحت من أكبر القضايا التي تبث الرعب في الأسرة، وغالبا ما يكون الخطف على أيدي عصابات بهدف الفدية لمعرفة الخاطفين أن أهل الضحية لن يترددوا بدفع الفدية مهما كلف الثمن، وفي بعض الأحيان يكون الدافع للخطف سياسياً، وفي احيان كثيرة لا يتم الإبلاغ عن النساء المختطفات من قبل ذويهم في مراكز الشرطة، واعتماد أهلهم على أنفسهم من أجل إنقاذ المخطوفات بدواعي ما يسمى بقضية الشرف، لكن مصادر الشرطة تشير إلى أن عدد المخطوفات المسجلات لغاية عام 2007 قد بلغ ثلاثة آلاف امرأة.

لقد تحدثت السيدة ياكين ارتورك مقرر الأمم المتحدة الخاص بقضايا العنف ضد النساء قائلة: أن المرأة العراقية ما زالت ضحية أعمال عنف تقوم بها جهات عديدة في العراق، كالميليشيات المسلحة، والمتمردين، وعناصر القوى الأمنية، بالإضافة إلى التطرف الديني والاجتماعي، وأشارت ارتورك في بيان بمناسبة
اليوم العالمي لإلغاء العنف ضد النساء، إلى إن الاضطراب الأمني، وتدهور الوضع الاقتصادي، والتزمت الاجتماعي عوامل تؤثر في حياة النساء العراقيات، لافتة إلى أن بعضهن يقعن عرضة للاغتصاب وعمليات الاتجار بالجنس، وكذلك للاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الأمن العراقية والمتعددة الجنسيات، خصوصا خلال مداهمات المنازل بحثا عن مطلوبين.
وأعربت إرتورك عن القلق بشأن ارتفاع عدد حوادث قتل النساء لأسباب تتعلق بالشرف، والحصانة التي تمنحها السلطات والقوانين لمرتكبي هذا النوع من الجرائم، مشيرة إلى أن جرائم الشرف من أكثر الحوادث المؤدية إلى موت النساء تحديدا في المناطق الشمالية من العراق.

كما تشيع أيضا عمليات استئصال الأعضاء الجنسية من الإناث أو ما يعرف بـ [ختان النساء]، ونقلت وكالة الإنباء الفرنسية عن منظمةWADI
الألمانية غير الحكومة تأكيدها بعد استطلاع أجرته في ثلاث قرى كردية، أن ثلاثة آلاف من أصل ما يقرب من ستة آلاف فتاة قد تعرضن للختان هناك.

وهكذا تبقى المرأة العراقية تتحمل العبء الأكبر والظلم الأفظع بالإضافة إلى مسؤوليات العائلة والأطفال من دون أن تلقى الحماية اللازمة والعناية، والضمان الاجتماعي الذي يقيها وأطفالها الفقر والحاجة، ويصون كرامتها، في ظل هذه الظروف الشاذة في العراق سواء كان ذلك في عهد حكم طاغية العراق صدام وحملته الإيمانية المزيفة، وممارسة قطع رؤوس النساء، والتي تصاعدت أكثر فأكثر بعد الاحتلال وتولي الأحزاب الدينية السلطة، وممارسة ميليشياتها المسلحة والمتخلفة شتى أنواع الاضطهاد النفسي والجسدي الذي وصل إلى حد القتل، مما تتحمل الإدارة الأمريكية وجيوشها المحتلة للعراق المسؤولية المباشرة عما اصاب المرأة من ظلم وطغيان الأحزاب الدينية وميليشياتها المتوحشة التي استهدفت إعادة المرأة إلى عصر الحريم.
إن إحزاحة الاحزاب الدينية عن السلطة، وفصل الدين عن الدولة، وقيام نظام حكم ديمقراطي، وسن دستور علماني متضمناً نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية حقوق المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة هي أهم الخطوات التي يمكن في ظلها أن تستعيد المرأة حقوقها المغتصبة وحريتها المهانة، وأن تحررها الاقتصادي عامل حاسم آخر في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، ورفعة شأنها، وهذا يتطلب نضالا شاقاً ومتواصلا بلا هوادة ليس من جانب المرأة وحدها، بل بمشاركة فعّالة من جانب كل القوى السياسية والمنظمات الاجتماعية، وفي المقدمة منهم كل حملة الأقلام النظيفة والمتنورة في حملة واسعة النطاق لإحداث انعطافة حقيقية كبرى في مسيرة المجتمع العراقي نحو التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

14/12/2008