الرئيسية » مقالات » السيّاب….. كنتُ شيوعيا ً

السيّاب….. كنتُ شيوعيا ً

كنتُ شيوعيا هو عنوان كتاب من اصدار منشورات الجمل الطبعة الاولى 2007, الكتاب يحمل في طياته اعترافات بدر شاكر السياب والتي نشرت في عام 1959 على شكل حلقات في جريدة الحرية في بغداد,……………………..

الكتاب يتضمن في جميع حلقاته حقدا على الشيوعيين من قبل السياب ,وقد وجدت ان الحقد الرئيسي للسياب على الشيوعيين لالجريمة اقترفوها, سوى ان جريمتهم هي حبهم للخمر والنساء والحادهم وتفاصيل اخرى صغيرة…..

أعتقد ان السياب ذلك الشاعر الحزين ,الرومانسي, الشفيف, , وهو من اوائل المحدثين واصولهم الفكرية, كان يشكو عقدة النقص الخلقي ,ومنذ بداية مرضه, صار أزدواجيا, حقودا, غيورا , و خائفا من الموت , فتراجع القهقري في ايامه الاخيرة واصبح يدعي بان له اسلاف,ونسي ان كل ماضي رجس يجب ان يقتلع ويرمى.

أما بالنسبة لاتهامه الشيوعيين بالالحاد فهو تجنّي كبير اذا ماقورن بالحاده, فهو المعلم الاول في الالحاد,كان يحمل بذور الشك منذ الصغر, بعيدا عن النية السليمة,جريئا على كل شئ, جميع المقدسات لديه معرضة للتلاعب والاستهزاء,, وعلى طريقة رامبو الذي خاطب المسيح يقول له[ يسوع يالصاَ أزلياَ يسلب الناس نشاطهم]. المحور الايماني كان غائبا في مجمل أشعاره, وجميع شخصياته لاتلجأ الى السماء الا في حالات الضيق والنكبات, ولاتطلب المغفرة لانها بعيدة كل البعد عن الاعتراف بقواميس الخطيئة, كان السياب فريسة القلق والرفض وعدم الثبات,ناقمُّ على تعقيدات الحياة . استطيع القول أن الشيوعيين كانوا يتعلمون دروسا منه في الالحاد,أنه من اوائل الملحدين والمستهترين بمقام الذات الالهية وكان يوظف رموزا دينية ولايتعامل معها باحترام وتقدير. لنر مايقول بخصوص ذلك …………………


فنحن جميعنا اموات
انا ومحمد والله
هذا قبرنا أنقاض مئزرةٍ معفرةٍ
عليها يكتب اسم محمد والله
على كِسرٍ مبعثرةٍ من الاجر والفخار
فيا قبر الاله………………

ثم يقول عن الله في مكان أخر””

فكان ابتهالُّ, وكانتْ صلاة
تعفّر وجه الاله
وتجثو عليه انطباق الشفاه

هذا غيض من فيض في الحاده وعبثه واستهتاره , والحاده كان بمثابة مكون فكري وايديولوجية تنكر الدين, وتصادم وتسخر من كل مايشير الى النبوة والوحي. وكانت معاني الشك وعبثية الحياة والموت وضياع الانسان في هذا الكون, وتشرده, وعدم الانتماء, والتمزق والخوف من الغد, والتشاؤم كلها كانت من المقومات الاساسية لحياة السياب. ورغم كل هذا يقول عن الشيوعيين ملحدين وشعوبيين, الالحاد كان انجيلا بالنسبة للسياب, وكان دائم التساؤل عن الرب الذي لم يعبده , كان كل شئ لديه يتعرض للاهتزاز, والاقدار بالنسبة له ماساة وسأم, بل كان مشككا بالحياة بعد الموت, و ما من غائية لديه في الحياة ولا معنى لها , ضاربة على غير هدف, بل هي العبث واللاجدوى. .

يقول في الحلقة الثامنة من الكتاب, ان الشيوعيين اجبن خلق الله, وتفسيره لهذا الجبن هو بسبب عدم ايمان الشيوعيين بالحياة الاخرى, معللا ذلك في الفرق بين الجبرية والقدرية, حيث ان الجبرية تقول ان الانسان يستطيع التحكم بحياته واتقاء الشر والموت, اما القدرية فهي تؤمن بان الشر يأتي للانسان ولوكان في بروج مشيّدة, ولذلك كان المسلمون اشداء اقوياء في الحروب لانهم يعرفون ان لكل قدره في الموت , هوهذا تحليل شاعرناالكبيرالسياب. لااريد ان اتحدث عن شجاعة الشيوعيين وتفانيهم لاننا لو بدأنا, سوف لن ننتهي, كما وان السياب قد ناقض نفسه او يريد ان يتغاضى عن بسالة الشيوعيين, لحقد دفين اتجاههم ليس الاّ , لانه يشيد بشجاعة عبد الرحيم محمود الشاعر الشهيد الشيوعي الفلسطيني صاحب البيت الشهير[ سأحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى…. فأما حياة تسر الصديق واما ممات يغيض العدا], هذا البيت يغنينا لمعرفة شجاعة الشيوعيين وبشهادة بدر نفسه , ولكن السياب يحمّل الشيوعيين وزر تسوّل ابن الشاعر[عبد الرحيم محمود] بعد أستشهاده ويتهمهم بالجبن, الشيوعيون طيلة فترة نضالهم لم يكتبوا عهدا أو يتفوهوا شفهياً لاي عضو بأن يمنحوه راتبا, سواء ان كان في السراء أوالضراء, بل كل مالية الحزب الشيوعي برمتها ولحد اليوم تستمد من تبرعات رفاقه,فلا أعرف لماذا يتحمل الشيوعيون أسباب تسوّل ابن الشاعر المذكور أعلاه كما يدّعي السياب ويتهمهم بالجبن. هذا هو التناقض في آراء السياب ,مرة يقول عنهم جبناء ومرة ً يشيد بشجاعتهم من خلال الاشادة بشجاعة الشاعر عبد الرحيم, أنه الحقد المبيت الذي يجعل الانسان متأرجحاً ولايقر له قرار في أتخاذ الرأي السديد والصائب. ثم ماهو الجبن الذي يقصده السياب في مفهوم الجبرية والقدرية, لو تطرقنا الى تحمل التعذيب في غياهب السجون والاقبية,ورغم ان الجسد في هذه الحالات هو الذي يقرر مدى الصمود وليست الارادة , لكننا نجد الكثير من الشهداء الشيوعيين الخالدين في هذا المضمار والذين اصبحوا رمزا لتحمل الالم والصمود في سبيل نير الدرب للاخرين. مقابل ذلك هناك رموز دينية لم تتحمل ألم التعذيب, مثال على ذلك عمار بن ياسر الذي ذكر الهة قريش بخير تحت التعذيب, فهل يعتبر هذل الرمز الاسلامي الخالد في نظر السياب جبانا؟ فماذا يقصد السياب بالجبناء, هل لانهم كما يقول في احد الحلقات بانهم يمنّون الناس وخصوصا الفلاحين منهم بالحياة الهانئة بعد استلام السلطة وتحت نير الحكم الشيوعي,ولم يتسنى لهم استلامها ولذلك فهم جبناء, لانهم يقولون مالايفعلون. ليت السياب بين ظهرانينا ليرى ويدحض اراءه بنفسه , حين يسمع بالارهابي النتن المفخخ وهو يريد الصعود الى السماء بانتظار وجبة عشاء دسمة مع النبي, عندها يعرف السياب ماهو الفرق بين الجبرية والقدرية.


لم اجد في الكتاب مايشير الا ان السياب كان متعمقا في الشيوعية, بل كان متربصا الى تلك الخصال أعلاه وخصوصا علاقة الشيوعيين بالنساء الشيوعيات بعلاقة لاتتسم بالعفاف كما يدعي كاذبا, وهنا تبرز الصفة المَرَضية لدى السياب وعقدته النفسية من كل شخص له علاقة حب مع امراة حتى لو كان من غير الشيوعيين, ولوسنحت الفرصة للسياب ان يقيم مثل هكذا علاقة لفعل وبدون تردد, ولكنه كان لايمتلك تلك الكاريزما التي تبحث عنها النساء,بل كان يتحسر على ذلك, بدليل انه قال وهو في معهد المعلمين ؟؟


ياليتني أصبحتُ ديواني لآفرّ من حضنٍ الى ثاني
قد بتُّ من حسدٍ أقول له ياليتَ من تهواك َ تهواني



ان ماهية هذا البيت معروفة لد الكثير من الادباء والكتاب, حيث كان ديوانه يتنقل من فتاة الى فتاة في معهد المعلمين حيث كان السياب طالبا,وهو لم يستطع البوح لاحدهنّ بأنه هو بدر السياب بشخصه الجالس امامها, حين أعطت رأيها أعجابا بالديوان, لانه كان ضعيفا وهزيلا وعديم الثقة بنفسه امام النساء , وكما قال فاضل العزاوي عنه ,بأنه كان يدرك تماما ان حوريات البحر في غنائهن العميق لاينشدن له اطلاقا .


في كل مقالاته في الكتاب يحمل غيرة جنسية و حقدا جنسيا على الشيوعيين الذين كانوا رفاقه في النضال انذاك ومنهم القيادي البارز [ بهاء الدين نوري] هذا الشيوعي العملاق, المناضل العنيد, الذي لم يتخلى عن شيوعيته وهو في شيخوخته وعمره المديد,والذي يصفه السياب بانه كان شابا وسيما وله القابلية على اغواء النساء, فهنا تبرز رائحة الغيرة والحقد من قبل السياب على صديقه ورفيقه في النضال, لالشئ الا لكونه زير نساء, حتى وصلت به الامور الى ان يكون فضوليا تافها وهو يسرق النظر من خلال فتحة المفتاح لباب الغرفة التي دخلها رفيقه[ بهاء الدين نوري] وكانت معيته احدى الرفيقات فقضى[ يقصد بهاء الدين] وقتا ممتعا معها, اي هراء هذا , وكأنه يخيل لي ان السياب كان يمارس الاستمناء في تلك اللحظات وهو يسترق النظر من ثقب الباب. يذكرني حقد السياب الجنسي بفلم[ الزائر الغريب] حيث تدور احداث القصة حول شاب ثري ولكنه عاجز جنسيا, يكره اصدقاءه جميعا وخصوصا احدهم الذي كان بطلا فحلا في ممارسة الجنس مع النساء اللائي يعرفهن صديقه العاجز, فيلجأ هذا الاخير الى قتله بسبب الغيرة الجنسية, فتشتبك احداث القصة دون معرفة القاتل, أخيرا يكتشفه المحامي البارع المتقاعد عن العمل بسبب جنونه ويمثل هذا الدور الممثل القدير[ جيمس ماسون], فيأتي الى الشاب القاتل في ليلة زفافه , بالرغم من انه لاينفع للزواج بسبب عجزه الجنسي لكنه تزوج للشهرة والاعتزاز بالنفس والغرور, فيتقدم اليه جيمس ماسون وسط المحتفلين وامام ابوه وامه فيهديه كتاب قصة [الجريمة والعقاب],بدلا من التهاني المتعارف عليها في ليلة عرس, فينتفض المحتفلون وابوه وامه لهذا التصرف الشائن, حتى اعترف العريس[ العاجز جنسيا] امام المحتفلين بجريمة قتله صديقه بسبب الغيرة الجنسية. انها الغيرة الجنسية الجياشة في صدر بدر شاكر السياب, جعلته ينضح حقدا خزينا قاتلا ً على رفاقه, بمجرد اختلافه في جملة التفاصيل الصغيرة معهم…………….

في الحلقة الخامسة عشرة يوجه اتهاماته الى الشيوعيين بانهم ينادون الى تشكيل حكومة ديمقراطية في فلسطين يشترك فيها العرب واليهود, واثبتت الايام ان هناك الكثير من يطالب بهذا الرأي, أو اقامة دولتين مستقلتين وهذا مايصبو اليه اليوم الراي العالمي والفلسطيني . وحتى محمود درويش تطرق الى ذلك في الجزائر ولو حصل هذا منذ ذلك الوقت لتجنب الفلسطينيين كل هذا القتل والدمار على مدى السنوات تلك, ولذلك فان راي السياب بهذا الخصوص ذهب ادراج الريح.ثم يتهجم على الشيوعيين وقيادييهم اليهود ولم يعلم بان الكثير من الشيوعيين اليهود بقوا اوفياء مخلصين ومنهم حسقيل قوجمان. ثم يتهجم على بيارق في الادب امثال البياتي وبابلو نيرودا وناظم حكمت الذين ترجمت اعمالهم الى اكثر من لغة, ليس لشئ , وانما لكونهم شيوعيين ملحدين ويحبون النساء, كان الاجدى به وهو الشاعر الكبير ان ينأى بنفسه بعيدا عن هذه السفاسف المملة.


الغريب في السياب و موقفه من الحجاج بن يوسف الثقفيّ, حيث يصفه بالبطل لانه قد حمى الكوفة من الغزو الفارسي , في حين لايختلف اثنان عدا من يحمل دما ً أمويا, على ان الحجاج هو الطاغية والقاتل, ولكن الحقد يجعل من المرء يفعل مايشاء ويقود الانسان لفعل اي شئ خارج حدود العقل, اين السياب من صديقه ادونيس الذي يهاجم الحجاج ويستهزا به في اكثر من موضع ويقول عنه مايقوله الجميع بان الحجاج رمز الظلم والقمع ويتخذه الشعراء والادباء في اعمالهم كرمز الى السلطات القمعية المعاصرة, ولشدة كره أدونيس الى الحجاج مما دعا البعض أن يقول عنه بانه يحمل هوىً شيعيا وهذه هي النكتة العظيمة…..لان ادونيس منذ بداية مشواره الادبي والى الان حيث الحملة الشرسة ضده , في خصام دائم مع الاديان.

واخيرا اقول بأن الذي يقرأ هذا الكتاب سوف يرفع من مخيلته تلك الهيبة التي يحملها للسياب[ كشخص] وليس كشاعر, سوف تتجلّى له صورة أخرى غير التي يعرفها عن الشاعر العملاق,الشاعر الذي أصبح من التوابين عند اشتداد مرضه وأقترابه من الموت الاكيد,وهذا هو السبب الرئيسي في تحول السياب في أيامه الاخيرة من ملحد الى راهب يبث سمومه وحقده على الاخرين وهو راقد في صومعته, وهذه الحالة تحصل لدى الغالبية العظمى من بلدان الشرق, كما قال الكاتب علي الوردي ,أن الانسان العراقي حينما يكون شابا فهو الان ديلون وحينما يكون كهلا فهو حجي عليوي , وحتى هذه المقولة يبدو انها لم تشمل السياب, لأنه في صبابته وشبابه كان غيورا حقودا, معقدا, حزينا, نرجسيا, فلم يكن الان ديلون, و لم يكن حجي عليوي,حيث لم يلحق ان يكون كهلا, لانه مات مبكراً. .

/ عراق /دنمارك