الرئيسية » مقالات » هل هي مرحلة الشيوعيين الآن؟

هل هي مرحلة الشيوعيين الآن؟

بالرغم من ايماني المطلق بان انتخابات مجالس المحافظات القادمة سوف لن تختلف كثيراً عن سابقاتها التي حصلت في عراق ما بعد الدكتاتورية، الاّ ان المراقب لخريطة الوضع السياسي في البلد يستطيع ان يلمس تغييراً طفيفاً في توجهات الناخب، وتبدلاً في بعض المواقف، والتي قد لا تؤدي فعلاً الى تأثير كبير في ميزان العملية الانتخابية لصالح العلمانيين، لكنها مهمة لاستشراف المستقبل ومعرفة الى اين تتجه بوصلة المواطن على الاقل خلال الفترة القليلة القادمة.

في برنامج للدكتور محمد الهاشمي على قناة المستقلة، كان هناك سؤالاً مستفزاً للضيفين الغريمين، الشيوعي السابق الدكتور مهدي السعيد، والبعثي سيف الدين الدوري، والسؤال كان: مَن ستنتخب؟ من بين اصناف ذكرها الهاشمي اشتملت على بعثيين واسلاميين وقوميين ويساريين وشيوعيين وليبراليين علمانيين وتيارات اخرى، فأجاب الدوري، بانه سينتخب البعثيين دون ادنى تردد، وهو ما كان متوقع منه ..
اما الملفت في الامر هو جواب الشيوعي السابق مهدي السعيد، فقد صدم الهاشمي والمتابعين للبرنامج، حينما قال باني سانتخب الليبرالي العلماني، مما جعل المذيع يسأله اكثر من مرة عن السبب وهو المفروض ذو تراث يساري شيوعي، فعلّل لان المرحلة الحالية ليست مرحلة الشيوعيين، مضيفاً بان العراق اليوم يحتاج الى ليبرالي علماني يوحد الجميع.

من هنا اتت فكرة هذا المقال بعنوانه، لنرى هل فعلاً ان المرحلة الحالية ليست مرحلة الشيوعيين؟ وان كانت كذلك، فمتى هي مرحلتهم؟ وهل من المفروض ان يحرث الليبراليون الارض كي يزرعها من بعدهم الشيوعيون!

بالتأكيد كلام السعيد ليس هو كلام كل الشيوعيين خصوصاً وان الرجل بدى عليه الهذيان وفقدان التركيز وعدم القدرة في مواجهة سؤال المقدّم حيث تلعثم كثيراً وتردّد في الاجابة لدرجة بدأ يبرّر اجابته تلك، بان الوضع في البلد عبارة عن فوضى سياسية وان الشيوعيين ممكن ان يزيدوها فوضى بسبب فجوتهم الكبيرة تجاه عنصري الدين والقومية، والذي تركهما الحزب الشيوعي العراقي دون رؤية او معالجة واقعية كي يستطيع كسب الناس.
واضاف بان الليبراليين العلمانيين هم وحدهم القادرون على انتشال الوضع الراهن ممّا هو عليه الآن، مما اضحك الهاشمي كثيراً وجعله يقول بانك يا سعيد تخذل الشيوعيين بهذا .. لان المفروض بالفكر ان يبرز في وقت الازمات كي يبرهن صحة نظريته، لا ان ينتظر غيره ينقذه ومجتمعه في وقت الشدة، حتى يستلم هو زمام الامور في وقت الرخاء…

البعثي الدوري دخل هو الآخر على خط الشيوعيين والاسلاميين التقليديين الذين فشلوا في تقديم نموذج للدولة العصرية، واستعار مبرّراتهم وعباراتهم (بالنص والمعنى) التي كانوا يطلقونها بعد كل عملية فشل لهم، حينما قال ان سقوط صدام والبعثيين من اتباعه، لا يعني سقوط البعث كفكر قومي، وان ممارسة هؤلاء لم تكن تعبر عن النظرية البعثية، مشدداً على ان الخطأ كان في التطبيق وليس النظرية.

لا يُذكّرني هذا الاجترار سوى باجترار البعثيين القدامى لمقولات القائد الضرورة، مثل (ياحوم اتبع لو جرّينا) و(ما ردّلهم مخبّر) و(جدار الحصار يتآكل) وغيرها، مع فارق انهم اليوم يستنسخون ما يقوله الآخرون عن تجارب مضت، وليس ما كان يقوله رئيس قافلتهم صدام.
عموماً ساترك لكم انتم التعليق على البعثي واعود لصلب موضوعي الاساس، موضوع المرحلة الحالية، هل ستكون شيوعية ام لا.

ادق مَن يستطيع الاجابة على هذا التساؤل هم الشيوعيون انفسهم، هل انهم اعدّوا العدّة لمثل هكذا يوم، اعني يوم الانتخابات؟ هل بمقدورهم ان يقنعوا الناخب العراقي ببرنامجهم السياسي؟ هل هم مؤهلون لقيادة المحافظات العراقية في الانتخابات القادمة وبالتالي البلد في الانتخابات البرلمانية التي تليها؟
اعتقد ان اكثر المتفائلين من الشيوعيين سوف لن يجرؤ على القول بان الحزب سيأخذ اكثر من مقعد او مقعدين كحد اقصى في بعض المحافظات العراقية، بل لربما لا يحافظ حتى على مقعديه في مجلس محافظة بغداد، الذين حاز عليهما في الانتخابات السابقة من اصل 51 مقعد مخصّص للعاصمة .. والسبب ليس كما يدّعي بعض المتطرفين اليساريين من ان الحزب تخلى عن مبادئه وجذوره الماركسية وفضّل مصالحه الشخصية بدخوله العملية السياسية .. بل من وجهة نظري، عدم قدرة الحزب لخلق خطاب سياسي ينافس خطاب الآخرين وعدم القطع بأهم القضايا المصيرية، فضلاً عن غياب الرؤية او عدم وضوحها في ما يخص مستقبل العراق السياسي وما يمكن ان تكون ملامح نظامه في حال تصدّر الشيوعيون القيادة السياسية.

قائمة الحزب الشيوعي العراقي “مدنيون” والتي يأتلف فيها مع الحركة الاشتراكية العربية والحزب الديمقراطي، قد اعلنت برنامجها السياسي والخدمي والذي تركّز كبقية البرامج، على تحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية في المحافظات، لا اعتقد هي الاخرى ستكون البديل الناجح عن القوائم الباقية، لان معظم العراقيين يعلمون بأن المسألة الخدماتية غير متعلقة فقط باداء المُنتخَبين، بل هي مرتبطة بمجمل الوضع العام للبلاد، بما فيه الوضع السياسي والامني، فضلاً عن انهم غير مستعدين الآن للتغيير وكل الدلائل تشير الى ذلك. واذا كان هناك ثمّة احباط من اداء المجالس الحالية، فليس هناك من خطاب يساري او علماني قوي يستطيع لفت انتباههم وشد اصواتهم كي يكون البديل للاسلاميين الحاليين.

لهذا اعتقد بان المرحلة القادمة سوف لن تكون مغايرة للمرحلة الحالية على الرغم من انها ستشتمل حسب تصوّري على صعود بعض المستقلين على حساب قوائم الاحزاب عامة، وسوف لن تكون كذلك مرحلة الشيوعيين، لا لانهم سيزيدون البلد فوضى، كما يقول مهدي السعيد، بل لان الناس لم تجد بعد جدوى من التغيير او على الاقل لم تر خطاباً علمانياً يجاري خطاب الاسلاميين، وان ادعاء العلمانية والتقدّم من قبل بعض سياسييّ العراق الجديد، ليس سوى غطاءاً للبعث، كما هو الحال في رئيسين لقائمتين علمانيتين عربيتين في مجلس النواب الحالي.

سيبقى الحال كذلك، مالم تستطع التيارات العلمانية بما فيها اليسارية كسب ثقة المواطن العراقي والتخلّي عن جمودها الايديولوجي باتجاه التغيير والمواكبة وبعيداً عن شعارات الماضي وتطبيقات السلف.