الرئيسية » مقالات » شعبولا.. بطل من الزمن الاردأ

شعبولا.. بطل من الزمن الاردأ

تتسامى الامم بنماذجها الحضارية و الثقافية و الشعبية التي تعکس روحها الدفاقة و إمکانياتها المخزونة في أعماق وجدانها الجمعي، وکلما کانت تلك النماذج تطرح قيما و مثلا حضارية و إنسانية تحمل في طياتها کل معاني الحب و السلام و الوئام فإن تلك الامم تمتلك أهم مقومات التقدم و التفاضل قياسا لأمم أخرى. ومع ان الکثيرين يروق لهم أن يشککوا في القيم و المثل الحضارية للغرب و يطعنون بها، و يسعون جاهدين للتأکيد على الجانب”المعدني الاصم”من تلك الحضارة، فإنهم في نفس الوقت يلمحون الى أن مجتمعاتهم مازالت تحمل معطيات و قيما إنسانية و أخلاقية أفضل بکثير من تلك التي هي رائجة في الغرب أو دول تحذو حذوهم. هؤلاء يطبلون و يزمرون لکل ظاهرة شعبية تفرض نفسها على الواقع المعاش و يرون فيه معيارا محددا لقيم و مثل حضارية معينة، ولئن کانت أغاني الشيخ امام و قصائد أحمد فؤاد نجم قد عکست واقعا مصريا مريرا و بشکل يکاد يکون صورة طبق الاصل فإنها حملت في ثناياها في نفس الوقت معان و تطلعات بديعة و رائعة، فإن نماذج شعبية أخرى قد إنطلقت خلال العقود الاخيرة مع إنها تعکس بعض من تطلعات و رؤى الشارع الشعبي المصري، قد لا تحمل في الضرورة في جعباتها أية قيم و مثل حضارية مميزة سوى مجرد کلام تغلب على مضامينه السذاجة و السطحية و الإفتعال کما هو الحال مع المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم المعروف بشعبولا، حيث ان الاغاني التي يرددها في مناسبات محددة و غير محددة”يلهث”خلفها سعيا لجني شئ ما من ورائها، وإذا ماکان الشيخ امام و الشاعر أحمد فؤاد نجم قد قاسيا الامرين بسبب من مواقفهما بوجه عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، فإنهما في نفس الوقت عکسا قوة النظام السياسي المصري وقتها و متانة مضامينه الفکرية و السياسية فيما لانجد الامر ذاته ينطبق على حالة شعبولا و نظام الرئيس الحالي حسني مبارك، إذ کما أن النظام يعاني من عدة أزمات عميقة و لا يجد لأي منها حلا مناسبا و مفيدا ويکاد أن يکون في مفترق عدة طرق من دون أي خيار، فإن ذلك الفن الهابط الذي يطرحه ذلك الرجل الغريب على الفن و الفنانين يتشابه معه تماما بل و ينجذب إليه.
شعبولا الذي تناقلت وسائل الاعلام العربية نبأ تعاطيه لجرعة قوية من المخدرات ثم عادت بنفسها لنفي ذلك النبأ وعلى لسانه، فإن نقل هذا الخبر من مصادر طبية ثم نفيه من مصادر طبية أيضا هو أمر لايحير المرء في ظل تبريرات مشابهة لحالات سلبية يعاني منها النظام ذاته، لکن تقبل النفي هذا من قبل الجماهير و تصديقه هو نفس تقبلها و تصديقها لإدعاءات نظام الحکم المصري.
ان شعبولا الذي تسعى العديد من وسائل الاعلام العربية بشکل عام و المصرية بشکل تسويقه على أنه نموذج البطل الشعبي الرافض للعديد من الظواهر السلبية و المعبر عن مشاعر و أحاسيس الشارع الشعبي، هو بحق بطل، ولکن من الزمن الاردأ وليس الردئ وأن صعود هکذا نماذج و إنحسار أو”تبعيد” نماذج أصيلة و معاصرة أخرى هو تجسيد لواقع النظام السياسي ـ الاجتماعي ـ الفکري الحاکم و الذي وصل الى طريق مسدود ويسعى لمعالجة أزماته و أمراضه متوسلا بکل دکاکين العطارين و المشعوذين و الدجالين وفي هکذا أجواء يکون من الطبيعي جدا بروز شعبولا کبطل!